الأحد، ديسمبر 26، 2010

السبت، ديسمبر 18، 2010

بين الأرهابي تيمور والسفاح تيمورلنك


قبل بضعة أشهر خرج وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت الى شوارع ستوكهولم وفي يده حصّالة صغيرة لجمع التبرعات لحساب ضحايا الفياضات المدمرة في باكستان.
مشهد قد يبدو غريباً في بلداننا.. أن يخرج وزير، أي وزير، ليشارك في حملة تبرعات للأعمال الخيرية. ففي بلداننا يجلس الوزراء في مكاتبهم الموغلة في الفخامة ويجمعون الأموال لحسابهم الخاص وليس لحساب أحد آخر.
لكن وزير الخارجية السويدي، وهو بالمناسبة قائد سابق لحزب المحافظين السويدي ورئيس وزراء سابق وشخصية دبلوماسية عالمية ذات سجل حافل بالنشاط الدبلوماسي على الصعيد الدولي إذ أسند اليه الإتحاد الأوربي مهمة الوساطة في حرب يوغسلافيا السابقة 1995، ومهمة رئاسة الممثلية الدولية في البوسنة لمدة سنتين، لم يجد ضيراً في الخروج الى الشارع لجمع التبرعات لضحايا كارثة طبيبعية حصلت في بلد مسلم يقع على بُعد آلاف الأميال من بلاده.
فيما كان كارل بيلدت يقف بقامته العالية في ستوكهولم ويتجول بين الشوارع والساحات بين آلاف المارّة الذين لم يستغربوا أو يجدوا غظاظة فيما يحدث أمامهم سوى عدد قليل من الشرق الأوسطيين الذين صدمهم المشهد، كان شاب من أصل – يُقال أنه عراقي – يجلس في الظلام ليخطط لعملية تفجير ارهابية تُنفّذ على مقربة من الشوارع التي كان كارل بيلدت يجمع فيها التبرعات لمسلمي باكستان.
هذا الشاب الذي لم يبلغ الثلاثين من العمر جاء السويد كلاجئ وهو مازال طفلاً. هربت عائلته – التي يُقال أنها عراقية – من جحيم الحروب والحصارات أو لأسباب أخرى لايعلمها سوى الشيطان. فتحت السويد له ذراعيها ومدارسها ومستشفياتها وساحات لعبها وشواطئها وغاباتها ومنحته شعوراً بالآدمية لو شعر به هو أو أهله في وطنهم لما غادروه. درس بالمجّان على حساب السويد وشعبها، عولج بالمجان في مستشفياتها ومراكزها الصحية طوال تلك السنين وكان بإمكانه الدراسة في جامعات السويد التي تُعد من أفضل جامعات العالم مجاناً إلا أنه فضّل السفر والدراسة في بريطانيا فحصل على قرض دراسي من الدولة السويدية ودُفعت له جميع تكاليف الدراسة في الجامعة البريطانية التي اختارها. كل ذلك على حساب السويد وشعبها. والأكثر من ذلك منحته السويد – وعائلته – جنسيتها وجواز سفرها الذي يستطيع السفر به عبر ثلاثة أرباع بلاد هذا الكوكب دون الحاجة لتأشيرات دخول.
مع كل هذا جلس هذا الشاب الذي أتضح أن أسمه تيمور وليس في رأسه سوى شئ واحد هو أن ينتقم. ولكن ينتقم ممن ولماذا؟ ماذا لو كان هذا التيمور الذي يذّكر أسمه بتيمورلنك أحد أكبر سفاحي التاريخ الذين قتلوا من العراقيين ما عجز المؤرخون عن احصاءه، عاش في بلد لم يمنحه ما منحته له السويد طفلاً ومراهقاً وشاباً؟ ماذا لو عاش في بلده الذي هرب منه مع عائلته في ليلة سوداء وتجرّع مرارة الذلّ وهوان الجلوس على مقاعد المدارس في أيام الشتاء القاسية وهو يترجف برداً؟ كيف كان رد فعله لو تلقى كل أنواع الإهانات من معلميه ومدراءه ورؤسائه في العمل طوال حياته؟ ماذا لو ذاق طعم الجوع المرّ ومدّ يده في شوارع بلاده التي أتى منها ليحصل على لقمة عيشه؟ وماذا كان فعل وهي يتلظى عند انقطاع التيار الكهربائي في عزّ الصيف اللاهب؟
هذا التيمورلنك القزم لم يذق كل هذا ولم يره ولم يشعر به لأنه كان يعيش في واحد من أفضل بلدان العالم في مستوى المعيشة والخدمات واحترام حقوق الانسان. وعندما تزوّج ورزق أطفاله الثلاثة لم يسهر الليالي ليفكر بمستقبلهم لأن الدولة التي عزم على تدميرها ضمنت له ولهم مستقبلاً واعداً كغيرهم ممن يعيشون في هذه البلاد.
بين موقف كارل بيلدت الذي خرج من مكتب وزير الخارجية الى الشارع لجمع تبرعات لمسلمي باكستان وتيمورلنك القزم الذي كان يحسب أنه يتحدث بإسم مسلمي السويد بون أكبر من شاسع. أنه الفرق بين العقل والجنون، بين الشمعة التي تضئ والريح التي تحاول اطفاءها، بين من ينتمي الى الحياة وذلك الذي لايريد سوى الإنتماء الى عالم الموت.
سأشعر بالكثير من الخجل اذا تأكد أن ذلك الإرهابي تيمور عبد الوهاب العبدلي عراقي بالفعل. ولكنني أشك وأشكك بعراقيته فالعراقيين يملؤون بلدان العالم وهم يحملون معهم أينما حلّوا شمس السومريين وينثرون جمال عشتار البابلية على طرقات وبيوت المدن التي إستضافتهم الى حين عودتهم الى وطنهم بسلام ولو بعد حين، ويمنحون لمن حولهم إيمان علي بن أبي طالب (ع) وحكمة فلاسفة العراق عبر العصور وأروع الملاحم والقصائد التي خطتها أقلامهم من يوم أن كُتبت أول الكلمات على رقيم من طين الجنوب العراقي.
أما ظلام تيمور هذا الزمان وتيمورلنك القادم من الحقبة المظلمة وآلهتهما الدموية التي تعشق رائحة الدم البشري ويُسعدها منظر الأجساد المتناثرة على الجدران فبعيد عن ديانات العراقيين ومعتقداتهم وثقافتهم وتفصله عن العراق وشعبه نفس المسافة التي تفصله عن وزير خارجية السويد كارل بيلدت الذي خرج الى الشوارع ليجمع التبرعات لمسلمي باكستان.

سعد الشديدي

الخميس، ديسمبر 16، 2010

الهجرة الى الحسين


مباركة أيامك كلها. من لحظة خُلقتَ في أحشاء الغيب الى ساعة سقطتَ مضرجاً بدم تلوّنتْ به صفحة سماواتنا حتى يومنا هذا. ومباركة كلماتك. تلك التي حملناها بعدك في وديان الأزمنة وعبرنا بها حدود الوجود بإنتظار عودة الراية-الفكرة.
أنت الأسم، الصرخة والوعد.. ويد النور التي أعادت الحقيقة الى نصابها ومنحتها روحها وعنوان صيرورتها.
قبل أن تشرق شمس هذا اليوم ستسيقظ طيور المدن والبراري لتنشدَ بصمت غامر أغاني عزاءك، وتخبر غابات النخيل وشطآن القصب أنك أرتفعت في علياءك كما كل عام وأن زمن الهجرة اليك باقٍ ما بقيتْ أرض تدور وبشرٌ يخرجون من الغياب وإليه يعودون.
التراب الذي نسير عليه اليوم، هو ذات التراب الذي سارت عليه أقدامك المباركة وأقدام أخوتك وبنيك وصحبك، سيعود في رحلة الزمن وربما ستأخذه دهشة اللحظة المستوية بأن وقع أقدامنا ليس بثبات أقدامك وسيسأل إن كنّا سائرين من أجلك وتحت رايتك أم من أجل ووراء رايات وغايات أخرى!
الظلام الذي يلّف مواكبنا سيطيل النظر ويحاول أن يكون أكثر رأفة بالسائرين، من أجلك أنت لا من أجلنا، لأننا تعودنا الظلمة التي أنفتَ أنت الحياة فيها، حتى أننا لم نعد نفرّق بينها وبين نور شهادتك. لم نعد نفرّق ونحن في غيهب العتمة بين رايتك ورايات غيرك. وفي ضوضاء عصرنا لم نعد نسمع صوتك الذي أخفته بحنكة ودراية ومكر أصوات المتسلقين على صدرك الذي هشمته سنابك الخيل وجنازير الدبابات.
صوتك أمسى راية وأصواتنا قصاصات ورق.
لكنّ دمك، ذلك الذي حملَ شعار مجدك، لما يزل برهانٌ على حضورك المتأصل بيننا. فيالهُ من دمّ لم يجفّ تحت شمسٍ حارقةٍ نشفَ من صيهودها فراتٌ ودجلة. ويالهُ من لون تتصاغر في حضرته ألوان قوس قزح في أسمى بهاءه.
رايتك صارت اُفقاً مستعراً بكل احتمالات الإنتصار، وراياتنا تتوزعها رياح المشاريع الملتبسة وأعلام الأحزاب والطوائف
التي تتناسل كالكائنات البدائية في أعماق البحر، وفي كل خطوة نخطوها تنآى أقدامنا أميالاً عن سبيلك، فهلا لك مولاي وأبي أن تعيد لنا البوصلة التي أضعناها في عراقك الذي توجهتَ اليه موكباً وفكراً وحضوراً وثورة.
كل عام نسير الى كربلاءك.. لنستحضر كربلاءاتنا. مسيراتٌ موشّاة بلون حزنك وغامرة بشعاع أملٍ أطلقته شرارات خطواتك الواعدة. أي جبل أنت؟ وأي كوكب دريّ يتألق أبداً في سماواتنا؟ وأي أنفاس زرعتَها في صدورنا فإستعصى على شياطين الحقبِ والعصور حصادها؟ وأي عراقٍ هذا الذي باركتَه حين سقطتَ على ترابه فإرتفع بك واليك؟
أأنت العراق أم هو أنت؟ أم أنت كلاكما؟
السيوف والخناجر والطائرات والمجنزرات تدوس صدر عراقك كما داست صدرك من قبل. وعالم كامل العديد والعدّة يقف صامتاً بإنتظار سقوطه تماماً كما كان واقفاً بإنتظار سقوطك عن ظهر جوادك أيها الفارس، القائد، الشبلُ والطوفان المُنتظر. السكين جاهزة لذبحه كما ذبحتك مولاي. وعبيد الله بن زياد تناسخ في أشكالٍ وصور وأسماء. وهو جاهز بدنانيره ودولاراته لينثرها على الرؤوس فينفضّ الجمع كما أنفّضوا عنك.
لكنه ويزيده، الجالس في قصره المحميّ جيداً، يعرفان أن صوتك واصل لامحالة وأن صلاتك المعمّدة بالدم العابرِ أوردةَ الرجال وقلوبَ النساء والأطفال - من وُلدوا منهم ومن سيولدُ غداً أو بعده - ستُتلوها الشفاه المتطلعة الى آية مجدك وقدوم رايتك. وأن هناك من سيقول لا لمن يريدون أن يحولوا رايتك الى شراشف لموائدهم، وحقائب أنيقة لشهاداتهم المزوّرة وصفقاتهم النتنة، وأربطة لأعناقهم وحمالات لصدور نساءهم.
هذا اليوم، نسير نحوك مولاي وأبي ولاندري أن كنّا في طريقنا اليك أم اليهم!
كن شمسنا وخارطتنا وكتابنا الذي نتلوه في صلواتنا بل كن صلاتنا وِتراً وشفعاً. كن طريقنا الذي لا نحيد عنه وغايتنا. كن وطننا.. وليكن وطننا أنت. فماذا سنفعل أن غبت عن العراق أو غاب العراق عنك؟

سعد الشديدي

الأحد، ديسمبر 12، 2010

الثورة الإيرانية تدّق أبواب العراقيين؟!



مايجري اليوم في بغداد وبقية المدن العراقية يذكّر كثيراً بالأشهر الأولى التي تلت انتصار الثورة الإسلامية في ايران نهاية سبعينات القرن الماضي.
فالحراك الواسع من قبل قوى سياسية عراقية ترفع راية الإسلام لفرض بعض المفاهيم والممارسات وإقتلاع أخرى، يشبه ذلك الذي رأيناه عشية انتصار الثورة الإسلامية في ايران. ومحاولات فرض الشعار والممارسة الدينية لايختلف عن ذلك الذي تمّ قبل أكثر من ثلاثين عاماً ليس في ايران وحسب بل في دول المنطقة الأخرى.
في تلك الأيام كنت قد حللت لتويّ ضيفاً على مدينة بيروت الغربية هارباً من حملة ابادة منظمة قامت بها الأجهزة الأمنية والحزبية التابعة لنظام صدام حسين المقبور استهدفت قوى يسارية واسلامية عراقية.
مأخوذاً بالهامش الكبير الذي تمنحه بيروت للثقافة بكل أشكالها وبالصدمة التي أحدثته الحرية الواسعة للخارج من سجن نظام الحزب الواحد انكببتُ على قراءة كل ما وقع بيدي من صحف ومجلات وكتب ومنشورات وفتحتُ عينيّ على أوسع المساحات التي يمكن للعين البشرية أن تغطيها.
كنت شاهداً على ايام عصفت بالثورة وكادت أن تودي بها، وعلى الدعم الشعبي الكبير الذي لاقته آنذاك في صفوف القوى والأحزاب السياسية حتى أكثرها يسارية وعلمانية، ناهيك عن القوى الإسلامية - الشيعية والسنية على حدّ سواء - التي كانت تبحث عن موطئ قدم لها في غابة السياسة العربية آنذاك.
عشت، بمساعدة الصحافة اللبنانية والكم الهائل من الصور والأخبار المنشورة، أيام انتصار الثورة وعودة آية الله الخميني من منفاه الباريسي والاستقبال الذي حضيّ به في طهران، والحركة السياسية المحمومة التي شهدتها شوارع وساحات المدن الإيرانية في الأسابيع التالية. ثمّ الأشهر التي أعقبت ذلك كلّه.
القوى الشيعية في لبنان رأت في الثورة مصباح أمل لها وتحركت بسرعة وفعالية لإعادة تشكيل صفوفها من خلال حركة المستضعفين التي اسسها الإمام موسى الصدر قبل إختفاءه الغامض. وبدأتْ وفي تنظيم عالي المستوى بمهاجمة الحانات والبارات والمقاصف وبيوت اللهو في بيروت الغربية والمدن اللبنانية الأخرى، في محاولة جادّة لتطبيق الشريعة الإسلامية في مناطق تواجدها. وأستمرت تلك الحملة لأسابيع ثم خفتت فجأة وعادت الأمور الى نصابها الأول.
ولم يكن مرّد ذلك تخلّي القوى الإسلامية اللبنانية عن شعار تطبيق الشريعة بل الى أسباب أخرى منها أن الأمر والنهي في مناطق ما كان يسمى حينذاك بالحركة الوطنية اللبنانية كان لمنظمة التحرير الفلسطينية وقوى علمانية لبنانية ربما شعرت بخطورة تنامي الحركات والأحزاب الاسلامية فعملت مابوسعها وبطريقتها الخاصة لصدّ المدّ الإسلامي الآتي من ايران.
أعود الى تلك الأيام لأرى أيضاً أن جميع دول المنطقة تأثرت بشكل أو آخر بالزلزال الذي أحدثته الثورة الايرانية، سوى دولة واحدة هي العراق. رغم أن العراق كان لسنوات طويلة الحاضنة الرئيسية لقيادة تلك الثورة. وكانت مدن النجف وكربلاء ربما هي المدن التي انطلقت منها أولى نداءات الثورة الإسلامية مخترقة الحدود نحو ايران، وعلى أرضها تمّ تصفية بعض قيادات الثورة عن طريق الإغتيالات والتصفيات المنظمة.
رغم هذا كلّه بقيّ العراق خارج حدود التأثير الكبير الذي أحدثته الثورة الإسلامية وطال جميع دول المنطقة حتى أكثرها بُعداً من الناحية الجغرافية.
حاول نظام الطاغية صدام حسين، بشكل وحشي كعادته، كسر أولى أمواج البحر الغاضب التي وصلت الى العراق، عند اعتقاله آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر ومناصريه ومن ثمّ أعدام الشهيد الصدر الأول وعدد كبير من مناصريه وتلامذته ومؤيديه. في نفس التوقيت بدأ أزلام المقبور صدام حسين حملة واسعة لتصفية كل من يُشكّ بتأييده للثورة الايرانية في العراق. ثمّ سرعان ما اندلع لهيب الحرب العراقية الإيرانية التي إستمرت على امتداد ثماني سنوات وأتت على الأخضر واليابس في البلدين.
خلال سنوات الحرب كان من الممنوعات – بل من المحرمات - الحديث عن ايران وثورتها إلا بالشكل الذي يُرضى نظام العفالقة المقبور وكانت أجهزة إعلام النظام تفعل ما بوسعها لعزل العراقيين عن التطورات التي شهدتها المنطقة بأسرها وطالت من بين ما طالت البنى السياسية في ما يسمى بمنظومة الأمن العربي، وأفرزت رؤى وتحالفات جديدة.
كانت وسائل اعلام النظام الصدّامي تسوّق صورة كاريكاتيرية عن إيران وقياداتها، معبأة بالكثير من الأكاذيب وأنصاف الحقائق. حتى الحقائق التي لم يكن من البدّ الحديث عنها كانت وسائل اعلام النظام المقبور تعمد الى قلبها أو وضعها في سياقات غريبة عنها. لقد حاول النظام المقبور منع كل التأثيرات القادمة من وراء الحدود الشرقية للبلاد وكأنه يحاول اخراج العراق من دائرة الحدث والتفاعلات التاريخية معه. ولكن يبدو أن الوضع كان أكثر تعقيداً مما تصورته قيادات ذلك العهد الساذجة ولهذا باءت تلك المحاولات بالفشل.
ففي تلك الفترة على وجه التحديد تفاعلت مجتمعات ودول المنطقة، كلّ بطريقته الخاصة، مع الثورة الايرانية والنتائج التي تمخضت عنها.. سوى مجتمع واحد ودولة واحدة هي العراق. إذ تمّ تحريم ومنع أي حوارات أو دراسات أو تحليلات تتعلق بالثورة الإيرانية إلا من باب واحد هو الباب الذي كان النظام المقبور يسمح به. وفي الحين الذي أمتصت جميع المجتمعات والدول ما جاءها من ايران وأخذت ما أرادت ولفضت ما رفضت وتحصنت أو تفاعلت ايجابياً ضدّ أو مع أفكار الثورة الإيرانية، بقيّ المجتمع العراقي في كرسي المتفرج. فلاهو تفاعل إيجابياً وبشكل طبيعي مع أفكار الثورة ومبادءها وأحداثها ولا هو حصل على اللقاح الذي قد يجنبه "عدوى" الإصابة المحظورة.
هكذا أصبح المجتمع العراقي – بجميع بناه وهياكله – مشلولاً في جانب تحديد موقف صحيح من حدث كبير كان له تأثيرات هائلة على جميع دول المنطقة والتفاعل معه سلباً أو ايجاباً. وربما لهذا السبب مازال المجتمع العراقي يتعامل مع شعارات الثورة الإسلامية من زاوية العواطف وليس من الزاوية الواقعية وبذات المستوى الذي تتعامل به بقية دول المنطقة مع شعارات ورؤى ودولة الثورة الإسلامية في ايران. فالحواضن المؤيدة للثورة الإيرانية في العراق تسعى جاهدة، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على انتصار الثورة، الى اعادة تجربة الثورة في ايامها الأولى ناسية أن ايران نفسها تجاوزت الكثير من تلك الشعارات والرؤى وتركت البعض الآخر وراءها لإستحالة التوفيق بين الديني والسياسي في بعض الأحيان، ومازالت ترى في الدولة الإسلامية في ايران دولة ذات طبيعة مقدسّة واجبة الطاعة.
ما يجري اليوم في العراق قد يكون طبيعياً طبقاً لهذا السياق ويذكّر بمحاولات الحركات الاسلامية اللبنانية، مثلاً، بُعيد انتصار الثورة الايرانية عندما عمدت الى اغلاق الحانات ومحلات اللهو في بيروت. ما يلفت الانتباه هنا هو أن أكثر الحركات والأحزاب اللبنانية الشيعية تشدداَ لم تعدّ تضع الآن هكذا ممنوعات في سلّم أولوياتها.
مايحدث الآن في العراق لايخلو من خطورة على العملية السياسية الوليدة، التي مازالت تسير على حبل رفيع وموازنات دقيقة وعلى الوضع الديمقراطي الهشّ الذي أنتج هذه العملية السياسية.
في وضع ملتبس كهذا لابدّ للعراقيين أن يختاروا بين دولة اسلامية محافظة أو ديمقراطية تتبنى التعددية والإنفتاح على الآخر. الإيرانيون سبقونا في هذا منذ ثلاثين عاماً وقرروا في استفتاء شعبي عام شكل دولتهم التي يرغبون. أليس من الواجب علينا نحن أيضاً أن نفكر بالمرور بتجربة الإستفتاء الشعبي لنحدد شكل ومحتوى الدولة العراقية الجديدة؟
هل نريد: جمهورية العراق الإسلامية أم جمهورية العراق الديمقراطية؟
سؤال علينا أن نجيب عليه بسرعة دفعاً لأي احتقانات ومواجهات نحن في العراق لسنا بحاجة اليها الآن على وجه التحديد.

سعد الشديدي

السبت، أكتوبر 23، 2010

تسريبات ويكيلكس: 391832 فضيحة




يوم أمس الجمعة نشر موقع ويكيليكس 391832 من الوثائق السرّية لوزارة الدفاع الأمريكية جرى تسريبها الى الموقع الذي نشر في وقت سابق آلاف الوثائق والتقارير المسربّة عن الحرب في افغانستان.
تكشف التقارير العسكرية الأمريكية المنشورة في ويكيلكس بالأرقام والوقائع ماجرى في فترة أربع سنوات كاملة تمتد من الشهر الأخير في 2004 (1 كانون أول 2004) الى الشهرالأول 2009 (31 كانون ثاني 2009). في هذه التقارير التي كتبها جنود الولايات المتحدة في العراق وصف كامل – الى حدّ ما شبه يومي – لما حدث في العراق. وتعتمد التقارير على ملاحظات شاهدها وسمعها الجنود الأمريكيون. لذلك فإنها ذات أهمية خاصة لأنها تنقل بشكل دقيق ما كان يجري خلال وقت محددّ بأقلام شهود عيان أو قريبين جداً من الأحداث ولشهاداتهم أهمية كبيرة ليست من الناحية التوثيقية وحسب من ناحية فهم مايجري في العراق بعد عام 2003.
بإجراء تحليل سريع – لايغطي بالتأكيد جميع الوثائق والتقارير التي يبلغ عددها أقل بقليل من أربعمائة الف وثيقة – يمكن بشكل عام تحديد عدد من المحاور اهمها:
1- سلوك الجنود الأمريكيين ضد المدنيين العراقيين. هذا الجانب يشكّل جزءاً مهماً من التقارير. وليس هناك الكثير من المعلومات الجديدة في هذا الجانب إذ أن الكثير مما ورد في تلك التقارير معروف سلفاً ولو بشكل غير رسمي. فالعراقيين وغيرهم يعرفون الكثير عما جرى اثناء تلك السنوات الأربع وبعضها موّثق بالصوت والصورة وتمّ نشره في وسائل الإعلام.
2- جرائم شركات الحراسة الخاصة. تشكف التقارير أن وزارة الدفاع الأمريكية كانت على اطلاع كامل بحوادث اطلاق نار قام بها أفراد ينتمون الى تلك الشركات، ذهب ضحيتها العشرات من العراقيين. ووصفت تلك التقارير أن الموظفين العاملين في تلك الشركات اصبحوا "عناصر خارج السيطرة" ولكن القيادات العسكرية الأمريكية لم تقدم إلا عدداً قليلاً منهم للمحاكمة مع علمها الكامل بتفاصيل كافة الحوادث.
3- وثائق وتقارير تكشف الستار عن نشاط القوات التابعة للحكومة العراقية. أكدّت التقارير أن هناك فرقاً خاصة ترتبط مباشرة وتأتمر بأمر رئيس الوزاء نوري المالكي وأن تلك الفرق خرقت القانون مرات كثيرة ونفذت اعتقالات غير قانونية. وأن القوات المسلحة العراقية تمارس التعذيب بشكل منتظم بحق السجناء في السجون والمعتقلات العراقية.
4- الدور الايراني. تزيح آلاف من التقارير الأمريكية الستار عن تعاظم الدور الايراني في العراق، وتكشف عن توّرط الحرس الثوري الإيراني في تقديم الدعم المالي لمجموعات عراقية مؤيدة لإيران ومدّها بالأسلحة – حتى الثقيلة منها وتواجد شكوك بتهريب أسلحة مضادة للطائرات الى هذه المجموعات. ويتجاوز الدور الإيراني ذلك الى ممارسة ضغوط مستمرة على سياسيين عراقيين واغتيال عدد آخر، ووصل الأمر الى محاولة اغتيال السيد رئيس الوزراء نوري المالكي (عندما تصدى للجماعات المؤيدة لإيران) وكذلك محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي الأسبق أياد علاوي.

لايمكن أن نشككّ بمصداقية جميع الوثائق المنشورة ولايمكن أيضاً أن لانفعل ذلك. فالوثائق هي تقارير يرفعها جنود وضباط أمريكيون كتبوها في ظروف مختلفة وهم تحت ضغوط عديدة، وقد تكون المعلومات مبالغ فيها أو ربما تمّ التقليل من أهمية البعض الآخر. ولكن مايجب الإنتباه له، وعلينا أن نضع تحته الكثير من الخطوط، هو أن المواطن العراقي، وبشهادة مئات الآلاف من الوثائق الرسمية الأمريكية، هو دائماً الضحية. فالأمريكيين لايعاقبون جنودهم الذين قتلوا مدنيين عراقيين ومارسوا أبشع عمليات التعذيب ضدّهم. ومنتسبي شركات الحماية الخاصة – بلاكووتر وجماعتها – الذين قاموا بقتل عشرات المدنيين العراقيين بدم بارد لم يتعرضوا هم الآخرين لأي مسائلة قانونية لامن قبل السلطات الأمريكية ولا العراقية. ذات الشئ ينطبق على القوات المسلحة العراقية التي طالما حلمنا بأن تكون قوات من الشعب وللشعب وأن تأتمر بأمر القانون وتسير وفقه بغض النظر عمن يكون الرئيس والقائد الأوحد والملهم وعبقري زمانه الذي يقود بلادنا.
أما أيران فدورها أكثر من واضح في توجيه آفاق المشهد السياسي العراقي فهي الأخرى موغلة في توجيه مخالب الموت نحو المدنيين العراقيين وهذا ليس بالجديد أيضاً.
لايهم من سيشككّ بمصداقية الوثائق المسرّبة ولايعنينا من سيرفعها ليستعملها قميص عثمان في معاركه ضد جهات بعينها. ما يعنينا هنا هو أن آلاف العراقيين الذي قضوا خلال سنوات أربع خرجوا من قبورهم ، المعروفة والمجهولة، وهم يدورون الآن في عالم السايبرسبيس يطالبوننا جميعاً بعدم تكرار ماحدث لهم مع أبرياء آخرين. الدم العراقي يسيل عبر كابلات الإنترنت وخطوط الهاتف.. يسيل من شاشات الكومبيوتر على طاولاتنا وأوراقنا بعد أن سال الكثير منه على شوارعنا وفي بيوتنا.
وثائق ويكيليكس منحت قتلانا وجهاً نراه نحن كل يوم ونعيش معه وعلى ذكراه، فموتانا معنا يأكلون من خبزنا ويشربون من كؤوس الشاي التي نشرب منها حتى أننا نشعر بأنفاسهم تتردد ليس في ضمائرنا وحسب بل في الهواء الذي نتنفس.
أما القاتل، أما القتلة فلينكروا ما شاؤوا وليشككوا بصدق الوثائق ما أستطاعوا فالموتى قادمون ليعلموننا درساً لن ننساه.


سعد الشديدي
gelgamesh2000@hotmail.com


الخبر المنشور على موقع ويكيليكس
في الساعة 05:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة في يوم الجمعة 22 أكتوبر 2010 نشر موقع ويكيليكس أكبر تسريبات عسكرية سرية في التاريخ، 391,832 تقريراً (سجلات حرب العراق), توّثق للحرب والاحتلال في العراق، في الفترة الممتدة من 1 كانون ثاني/يناير 2004 إلى 31 كانون أول/ديسمبر 2009 باستثناء شهري أيار/مايو 2004 وآذار/مارس 2009 كما رُويت من قبل الجنود في جيش الولايات المتحدة. كل منها يوّثقُ حدثاً ذا أهمية خاصة في الحرب - Significant Action - SIGACT. وتؤكد تفاصيل الحوادث التي شوهدت وسُمعت من قبل القوات المسلحة الأمريكية في ميدان العمليات في العراق وهي اللمحة الحقيقية الأولى في التاريخ السرّي للحرب أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية كانت مطلعة على مجريات الأمور طوال الوقت.
تذكر التقارير وقوع 109,032 حالة وفاة نتيجة للحرب في العراق، تشمل 66,081 من المدنيين، 23,984 "عدو" (مصنفون على انهم من المتمردين)، البلد المضيف 15,196 (قوات الحكومة العراقية)، و3,771 "قوات صديقة" (قوات التحالف). الأكثرية العظمى من القتلى كانت بين المدنيين إذ بلغت 66,081 قتيلاً أي أكثر من 60% من العدد الإجمالي للقتلى, أي أن 31 مدنياً قُتلوا كل يوم على امتداد فترة ست سنوات. بالمقارنة مع 'Afghan War Diaries' التي نشرها موقع ويكيليكس مؤخراً، ويغطي نفس الفترة فإن عدد القتلى في أفغانستان بلغ حوالي 20,000 قتيلاً. أما عدد القتلى في العراق في نفس الفترة فإنه يعادل خمسة اضعاف مقارنة بعدد السكان.
نقلاً عن موقع ويكيليكس: ترجمة سعد الشديدي

الخميس، أغسطس 12، 2010

هل يموت العراق بإنتظار 2020؟



تصريح رئيس أركان الجيش العراقي السيد بابكر زيباري يوم أمس الأربعاء حول انسحاب الجيش الأمريكي يدعو الى الكثير من التأمل. فالتصريح المقتضب والمحيّر الذي أدلى به السيد زيباري، في مؤتمر عُقد لتقييم جاهزية القوات المسلحة العراقية بعد الانسحاب الأمريكي، يؤكد أن الجيش العراقي ليس قادراً على حماية البلاد قبل حلول عام 2020 في حال انسحبت قوات الإحتلال الأمريكي بشكل كامل من البلاد نهاية العام القادم.

تأملتُ الرقم جيداً لأرى ما اذا كان ثمة خطأ مطبعيّ وراجعت عدداً آخراً من وسائل الاعلام التي نقلت الخبر، للتأكد ليس إلا. ولكن لم يكن هناك من خطأ. فالعام هو فعلاً 2020 وليس قبله حتى تصبح قواتنا المسلحة ناضجة بالقدر الكافي لحماية البلاد، أرضها وبحرها وجوّها وحدودها.
ورغم أن تصريح السيد الزيباري، الذي يحمل رتبة فريق أول ركن، يبدو علمياً وموضوعياً للوهلة الأولى إلا اننا نقرأ مابين السطور أن رئيس أركان جيش العراق الجديد يعرّي نفسه ويفضح جيشه أمام الملأ لأنه يعترف ضمنياً أنه رئيس أركان نصف أو ربما ربع جيش وليس جيشاً كاملاً قادراً على الوقوف أمام مخاطر محتملة فكيف بمخاطر حقيقية ماثلة كتلك التي تسود في عراق مابعد 9 نيسان 2003. إنه يقول بالحرف الواحد أن الجيش الذي يقوده من غرفة عملياته ليس إلا تشكيلات جنينية غير مكتملة النمو ولن تستطيع الوقوف على قدمين ثابتتين إلا بعد سنوات وسنوات.
الأمرالذي يتعارض تماماً مع تصريحات السيد نوري المالكي ووزراء حكومته التي تؤكد دائماً على اكتمال جاهزية القوات المسلحة العراقية لمواجهة الأخطار التي يمكن أن تعصف بالعراق وأصرارهم، جميعاً دون استثناء، على رحيل قوات الإحتلال الأمريكية. ويتضارب بشكل أكثر وضوحاً مع تصريحات الإدارة الأمريكية - بجلالة قدرها - حول قدرة العراق على حماية نفسه "بمساعدة أمريكية بسيطة"!

هناك من يكذب. فهل هو بابكر زيباري أم نوري المالكي ووزراء حكومته أم الإدارة الأمريكية؟
واذا كان العسكريون العراقيون يعرفون أن جيش بلادهم غير قادر على الوقوف بوجه أية مخاطر قادمة فلماذا تُصّر الولايات المتحدة على اتمام انسحاب قواتها في نهاية 2011؟ ألا يعرف العسكريون وخبراء الاستراتجية الأمريكيون بهشاشة وضع القوات المسلحة العراقية؟ وكيف تترك أمريكا البلدَ الذي وعدت أن يكون مناراً للديمقراطية والحضارة في المنطقة، يواجه مصيره المظلم لوحده دون ناصرٍ ولامعين؟
هل أنزل الأمريكيون العراق الى البئر وينوون الآن قطع الحبل به؟
لا أعرف كيف تتخلى أمريكا عن مشروعها "لدمقرطة" الشرق الأوسط وتتركه يتهاوى ويدفنُ جنباً الى جنب مع تجربتها غير المكتملة في العراق ؟ ولكن هل كانت أمريكا تنوي حقاً منذ البداية أن "تدمقرطنا" أم أن انها كانت تدفع كرة الثلج المدمرة في اتجاه زيادة الدمار الذي أحدثته حروب الديكتاتور العبثية وسنوات الحصار الأقتصادي الذي قضى وبشكل شبه كامل على ما كان باقياً من القدرات العلمية والتقنية والثقافية والإقتصادية للعراق؟
في الجانب الآخر فإن الفريق أول ركن زيباري – ولايدري أحد من اية أكاديمية عسكرية حصل على رتبته هذه التي يقضي ضباط حيواتهم بكاملها في العسكرية قبل الحصول عليها!!- يحيل الكرة في تصريحه الى ملعب السياسيين طبقاً لوسائل الاعلام ويرى أن "على السياسيين ايجاد اساليب اخرى لتعويض الفراغ ما بعد 2011، لان الجيش لن يتكامل قبل عام 2020". عفواً سيادة الفريق؟؟ كررّها مرةأخرى من فضلك.. السياسيين؟ هل أنت جاد حقاً؟ تركت الناس بأبيضهم وأسودهم وأحمرهم وأصفرهم وأتجهت صوب السياسيين؟
ألا ترى سيادتكم أن حال السياسيين هو حال العمى؟ فهم لايرون ولايريدوننا أن نرى وتريد منهم بعد ذلك ايجاد أساليب لتعويض الفراغ الناجم عن انسحاب القوات الأمريكية؟ ثم هل استطاع اولئك السياسيين ايجاد اساليب لتعويض أي فراغ آخر حتى الآن حسب علمكم؟ أنظر فقط يا سيادة الفريق الى وضع الكهرباء، والماء والمدارس والمستشفيات. اترك كل هذا وتعال معنا في جولة لترى بعينك هل استطاع رجال السياسة هؤلاء ايجاد حلول للأزبال المتراكمة في شوارع مهمة جداً في العاصمة العراقية، كي تأتي أنت وتطالبهم بإيجاد أساليب لتعويض الفراغ المترتب على أنسحاب القوات الأمريكية؟
نعم هناك فراغ واحد يا سيادة الفريق يمكن لسياسيي العراق الجديد ملئه وهو الفراغ الذي كان في جيوبهم. فقد امتلأت الجيوب - بحمد الله - بمليارات الخزينة العراقية المنهوبة حتى ليعتقد المرء أن قياداتنا الحزبية والسياسية ليسوا إلا مرتزقة في جيوش غازية جاءت لتدمر بلداً معادياً أو أسراباً من الجراد الجائع حلّ كعاصفة سوداء لإلتهام كل ما تصل اليه اياديهم.
ولن نتحدث عن الفراغ الذي نعرفه جميعاً نتيجة السباق الماراثوني اللاعقلاني واللامثمر لتشكيل الحكومة القادمة – هذا اذا كانت ثمة حكومة قادمة.
ولكن ما الحلّ يا سيادة الفريق؟ هل سيُترك العراق للقضاء والقدر ولجيش لايستطيع الدفاع عنه؟ وهل الحل الأخير بأيادي سياسيين يعانون من شلل الارادات والضمائر؟
لن أكون حالماً أو ساذجاً لأقول أن العراقيين كأمة قادرة على حماية نفسها. فالأمة التي لم تستطع حماية نفسها من اغتصاب الدكتاتوريات لها وبشكل متكررّ غير قادرة على حماية نفسها. الأمة التي يُقتل خيرة ابناءها وبناتها كل يوم ولاترفع اصبعاً لحمايتهم غير قادرة على الدفاع عن نفسها. الأمة التي يُسرق تراثها وآثارها ونفطها وماؤها وعلماؤها ومبدعوها ولاتفعل شيئاً غير قادرة بالطبع على الدفاع عن نفسها. الأمة التي لايعرف مواطنوها معنى المواطنة غير قادرة هي الأخرى على الدفاع عن أحد أو عن شئ.
قبل الإنتهاء من كتابة هذا المقال صرّح السيد محمد العسكري الناطق بإسم وزارة الدفاع أن تصريحات السيد زيباري "فهمت خطأ حيث كان يقصد القدرات المستقبلية للجيش العراقي وليس المهام الامنية الداخلية "، وأكدّ السيد العسكري في بيان صحفي " ان القوات الامنية العراقية مستعدة وبكامل الجاهزية لتسلم المهام الامنية الداخلية وفقا للمواعيد المحددة".
ويبدو أن السيد محمد العسكري لم يقرأ تصريحات رئيس أركان الجيش بشكل دقيق وفاتهُ قوله أن "على السياسيين ايجاد اساليب اخرى لتعويض الفراغ ما بعد 2011، لان الجيش لن يتكامل قبل عام 2020" وهذا يعني بالتأكيد أنه سيكون هناك فراغ يقلق قيادة أركان الجيش العراقي. فمن سنصدّق الآن ياوزارة دفاعنا التي لانعرف ان كانت جاهزة للإستخدام أم لا.

أخيراً لن يبقى لنا سوى أن نكمل ما لم يقله السيد بابكر زيباري – أو اراد قوله ولكنه أحجم في اللحظات الأخيرة فأحاله الى السياسيين، وهو أن نطلب بأدب جمّ من الأمريكان البقاء والإمعان في احتلال بلدنا وان نمنحهم شيك على بياض لأن يفعلوا ماشاؤا متى ماشاؤا دون أن يتعرض لهم أحد. وأن نجلس متحلقين وبهدوء تامّ حول الفوانيس في ليل العراق المظلم ونحن نرى العراق يتفكك قطعة بعد أخرى ونشيع أمواتنا قافلة تلو الأخرى بانتظار حلول عام 2020.
فهل سنستطيع ذلك وهل سنتمكن كأفراد وأمة ووطن من البقاء على قيد الحياة حتى ذلك التاريخ؟
ربما، من يدري!
على أية حال رمضان كريم وكل عام والعراق بمدنييه وعسكرييه بخير.

سعد الشديدي

الخميس، أغسطس 05، 2010

مقام عراقي




أنغامُ الليلِ تسافرُ في أوتارِ العودْ.
ناعمةً.. غائمةً..
عابرةً مُدناً نائية.. ونقاطَ حدودْ.

في نغمِ الدو.. دورْ.. دارْ، شعبٌ يحرقهُ دولارْ.
رَي.. ريحٌ خائفةٌ تسّاقطُ أنغاماً فوقَ الأوتارْ.
مي.. ميراثٌ يتناسخُ أنصالَ سهامٍ وشقائق نعمانٍ سوداءْ.
فا.. فاصلةٌ تتوّسطُ جسرَ الشهداءْ.
صول.. صولاتُ غزاةٍ يتبعثرُ فيها الحرفُ.. من الألفِ الى الياءْ.
لا.. لأفتةُ تعلنُ موتَ العوّادِ، وتأخيرَ اليومِ المشهودْ!
سي.. سيجارةُ سومرْ يتصاعدُ منها زقّوراتُ دخانٍ.. وبقايا ثكناتٍ ورفاةَ جنودْ.

صوتُ رصاصٍ ورصاصٍ.. ورصاصْ.
أنغامٌ أم بابٌ موصودْ؟


سعد الشديدي

الأحد، أغسطس 01، 2010

هامش عراقي/عابرون في كلام عابر


* مع الشكر لمحمود درويش.

أيها المارّونَ، في المنطقةِ الخضراءِ
بين الصفقاتِ العاثرة.
احملوا أصواتنا وانصرفوا
وابحثوا عن وطنٍ آخر
في باريسَ.. أو لندنَ
في طهرانَ..
أو في القاهرة.
ودعونا نتهجى خيبةً أخرى..
ونمضي بهدوءٍ لنرى ماذا دهانا
وانتخبنا أغبياءً..عملاءً، وكلاباً فاجرة.

أيها المارّونَ، في المنطقةِ الخضراءِ،
أسلمنا لجيشِ الاحتلالْ
وطناً ينزفُ ملحاً ورمالْ
وجلسنا فوقَ تلّ أسودٍ محترقٍ،
ننتظرُ البركانَ في ثورتهِ
يأخذنا نحو عراقٍ..
في رواياتِ الخيالْ.
فانظروا ماذا جنينا
وطناً يقذفُ من أحشائهِ.. سُحتاً.. وأشباهَ رجالْ.

أيها المارّون بين الصفقات العاثرة
منكم المالُ.. ومنّا الشهداءْ
منكمُ الطائفةُ.. الأقليمُ..
والدستورُ مشلولاً.. ومنا الفقراءْ.
منكم المثقبُ في الرأسِ
ومنا الكهرباءْ.
منكمُ الجيشُ.. وحكمُ السجنِ
والتعذيبُ حتى الموتِ، والنارُ
ومنّا كربلاءْ.

ولنا ما ليس يرضيكم
لنا صوتُ عليٍّ والحسينْ
وترانيمُ نبوخذنصّر الأولى
على جبهةِ انليل وأبواب السماءْ.
ولنا النعمانُ والكاظمُ
والحُرُّ الرياحيُّ.. وصبرُ الأنبياءْ.


ولكمْ أن تشربوا ما شئتمو من دمنا..
وخذوا من خبزنا حتى الفُتاتْ.
اقتلوا تاريخنا في مهدهِ
واسرقوا دجلةَ من جيبِ الفرات.
وأعذرونا،
أننا شعبٌ عظيمُ الهفواتْ.


أيها المارّونَ بين الصفقاتِ العاهرة
آنَ أنْ تنصرفوا
واتركوا المشهدَ مفتوحاً على كلّ احتمالاتِ الوضوح،
قبل أن نفتحَ باب الآخرة.
أيها المارّون في المنطقةِ الخضراءِ،
بين الصفقات العاثرة..


سعد الشديدي

الثلاثاء، يوليو 13، 2010

فرعون علي الوردي.. يتحدث



• كان الدكتور علي الوردي يقول عن الملك فيصل الأول انه كان بدوياً ولكنه كان ذكياً لإعتماده على مستشارين أكفّاء بنوا له الدولة العراقية.
• في مرات كثيرة سألني الدكتور علي الوردي: كيف يمكن أن يحصل على مادة السيانيد.. وكان يريد أن يتناولها ليغادر الحياة.
• لم يظهر اي أثر لمذكرات الوردي وكتاب آخر له عن الشخصية البشرية.
• لو فقهت الأحزاب الوطنية العراقية طروحات الوردي لكنا الآن بألف خير.

حاوره: سعد الشديدي

في مثل هذا اليوم 13 تموز/يوليو يكون قد مرّ عقد ونصف على رحيل عالم الإجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، الذي خلّف لنا ولأجيال مقبلة من العراقيين تراثاً كبيراً ومدرسة اسلوبية متميزة في حقل الدراسات الإجتماعية. رحل الوردي وكان له أن يُنسى كغيره ممن سبقوه من العلماء والباحثين الأكاديميين العراقيين لولا أنه ترك لنا ميراثاً يثير الكثير من الالتباس لدى الباحث والقارئ على حدّ سواء، لامتيازه برصانة أكاديمية لم يبزّه فيها أحد، فضلا عن أنه مثير للكثير من الجدل.
ولكن هل هذا كلّ ما في الأمر؟ هل حاز الورديّ على شهرة فردت جناحيها في الآفاق لأنه جاء بجديد حرّك به مياهاً راكدة ومنحها دفقاً منعشاً دفعها، ولو لسنواتٍ معدودة، الى أمام أم لأنه كان صاحب مشروع اصلاحي لبس عباءة الأكاديميين الوقور؟
مؤلفاته التي تجد مكانها على رفوف الكتب في بيوت العراقيين تنبئ عن رجل احترف التمرّد واراد أن يؤسس لمجتمع آخر. وهذا ما يقوله أيضاً الصحفي والكاتب العراقي سلام الشماع الذي كان ملازماً سنوات عديدة للدكتور علي الوردي وكتب عنه الكثير في حياته وبعد رحيله. ويبدو أن ثمّة مشتركات جمعت بين الاثنين كان التمرد من بينها إن لم يكن أبرزها.
ويقال أن الدكتور علي الوردي أطلق على سلام الشماع لقب "فرعون علي الوردي". فلماذا استمر فرعون بجدّ ودأب وبالكثير من الوفاء في بنيان صرح الوردي حتى بعد رحيله؟
الشماع تحدث عما لم يُصرّح به قبلاً عن علاقته بالعلامة الوردي في لقاء ساخن كان يمكن أن يطول أكثر لولا أن الشماع امتنع عن الإجابة عن كثير من الأسئلة خشية أن يفسد على القراء متعة مطالعة محتويات ثلاثة كتب جديدة ألفها عن الوردي ستصدر بعد أيام متزامنة مع الذكرى الخامسة عشر لرحيل الوردي، وهو يهيء الآن إلى تأليف كتاب جديد عنه يقول أنه سيكون "صاروخا" ثقافيا يشغل جميع الأوساط بأصدائه؟

سألته: خمسة عشر عاماً مرّت على رحيل عالم الإجتماع الكبير الدكتور علي الوردي. كنت خلالها احد أهمّ الذين حرصوا على نشر تراثه في مجموعة من الكتب والدراسات المقالات آخرها هو كتاب مجالس الدكتور علي الوردي الذي سيصدر قريباً. ما طبيعة علاقتك بالدكتور الوردي في حياته؟ هل كنت صديقاً له أم مريداً أم ابناً روحياً ؟

ـ كان رحمه الله أباً روحيا لي أكثر من كونه صديقاً وأكثر من كوني أحد مريديه، كنت شديد الاعجاب بآرائه التي تحرض الفكر وتكفر بالسائد من القيم والتقاليد، وما كنت سأعجب بذلك لو لم أخلق متمرداً مثله.. إن نزوعي للتجديد هو الذي حرضني على ملازمة الوردي..
* يبدو أن الدكتور الوردي تركَ فيك أثراً، أو آثاراً، لم توّفق السنوات الخمسة عشر الماضية بمحوها، فما زلت من أكبر "المبشرين" بمدرسة الراحل الكبير. ونشاطك المتوزع بين الكتابة عنه وجمع صوره النادرة مروراً بإلقاء المحاضرات وتأليف الكتب وكتابة المقالات وصولاً الى المشاركة بكتابة مسلسل تلفزيوني عن حياة عالم الاجتماع العراقي الكبير يقول إنك حقاً فرعون علي الوردي. فما هي حكاية هذا اللقب الذي أطلقه عليك الدكتور الوردي نفسه؟
ـ كان الوردي الراحل يسرني بانتقاداته لمن حوله ويحلل شخصيات المجالس البغدادية وتصرفاتهم أمامي، بل ويخصني بآرائه التي لا يرغب بالبوح بها لأحد، وقد لاحظ رواد المجالس البغدادية ذلك ولاحظوا أيضاً أنه يجلسني إلى جانبه في أي مكان نجتمع فيه، ويميل إلى أن يهمس بأذني بكل شيء يعن له، فصاروا إذا أرادوا طلب شيء منه وتوقعوا أنه سيرفض طلبهم يلجأون إلي لأجعله يوافق بعد أن أقنعه فكان يعلن أمامهم قولته: (لكل نبي فرعون وفرعوني سلام الشماع).. وذهبت قولته هذه كالمثل بين رواد المجالس.
* هل يؤمن سلام الشمّاع بأفكار الوردي؟ أقصد هل تفعل كل هذا لأن علي الوردي فقط ابن مدينتك – الكاظمية – وأنك تضمر له الكثير من الاحترام والتبجيل على هذا الأساس أم انك من المؤمنين بمشروع الوردي؟ وبالمناسبة هل كان مشروع الوردي أكاديمياً بحتاً أم أنه كان يرى أن أفكاره يمكن أن تصبح يوماً ما إطاراً لمشروع إصلاحي مجتمعي؟
ـ التقيت الوردي وعمري لا يتجاوز الخامسة عشر في كتابه وعاظ السلاطين ثم في كتبه الأخرى وخصوصاً موسوعته (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)، وقد ملت إلى الأجزاء الاخيرة منها ولم أتواصل مع أجزائها الأولى، ثم عملت في الصحافة وعمري سبعة عشر عاماً وأنا مشبع بأفكار الوردي من دون أن التقيه وجها لوجه وحدث أن جاء لزيارة المجلة التي أعمل فيها.. ولكن علاقتي بالوردي لم تبدأ في ذلك الوقت وانما تحدثنا حديثا قصيرا جدا، ولكن خلال لقاءاتي بالفنان الراحل خليل الورد في العام 1975 وما بعده كان يحدثني عن الوردي كثيرا وقد عرفني على العلامة الراحل الدكتور حسين علي محفوظ وكنت اصحب محفوظاً الى الكاظمية لنحط رحالنا في محل صياغة يعود للسيد صفاء الوردي وهناك امكنني ان اتعرف على الوردي في الثمانينات من القرن الماضي ولازمته إلى آخر يوم في حياته، لذلك تستطيع أن تقول أن علاقتي بالوردي نشأت بسبب اعجابي بأفكاره الذي قادني إلى الايمان بها. إن الوردي لم يكن سياسيا ولكنه مؤدب السياسيين ولولا ذلك لكان صالحا أن ينشيء حزبا خاصا بأفكاره ولآمن به كثيرون، خصوصا وأنه كان مخلصاً لهذه الأفكار وكان صادقا مع نفسه، ومازالت أفكار الوردي تجد صداها في عراق اليوم الذي يسمونه جديداً مع أنه (أعتق من اليخني) كما يقول العراقيون لأن ما نشهده اليوم شهده العراقيون قبلنا في العام 656 هـ 1258 م فقد شن التتار القدامى حملة ابادة بشرية ضد العراقيين وثقافتهم وتاريخهم كالتي نشهدها اليوم ووصل عدد القتلى من العراقيين إلى أكثر من مليوني نسمة، كما وصل إلى هذا الرقم في زمن التتار الجدد.. ولم أر مثل الوردي محباً ومخلصاً للعراق، فقد كان يصارح العراق بأمراضه التي كان لا يريد لها أن تفتك به.
* عندما تقوم ببحث سريع في الإنترنت والصحافة تتوصل إلى شعور بأن هناك إجماعاً على أن علي الوردي أعلن قبيل رحيله بسنوات أنه يقوم بتأليف مذكراته أو كتاب ما أطلق عليه "كتاب العمر". هل حدّثك الوردي عن هذا الكتاب. أشعر ببعض الفضول لأن هناك من يقول أنك كنت ممن يثق الوردي بهم، أي انك كنت من خاصتّه. ماهي معلوماتك عن هكذا كتاب؟
ـ حدثني الوردي رحمه الله عن ذلك أكثر من مرة كما كان يحدث الناس ولكنه لم يرني مخطوطاً، ولاحظ أنك دمجت المذكرات بكتاب العمر، مع أنهما اثنان، فالمذكرات مؤلف قائم بذاته وكتاب العمر الذي كان يعمل به وأعلن عجزه عنه لبلوغه الشيخوخة هو كتاب يدرس الشخصية البشرية، ولكن لم يظهر أي أثر لهذين المؤلفين على الرغم من انني امتلك وثيقة بخط الوردي يمكن أن نعتبرها (اسكيجا) لكتاب دراسة الشخصية البشرية، ولكنه على حد علمي لم ينجزه، أما المذكرات فقد يعثر عليها في يوم من الأيام.
* وأين الجزء الأخير، أو الأجزاء المتبقية، من كتاب لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث تلك التي نعرف جميعاً انها لم تصدر ربما لأن الوردي حجبها عن النشر لأنه لم يشأ التصادم المفتوح مع السلطة في حينها أو انها قد تكون مُنعت بأوامر عليا؟ لماذا لم تصدر حتى الآن؟
ـ في حدود معلوماتي ومسموعاتي من الوردي أنه توقف عن كتابة اللمحات إلى سنة 1958 وظل يدور حول أفكاره كاتباً مقالات تتضمنها، وكان يقول إن الناس يسمونني (الدكتور صاقول) لكثرة ما أعيد وأصقل في الحديث عن أفكاري، والحقيقة أني لا أتفق معك في عبارة (لأنه لم يشأ التصادم المفتوح مع السلطة في حينها أو انها قد تكون مُنعت بأوامر عليا) ذلك لان الوردي كان يمتلك شجاعة نادرة في المواجهة وكان يوجه انتقادات لاذعة وبإسلوب ساخر الى كل ما لا يرضيه من سلطة وافراد وعادات وتقاليد وإجراءات حكومية من دون ان يجد من يحاسبه.. ومن يحاسب الوردي والجميع يعرف حبه للعراق؟.. وكذلك لم تمنع السلطات يوما كتبه وقد قلت يوما ان المحاصرة التي واجهها الوردي وبعض التضييق الذي عانى منه نشأ عن الموقف الضبابي الذي تقفه القيادة السياسية قبل الاحتلال، مما جعل الاخرين يحسبون أنهم اذا احسنوا الى الوردي قد يحاسبون، في حين أني كنت اجد التشجيع لي عندما كنت اكتب عن الوردي والتكريم للوردي عندما اكتب عنه، مما يعني أن خوف الاخرين من معاملة الوردي بما يستحق وهم عاشوه ليس له ما يسوغه ولكن الوردي دفع ضريبة هذه الأوهام مع الأسف الشديد.. لقد ذكرتني بهذا السؤال بشخص يطلق على نفسه لقب بروفيسور ويقيم الآن في أمريكا ادعى أن النظام قبل الاحتلال اعتقل الوردي، والوردي لم يعتقل في حياته إلا أياما في العهد الملكي.

أرفض الاجابة

* نعود إلى علاقتك بالوردي. اعلم جيداً انك كنت تلازمه أحياناً كظلّه فهل يمكنك أن تلقي الضوء على جوانب لا يستطيع القارئ أن يتلمسها حين قراءته لمؤلفات الوردي. زوايا و"درابين" لم يصل اليها إلا عدد قليل من محبيه وأصدقائه وتلامذته المقربين في عالم المثقف والإنسان وعالم الإجتماع وصاحب المشروع التنويري؟
ـ ما تسأل عنه ليس من السهولة الإجابة عنه، أو أني أمتنع عن الإجابة لأن ذلك سيجده القارئ في ثنايا كتبي وخصوصاً كتاب (الدكتور علي الوردي.. مجالسه ومعاركه الفكرية)، الذي يصدر بعد أسابيع، والكتاب الذي أعمل لإنجازه حالياً والذي سأبقي الحديث عنه سراً لأنه سيكون من أكثر الكتب التي صدرت عن الوردي إثارة للجدل، وذلك كله سيكون موثق بخط الوردي نفسه، كما أن ما تطلبه موجود في ثنايا كتاب آخر أنجزته بالاشتراك مع الصديق الناقد والطبيب النفسي الدكتور حسين سرمك والذي سيصدر بعد شهر أو شهرين وعنوانه (محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي)، كما سيشاهد الناس الإجابة عن سؤالك في مسلسل عن حياة الوردي تنتجه قناة فضائية عراقية والذي وضعت فكرته ومعلوماته وكتب السيناريو له الدكتور حسين سرمك الذي بذل جهدا مشكوراً وشاقاً في الكتابة بحيث لم يكن ينام من اليوم الا ساعتين أو ثلاث لكي يكتب السيناريو لأراجعه بعده بهدف الخروج بعمل متكامل، ولا تنس أني ذكرت الكثير عن خفايا حياة الوردي في كتابي (من وحي الثمانين) الذي صدر إلى الآن بثلاث طبعات.
* سؤال فكّرتُ به كثيراً: لماذا كان الدكتور علي الوردي يرتدي السدارة الفيصلية؟ هل كانت السدارة صورة من صور الحنين لفترة ماضية أم رمز حاول أن يقول من خلاله شيئاً ما؟
ـ السدارة الفيصلية من اسمها جاء بها الملك فيصل الأول لتكون رمزاً لطبقة الأفندية بدل الطربوش العثماني، وتمسك المرحوم الوردي بها كان مبعثه إعجابه بشخصية الملك فيصل الأول الذي طالما وصفه أمامي بالذكاء والدهاء.. كان يقول عنه إنه كان بدوياً لكنه كان ذكياً لاعتماده على مستشارين أكفاء بنوا له الدولة العراقية، لذلك تستطيع أن تصف تمّسك الوردي بالسدارة بأنه حنين إلى الماضي، كما يصح أن نقول إن الوردي أراد أن يبين إعجابه بالعهد الملكي من خلال هذا الرمز الذي يضعه على رأسه على الرغم من أنه كان معارضاً لذلك النظام.
* سياسياً كيف تصنّف الدكتور علي الوردي. نعرف أنه كان عراقياً وطنياً وليبرالياً علمانياً. ولكن هذه مسميات فضفاضة يمكن أن ندرج تحتها شخصيات كانت تمّثل أضداداً لبعضها مثل نوري السعيد وعبد الكريم قاسم الذي قتله! في مقاربة مع الحالة السياسية الراهنة في أين خانة تضع الدكتور علي الوردي؟ ولاتقل لي أرجوك أن الدكتور الوردي خارج الخانات والمصنفات السياسية لأن هدفي هو رسم صورة واضحة أضعها أمام ملايين من الشباب العراقي الذي سمعوا بالوردي ويقرأون مؤلفاته ولكنهم عاجزون على ايجاد مكان له في خارطتهم السياسية. أنت رافقت الوردي في أيامه الأخيرة. أعرف أنه كان يشعر بالكثير من الامتعاض. لماذا وممَّ كان ممتعضاً؟
ـ يؤسفني أن أقول لك إن الوردي كان في أواخر أيامه يشعر بالاحباط وجور الشيخوخة واليأس الذي يرافقها، وفي مرات كثيرة سألني كيف يمكن أن يحصل على مادة السيانيد، ولم أكن أعرفها ولكنه قال لي إنها مادة شديدة السمية.. كان يريد أن يتناولها ويغادر الحياة.. على الرغم من أنه كان قبل ذلك يحب الحياة ويخاف الموت.. وكان سبب امتعاض الوردي واضحاً، فالعراق لم يعد في أواخر أيامه ذلك العراق الذي سعى لبنائه مع أبناء جيله، وكان يبدو أنه لم يستوعب التغيرات التي حصلت سريعا بعد الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على البلاد، مثال ذلك أنه مرة استل من جيبه محفظة نقوده وأخرج منها عملة معدنية فئة 100 فلس وأعطاها لعامل كان يعمل لدى السيد صفاء الوردي وقال له: خذ واشتر شيئا لعائلتك، وقد كتمنا جميعا ضحكة في صدورنا لأن هذا المبلغ لم يكن يساوي شيئا في تلك الأيام ولكنه كان لا بأس به قبل ذلك، ومرة ذهبت معه إلى السوق ليشتري نعلا له، لان نعله تقطع، وعندما سأل البائع عن سعره وأخبره بأنه بثلاثة آلاف دينار استغرب، بل أصيب بصدمة، وقال له: (عمي أنا اشتريت بيتي بثلاثة آلاف دينار.. أنت تتكلم صدقاً).. ولم يشتر النعل.. ولا أدري هل كان الوردي يتصنع ذلك، أم لا، ولكني اعتبرت أن رجلاً عاش أكثر سني حياته في استقرار اقتصادي سيهاله أن تنحدر عملة بلده إلى هذا الحد نتيجة التضخم.
* ولكن الدكتور الوردي في الجانب الآخر كان سريع البديهة محباً للنكتة. هل لك أن تحدثنا عن موقف شعرتَ معه انك تقف أمام إحدى تجليات الوردي اليومية المميزة؟ شيء لم تتحدث به أمام الملأ من قبل؟
ـ كان الوردي يصنع النكتة ارتجالاً ويلقيها على مسامع الحاضرين ثم أنه لا يضحك أبداً، بل يجعل الآخرين يقهقهون، وكان العلامة الراحل الدكتور حسين علي محفوظ يقول إن النكات التي يلقيها الوردي هي من "تأليفه وتلحينه".. ومرة دعيَّ لإلقاء محاضرة في نادي الأرمن في بغداد وكان أحد علماء الدين حاضراً فيها وحضرتها نساء كثيرات، ولوى الوردي عنق محاضرته وأخذ يتحدث عن البغايا معتبراً أن البغيّ لا يدّ لها في امتهانها البغاء وأنه كان يعرف تجاراً يخافون الله يحملون على ظهورهم الطعام وفي جيوبهم الدنانير ويذهبون متخفين إلى المناطق التي فيها بغايا ليوزعوا عليهن الطعام والنقود فإذا كانت البغيّ مضطرة لممارسة البغاء بسبب احتياجها للطعام فها هو الطعام مبذول لديها، وإذا كان بسبب احتياجها للنقود فهاهي تمتلك النقود..
ثم قال: وأعرف علماء دين ذهبوا إلى مناطق البغايا وعاشوا بينهن ليؤلفوا دراسة عن أوضاعهن ويضعوا الحلول لهذه الظاهرة.. ثم قال: لماذا نذهب بعيدا فهذا الشيخ فلان واحد منهم، وأشار بأصبعه إليه، ثم قال له: هل تسمح لي يا شيخ أن أقول هذا الكلام؟.. فأجابه الشيخ: وماذا أبقيت أنت يا وردي لتطلب السماح؟!
* أعرف أن لديك كتاباً جديداً عن الدكتور علي الوردي سيصدر قريباً. هل من جديد في هذا الكتاب؟ـ تقصد كتابي (الدكتور علي الوردي.. مجالسه ومعاركه الفكرية)؟
* نعم..ـ هذا الكتاب وعلى الرغم من مرور 15 عاما على رحيل الوردي سيجعلك ترافقه إلى مجالس بغداد وتستمع إليه وهو يناقش مدافعا عن آرائه ومفنداً سواها، وستجد فيه ما لا تجده في أي كتاب آخر صدر عن الوردي.
* أخيراً إذا نظرت إلى المشهد السياسي العراقي السائد هل تجد مكاناً فيه لمشروع علي الوردي في الإصلاح؟ الدكتور سليم علي الوردي في كتابه ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر - اذا لم تخنّي الذاكرة - يلقي باللوم على الأحزاب السياسية العراقية أنها لم تحقق أيّما استفادة من أفكار علي الوردي في برامجها ورؤاها السياسية رغم أن مدرسة علي الوردي يمكن أن تكون نبعاً تغترف منه هذه الأحزاب إجابات ما على صعيد تشخيص أسباب الصراعات المجتمعية في العراق. ماذا يقول سلام الشمّاع؟ـ لا يسعني إلا تأييد الدكتور سليم الوردي اذا كان يقصد الأحزاب التقليدية مثل الشيوعيين والقوميين والبعثيين الخ. التي كانت إمكانية الإستفادة من فكر علي الوردي متاحة أمامها منذ الخمسينات - الستينات والسبعينات، فأفكار الوردي لم تكن امريكية ولا روسية ولا فارسية ولا صهيونية، بل كانت افكاراً عراقية أصيلة، ولو كانت تلك الأحزاب استفادت من هذا الفكر لكنا في حال افضل، ولكن التناحر بينها جعل من المتعذر عليها ان تستفيد من فكر الوردي، وتلك خسارة منيت بها الامة ككل، علما أن توجهات الوردي كانت أميل الى القوميين العرب ولي على ذلك دلائل، منها أن الوردي كان يدعو الى قيام علم اجتماع عربي حديث، وهو صورة من صور الوحدة التي تدعو اليها هذه الاحزاب، وثانيها ان الوردي طبع كتيبه الاول وجعل ريعه لمجموعة من الطلبة التونسيين اللاجئين الى العراق يوم ارادوا فصلهم من الجامعة بسبب عدم مقدرتهم على دفع الاجور الدراسية.. وهناك الكثير الكثير مما يمكن الاستناد اليه في هذا المجال.. ولو ان تلك الاحزاب فقهت فقط انتقادات الوردي من دون ان تستفيد من افكاره لكنا الان بالف خير.

الثلاثاء، يوليو 06، 2010

يا باب الحوائج ..

يا بابَ المساكينْ
يا سيدَ الأشجارِ،
والسحابِ إذ يفيض في نهرينِ حائرين.

نحنُ ماءُ الفراتْ،
وظلالُ النخيلِ الجنوبيّ، نحنُ.
أتيناك طوعاً.. وعلانيةً،
لتطعمنا من يديكَ رقائقَ خبزٍ
وتملأ اقداحنا بشرابِ الصلاة.
نفارقَ أسماءنا
كي نراك ونجلس قرب سلاسل أقدامك المتعَبة.
نسهرُ في هدأة الليلِ،
في مربطِ الخيلِ
نحرسُ أسماءَ من غادرونا
ونحفرُ بالوشمِ أسماءَ من غدرونا..
وفي النهر تمتدّ أغصانُ جسرِ الأئمةِ حين يحاصرها الخوفُ
بين ارتجافِ المياهِ وصمت النساءْ.

يا مرآة الذهبْ
يا عطرَ الينابيعْ..
لم تُزهر الوصايا بعدُ في عيوننا
وأرضنا حبلى بآخرِ إحتمالات الربيعْ.

يا سيدَ الأسرارِ،
والولاداتِ الذبيحة.
هل من طريقٍ نحوَ غرفةِ السماءْ
والموت في هدوءِ الزرقةِ الفسيحة؟
هل من سبيلٍ كي نعود من خرافةِ القبيلة؟
فالموتُ ههنا مبتكرٌ ليأخذَ البيوتَ من أركانِ المشهدِ اليوميّ،
ويحصدَ العشّاقَ في دقائقٍ قليلة.

يا بابَ الحوائجْ
يا بابَ المساكينْ
يا مصباحَ المعارجْ
والوطنِ السجينْ.

خذ بيدي.. والعراقِ.
خذ بيدي.. والعراقِ.
خذ بيدي.. والعراقِ.

سعد الشديدي

الثلاثاء، يونيو 22، 2010

إعلاميون للبيع والإيجار؟





بعد أن تآكل صوت الرصاص ولم يبقَ منه سوى صدى يفوح برائحة الدم.. وبعد أن اختفت قسمات وجوه الضحايا في زحام الساعات المنصرمة تطلّ علينا أصوات قادمة من كهوف عصر لم تنساه أمتنا العراقية بعد، فهو الذي أوصلنا الى مانحن عليه الآن ومازالت في أجسادنا وعقولنا آثارٌ وحروقٌ منه باقية.
أصوات بتنا نعرفها جيداً، تذكّرنا بمن كانوا يدافعون عن الدكتاتورية وممارساتها ويتهمون كل صوت ينتقد الدكتاتور البائد أو واحد من زبانيته بالعمالة للإستعمار وخدمة الأمبربالية والصهيونية. وهاهي رؤوسهم التي تحسب بمهارة الثعالب إتجاه عقرب الساعة السياسية ترتفع من جحورها مرة أخرى لتوّجه أصبع الإتهام لأبناء البصرة الأبطال، الذين خرجوا في مظاهرات السبت الماضي مطالبين بتحسين الإداء الخدمي في محافظتهم، متهمةً اياهم بخدمة أجندة أجنبية. التهمة هي ذات التهمة والأصوات .. دعونا نحزر قليلاً..هي نفس الأصوات ولكن بطبقة وإداءٍ مختلفين الى حدّ ما.
ذات النغمة القديمة والأسطوانة المشروخة تعود من جديد الى وسائل اعلامنا. فمن يخرج مطالباً بأبسط حقوق المواطنة يصبح طبقاً لهؤلاء متورطاً في تنفيذ "مؤامرات" خارجية قصدها النيل من الوحدة الوطنية العراقية. غريب مايقولون ومضحك حدّ القرف فأين هي تلك الوحدة الوطنية التي تتجه تلك الأصابع التي تتحرك في الظلام لتقويضها؟ نستحلفكم الله ايها الإعلاميون من حملة راية قوس قزح المتعددة الألوان والإتجاهات أن تبلغوا تلك المخلوقة التي تُدعى بالوحدة الوطنية، اذا ما التقيتم بها بمحض الصدفة في شارع من الشوارع أو ساحة أو مقهى أو حتى في طلل من أطلال الكبريهات المندثرة، سلامنا واشتياقنا العميق فقد طال غيابها ولم نعدّ نراها إلا في أضغاث الإحلام وأخبروها، رجاءا، بأننا مازلنا بإنتظارها لتساعدنا في تشكيل حكومة جديدة يبدو ان تشكيلها سيطول.!
هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان على اولئك الذين فقد اثنان منهم حياتهما أن لايخرجوا للتظاهر والإحتجاج - طبقاً للطبالين والرقاصات وحاملي المباخر الجددّ- ففي العراق مايكفيه من المشاكل ولاداعي لسلوك طريق الغوغاء ومماحكة السلطة الحاكمة وخلق مشاكل جديدة تضيف الى مآسينا أطناناً جديدة من المآسي. أي منطق أعرج أعوج هذا؟! أيعني هذا إن علينا السكوت والموت عطشاً ووجوعاً وشواءاً في قيض الصيف الذي لايرحم كي لا ننكأ جراح الوطن ونفتح جراحاً جديدة للعراق؟ ومن هو العراق.. ألسنا هو نحن ونحن هو؟
أخيراً تردد تلك الببغوات الملونة أن مظاهرات البصرة خرجت بناءاً على أجندات سياسية مستغلةً التدهور الكبير في مستوى الإداء الخدمي الحكومي!! هنا لابدّ لنا أن نشعر بالكثير من الدهشة. ذلك أن مامن مظاهرة تخرج في العالم، حتى تلك التي كانت تخرج فيها برجيت باردو ايام السبعينات الذهبية في باريس مطالبة بحق الكلاب في الحصول على جوازات سفر، إلا ووراءها مقاصد واهداف وجهات سياسية تقدم لها الدعم أملاً في الحصول على أصوات الكلاب المدللة في الإنتخابات القادمة. ومامن ثورة أو انتفاضة حدثت وستحدث في العالم إلا وتكمن خلفها اسباب ودواعي وحراك سياسي قد يستغرق اجيال عديدة في بعض الأحيان. هل تريد جوقة "عدّ وانا أعدّ ونشوف" أن تقنعنا بأن المظاهرات التي كانت تخرج في أربعينات القرن العشرين حاملة شعار الخبز للجياع الخ.. لم يكن وراءها الحزب الشيوعي العراقي مثلاً؟ وهل يعني هذا أن علينا الخروج للتظاهر عند وجود مطالب سياسية فقط؟ وأن على العراقي أن يجلس في بيته "وينلصم" حتى إن أمسى جائعاً عارياً عاطلاً عن العمل مفتقداً الى الأمن والأمان وفوق هذا كلّه لايحصل حتى على أقل الخدمات من الحكومات التي ينتخبها وإلا يصبح هذا المسكين متهماً بأنه يخدم أجندات سياسية أجنبية؟ ومتى يخرج المواطن للتعبير عن غضبه إن لم يخرج حين تصل الخدمات التي تقدمها حكومته الى أدنى مستوياتها؟
من حقهم بالتأكيد أن يقولوا مايريدون- فحق التعبير مضمون بنصوص الدستور للجميع - ولكن علينا أن نهمس في آذانهم أن أسطوانة الدفاع عن الحكومة بأي ثمن وخلق الأعذار لرجالاتها هي اسطوانة قديمة – جديدة، اضحكتنا كثيراً أيام الديكتاتورية السوداء وتضحكنا الآن حدّ البكاء في زمن الديمقراطية الخضراء.
قال الصحابي المجاهد الجليل أبو ذر الغفاري (عليه رضوان الله) "أعجبُ لمن لايجد قوت يومه ولايخرج على الناس شاهراً سيفه". أخفض صوتك قليلاً يا صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فثمة كتّاب وصحفيون واعلاميون سيقول كل منهم أن لك بالتأكيد أجندة سياسية، ربما تكون هي الأخرى مؤامرة ضد الوحدة الوطنية.

سعد الشديدي

السبت، يونيو 19، 2010

بصرة الغضب والإنتفاضات

احدث اليوم 19 حزيران في البصرة البطلة، التي كانت المثل الأعلى بين المدن العراقية عبر تاريخها الطويل، مؤشر على رجال طبقة الإقطاع السياسي المترهلة أن يحسبوا له الف حساب.
فمن البصرة، لامن غيرها، انطلقت الإنتفاضة الشعبانية المباركة، التي ألهبت بشرارتها العدد الأكبر من محافظات العراق بعد الهزيمة العسكرية المنكرة التي منيّ بها نظام صدام حسين الديكتاتوري بعد مغامرته الطائشة في الكويت. ومن رجال البصرة الأشداء ارتفعت اولى صرخات الغضب احتجاجاً على حروب الديكتاتور التي ناء تحت عبئها الجسد العراقي طويلاً.

عشرات الآف من المتظاهرين الذين خرجوا اليوم في شوارع البصرة، لم يخرجوا بطراً، ولا للمطالبة ببناء فنادق خمسة نجوم أو حمامات سباحة بمقاسات أولمبية، بل للحصول على حياة تليق بهم كبشر لهم كامل الحقوق على أرض بلادهم التي عانوا من اجلها الويلات.
وما يطالب به العراقيون، وفي طليعتهم البصريون، هو الحدّ الأدنى المقبول انسانياً من الخدمات التي تتحمل الدولة ومرافقها مسؤوليتها. لذلك فعلى الحكومة، اية حكومة، لاتستطيع توفير ذلك لمواطنيها، أن تضع عصاها على كتفها وتغادر المشهد السياسي دونما تأخير.

أن خيبة العراقيين بوطنهم الجديد أكبر من أن توصف، فقد اصبح العراق مشاعاً للصوص وقطاع الطرق المحليين والدوليين، يأخذون منه مايشاؤون ويمارسون فيه هوايتهم الحاقدة في التدمير والعبث ومسخ كل ماهو خيرّ وحرّ، أمام مرآى ومسمع المواطن الذي لم يفق بعد من صدمته الأولى. وفي هذا الجحيم المتصاعد يوماً بعد يوم هذا لايحصل العراقيون حتى على الفتات، على الرغم من أن موائد وقصور المحتلين والسادة من إقطاع العملية السياسية تزخر بما لذّ وطاب، تماماً كموائد وقصور الدكتاتور الذي تدّلى من حبل المشنقة من فترة ليست بالطويلة.

مظاهرات اليوم في البصرة تقول ان العراقي بدأ صحوته اخيراً. فمن أزقة وشوارع البصرة التي تفيض بمياه الامطار شتاءاً، وتعطش صيفاً وهي ثغر العراق الذي لم يعطش يوماً، يتردد صدى الغضب السائر ليمسح من طريقه غربان السياسة البليدة، والطفيليات التي انتجتها عملية ديمقراطية ليس فيها لون ولارائحة الديمقراطية.

ينبغي علينا أن نسجّل في ذاكرتنا تاريخ هذا اليوم، فبعده سيأتي مالا يتوقعه أحد. هو صوت آذانٍ للخيرين والشرفاء من العراقيين وناقوس خطر لمن يدّعي انه قادر على حكم هذا البلد، فأما ان يكون قادراً بالفعل على التصدي للحكم أو أن يتركه لغيره. فمنذ اليوم ستمتد أمواج التحديّ لتضرب كل مايقف بوجهها، بعد أن سقطت الأقنعة وأتضح الخيط الأسود من الأبيض ولم يعد هناك عذرٌ لأولئك الذين جنوا ملايين الدولارات من لحم العراقيين ودمهم وعرقهم.
فالمجد كل المجد لاولئك الذين خرجوا للمطالبة بحقهم في الحصول على الحد الأدنى من الخدمات، والخزي لأولئك الذين أطلقوا النار على متظاهرين مسالمين فقتلوا اثنين من المتظاهرين وجرحوا آخرين، وسلكوا بذلك مسلك قوات أمن في دولة فاشية وليست ديمقراطية.

والى انتفاضة قادمة تعمّ مدن العراق وقراه، تُعيد للمواطن مكانه الذي يستحقه وتجعل منه القائد الذي سيكتب على مسلته من جديد قوانين حمورابي بخطّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصرخة الحسين (عليه السلام) ودمه وسواعد الرجال والنساء من احفاد ثوار ثورة العشرين التي ستمرّ ذكراها التسعين بعد ايام.


سعد الشديدي

الأربعاء، يونيو 02، 2010

مشهد رقم 2

أهذا أنتَ؟
الداخلُ أوروكَ على أجنحةِ التنّينِ..
وأكتافِ الغرباءْ؟
تحبو مختفياً..
تتسللُّ -في وجلٍ- كي تصطادَ حمائمَ بغدادَ ..
وتحرقُ بيتَ إينانا في أكنافِ الصحراءْ؟
دستَ على عتباتِ المعبدْ..
وفضحتَ أمامَ الناسْ..
عوراتَ أبيكَ .. أبينا.
هل جئتَ مع الطوفانِ المحدودِ، لتصبحَ
قائدَنا الأوحدَ
والسيّدَ فينا؟؟
لو كنّا نعرفُ أنْ سيّانٌ عندكَ إن كنتَ السارقَ أو كنتَ المسروقْ
لأشهدنا الخالقَ والمخلوقْ،
وأوصدنا دونكَ نهرَ الروحِ،
وابوابَ الوطنِ المسحوقْ.
لكنْ صبراً ..
ستموتُ كما من سبقوكَ،
دعنا نتساءلُ:
مسحولاً؟
أو مقتولاً؟
أو مشنوقْ؟


سعد الشديدي

الثلاثاء، مايو 04، 2010

مسعود البرزاني ..حسابات وأحلام قابلة للكسر

بينما يتحدث رئيس أقليم كردستان السيد مسعود البرزاني بنبرة هادئة مسالمة أمام وسائل الإعلام العراقية فأنه يعمد الى تصعيد لهجته عن آفاق تطور الوضع في العراق في مقابلة أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً.
ولايكتفي السيد رئيس الإقليم بتقديم قائمة شروط يضعها قبل الدخول في الحديث عن أية تحالفات مع الكيانات السياسية العراقية الأخرى بل يضع أمام العراقيين خارطة طريق تؤدي بوطننا لامحالة الى التقسيم.
ولاندري من اين أتت للسيد البرزاني تلك القوة التي تجعله يفرض شروطاُ على أحزاب حصل كل منها على ضعف ما حصل عليه "شعب" اقليم السيد البرزاني بأكمله؟ وهل مازال سيادته في وهمه السابق بأن القوائم الكبرى المنتصرة ستمدّ له يد الخصاصة أو هي بحاجة الى مقاعده الأربعين في البرلمان لتستطيع تشكيل حكومة عراقية قادمة؟ فالتحالفات التي ستُبنى على أساسها الحكومة لايمكن أن تخرج على عدد محدود من السيناريوهات. أما ائتلاف دولة القانون + الإئتلاف الوطني العراقي ولهما ما يكفيهما من أكثربة برلمانية لتشكيل الحكومة أو ائتلاف دولة القانون + القائمة الوطنية العراقية ولديهما أيضاً أغلبية برلمانية مريحة أو حكومة وحدة وطنية حقيقية تضم هذه الكيانات الثلاثة. فأين مكان السيد البرزاني وتحالفه الكردستاني في هذا؟
هذا أولاً، أما ثانياً فليس من حق السيد مسعود البرزاني حتى ولا اقتراح صيغة لما يمكن أن يكون عليه الوضع العراقي فيما يخص آفاق تشكيل كيانات أو اقاليم فدرالية داخل العراق في المستقبل القريب أو البعيد. ولذلك السبب بالذات فأن دعوة السيد رئيس اقليم كردستان لتشكيل ثلاثة أقاليم فدرالية هي استفزاز غير مبرر لأكثرية العراقيين الذين لايفكرون بإنشاء كيانات فدرالية في وطنهم مع احترامهم الكامل لرغبة الأكراد في تأسيس كيانهم الخاص ضمن إطار الأمة العراقية.
لقد حصل الشعب الكردي في العراق على حقوقة في بناء اقليمه الفيدرالي وليس من الصحيح أن يقوم مواطنوا الإقليم أو قياداته بدعوة الآخرين للسير على خطاهم. فهذا موضوع لاعلاقة لأحد به، بل يخص كل محافظة وكل منطقة دون سواها. لقد تحققت رغبة الشعب الكردي في العراق وحصل على حق اقامة كيان فيدرالي خاص به فلماذا يدعو الأكراد بقية العراقيين الى اقامة كيانات وصفها السيد البرزاني نفسه في المقابلة مع النيويورك تايمز: كيان شيعي وآخر سني وآخر كردي!
من قال لسيادة رئيس الإقليم بأن عرب العراق لديهم عقدة تشكيل كيانات خاصة بهم؟ وليتفضل السيد البرزاني ليسأل الشيعة أن كانوا راغبين بذلك وبعد ذلك ليتفضل ويلقي بنفس السؤال على السنة. ولا أعتقد أن السيد البرزاني سيخطأ الجواب. فلا أحد من عرب العراق يريد تشكيل كيانات كارتونية هزيلة يتلاعب بها من يريد وقت يريد!!
أخيراً لابدّ للسيد البرزاني أن يعيد حساباته مرة أخرى فيما يخصّ التحالفات الإنتخابية. فالحكومة ستتشكل أن معه أو بغيره وستكون حكومة دستورية تماماً. واذا ما أعترض السيد البرزاني على تشكيلها وهددّ بالإنفصال كما هي عادته فلا يمكن إلا أن نشدّ على اياديه وندعوه أيضاً لإحتلال كركوك وضمهّا بالقوة لأقليمه. فنحن، عرب العراق بحاجة حقاً الى شئ ما نلتف حوله ونتحد من خلاله، وستكون كركوك المغتصبة أفضل ما يوحد العرب العراقيين.
ونرجو أن لا يذهب السيد مسعود البرزاني بعيداً ويعتقد بأن هناك سياسي عربي عراقي يوّقع على تسليم كركوك لأقليم كردستان قبل أن يكتب وصيته ويعدّ الحبل الذي سيتدلى منه، سواء كان هذا القائد سنياً أو شيعياً مسلماً أو مسيحياً، ليس لأن كركوك هي قدس أقداس العراقيين كما هي قدس اقداس الأكراد على حدّ قول السيد رئيس جمهورية العراق السيد جلال الطالباني قبل أن يتولى منصب رئاسة الجمهورية، بل لأنها جزء من الزورق الذي نجلس فيه جميعاً. الزورق العراقي الذي يدعونا السيد مسعود البارزاني الى تقطيعه وجعله أربع خشبات تطفو في بحر الشرق الأوسط المظلم الذي تكثر فيه اسماك القرش التي لا ترحم أحداً.

الأحد، مايو 02، 2010

وطن القيادات والجنائن ... المُعلّقة

كنّا نعتقد في زمن الديكتاتورية أن مصيبة المصائب في العراق تكمن في شخص صدام حسين وفي نظامه الذي كان يحكم بلادنا بالحديد والنار والإرهاب والسجون وبالإغتيالات ومصادرة الحرّيات السياسية والنقابية والدينية.
وكان ظنّنا، بل ايماننا، أن جميع تلك الظواهر ستختفي ما أن ننجح في اسقاط ذلك النظام الذي أدخل العراق في مغامرات وحروب تتضاءل امامها مسرحيات صاموئيل بيكيت وجان جينيه وهارولد بنتر العبثية.
سقط النظام ولكن شيئاً لم يتغيّر.
صحيح، وعلينا الإعتراف أمام الله الواحد وأمام التاريخ أننا نلنا بعض الحقوق التي طالمنا حلمنا بها وأولها حقّ الإنتخاب، وبأننا ضربنا أرقاماً قياسية في عدد الإنتخابات والإستفتاءات فاقت جميع الدول في منطقتنا. وصحيح أيضاً أن وسائل الإعلام في بلادنا تضخمت عددياً بشكل مهول حتى أصبحنا لانستطيع معرفة العدد الحقيقي للقنوات الفضائية والصحف اليومية والمجلات العراقية، وأصبح كل مليونير ورئيس حزب– أو زوجة رئيس حزب في بعض الحالات - وكل روزخون وشيخ عشيرة أو قائد ميليشيا يملك قناته الفضائية أو على الأقل صحيفته اليومية الخاصة! وصحيح أيضاً أن عدد الأحزاب السياسية فاق عددها في أمريكا أو بريطانيا. وصحيح أن منظمات حقوق الإنسان أصبحت واسعة الإنتشار وضاربة الجذور في واقعنا العراقي حتى أن كل حارة وكل دربونة وكل عائلة تملك الآن منظمتها الخاصة لقضايا وشؤون حقوق الإنسان الناطقة بإسمها.

ولكن... ومع هذا كلّه... بقيت الأوضاع كما هيّ!
ففي زمن الديكتاتورية كنّا نموت بالآف في حروب نخوضها نيابة عن الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة، والآن نموت بأعداد لاتقلّ عن تلك التي في زمن الديكتاتورية في حرب نخوضها نيابة عن العالم – العالم بأسره هذه المرة !!– ضد الإرهاب.

لم نكن نشعر بقيمتنا كمواطنين ولانرى حقوقنا كبشر في زمن الديكتاتورية. والآن؟ هل أصبح لنا أيّما قيمة في عراق الديمقراطية الجديد؟ هل أمست حكومة بلادنا ودولتنا الجديدة تحترمنا مثلما تفعل الحكومات والدول في هولندا أو السويد أو حتى تنزانيا وبوركينافاسو؟

في زمن الديكتاتورية كان رجال الأمن والمخابرات يقتلون المعارضين في سجون النظام وأقبيته السرية فأصبحنا الآن أحراراً في ممارسة تلك الهواية علناً وأمام الكاميرات لابل نفتخر بها ونطلق الهوسات والأناشيد الحماسية فخراً بضربنا أحد المعارضين حتى الموت بينما هو يسحب آخر انفاسه بصعوبة تستطيع معها أن تسمع صوت حشرجته وأنت جالس في بيتك أمام شاشة التلفزيون، وبغض النظر عمّا اذا كان مجرد معرض سياسي مسالم أو ارهابي من أبناء الزواني فأن مصيره يجب أن يحددّه القانون وحده لارجال الأمن والأجهزة الخاصة في دولة نريد لها أن تكون دولة قانون حقيقة وليست بالأسم فقط.

في زمن الديكتاتورية إحتكرَ الحزب القائد الأجهزة الأمنية للمقربين والمحبين والأتباع والأقارب والأعضاء والأنصار والمؤيدين. فهل تغيّر ذلك؟ أنظروا فقط الى الأجهزة الأمنية وعدد أعضاء حزب واحد من احزاب حكومة "الوحدة الوطنية" الحالية الذين تمّ تعيينهم خلال سنوات قليلة في تلك الأجهزة!!

في زمن الديكتاتورية كان القائد الضرورة وعائلته وكبار مسؤولي النظام وأزلامه يحوّلون المليارات من الدولارات من ميزانية الدولة والوزارات والمشاريع الحقيقية والوهمية لحساباتهم الشخصية في مصارف وبنوك خارج العراق. منذ سقوط النظام المقبور قبل سبع سنوات أختفى ما لايقل عن 22 مليار دولار من ميزانية الدولة. أين ذهبت وفي أي مصارف حطّت هذه المليارات رحالها وفي حساب أي من قادة العراق الجديد؟ هذا بغض النظر عن وصول بلادنا الى أعلى المراحل والدرجات في الفساد المالي والإداري ونَيلها الجائزة الأولى في ذلك بين جميع دول العالم.

السؤال الذي لايجب أن نعبره دون ملاحظة هو لماذا مات صدام وبقيت الصدّامية على قيد الحياة؟

رأينا جميعاً كيف تدلّى صدام حسين من حبل المشنقة. فلماذا لم نتمكن من إعدام نهج وأسلوب صدام حسين وطريقة سلوكه وتفكيره؟

السؤال الأكثر أهمية هو هل سقط نظام صدام حسين حقاً؟
لماذا أذن هذا الموت، والدمار والعبث وكلها مازالت مظاهر يومية تلازم حياتنا حين نصبح وحين نمسي؟

وهذا الموت الذي يحصدنا متى وأين شاء، كيف.. لماذا أصبح الحقيقة الوحيدة الأكيدة في تلك البقعة الكسيحة التي نسميها الوطن؟

السؤال الأكثر أهمية من كلّ هذا وذاك... أليست القيادات التي حكمتنا منذ بداية تأسيس ما يسمى بالدولة الوطنية العراقية حتى الآن هي نتاج مجتمعنا العراقي؟ هل جاء نوري السعيد مثلاً من بلجيكا وصالح جبر من كازاخستان؟ وهل كان عبد الكريم قاسم مواطناً في كوكب الزُهرة حطّ في بلادنا على متن مركبة فضائية مصنوعة من معدن مجهول؟ وصدام حسين... هل جاءنا من سنغافورة؟ وهل المالكي وعلاوي والجعفري من رعايا كوريا الجنوبية؟ أليس جميعهم من العراقيين؟

لماذا يجعل كرسي السلطة في بلادنا القادة والمسؤولين يتصرفون وكأنهم آلهة؟ يحيون ويميتون، يهبون ويأخذون؟ يقتلون ويسرقون، ويمارسون أخسّ المؤامرات على بعضهم البعض وعلينا؟ وهل يجب على رجل الدولة والسلطة في عراقنا أن يكون قاتلاً وسارقاً وابن حرام كي ينال اعترافنا بفحولته العسكرية ودهاءه السياسي؟

وهؤلاء الإرهابيون الذين يفتحون كل يوم صندوق الميدوزا ذات الرأس الذي تتدلى منه الأفاعي البشرية؟ لاشكّ أن عدداً منهم تمّ استيراده من دول عربية نعرفها جيداً. ولكن من يفتح لهم بيته ويخفيهم ويسهّل تحركاتهم ويهبهم بنات عشيرته ليصبحن ملك يمين أو زوجات مؤقتات يروحنّ عن القتلة وشذّاذ الآفاق؟ الجواب نعرفه جميعاً.

الآن وبعد كل هذا، هل صحيح أن العراق لايلد سوى قادة من القتلة الذين يقتلون ليُقتلوا فيما بعد؟ ومناضلين ومجاهدين يتلذذون بتفجير ابناء جلدتهم من الأبرياء الذين لايريدون سوى حق العيش بكرامة في وطن وإن كان منكوباً خرِباً؟

وهل علينا أن نعيش هكذا الى أبد الآبدين محكومين بقائد أوحد لاينوي أن يغادر كرسيه إلا جثة هامدة حتى لو كلّف ذلك حياة الملايين من مواطني بلاده، وإرهابيين من الوحوش والقتلة المصابة بداء الكَلَب لايريدون أن يغادرونا إلا جثثاً متفحمّة؟

السؤال أكبر من أن يُجاب عليه بنعم أو لا. والجواب لايعرفه سوى ذلك العراقي الذي زيّن زقورات أور بأحجار الفسيفساء الذهبية، وكتبَ ملحمة جلجامش وأغاني إينانا على ألواح الفخار، ورفعَ برج بابل وحدائقها العالية في محاولة منه للوصول الى آفاق لم يصلها أحد قبله، وأولئك الذين يخرجون كل يوم مع العصافير ليكدحوا في حرّ الشمس اللاهبة ويعودوا عند الغروب حاملين معهم خبزهم...كفاف يومهم، ولايتمنون سوى العيش أحراراً مكرّمين على بقعة الأرض التي تتاخم من جهة أسوار الفردوس الأعلى ومن الأخرى بوّابات جهنم.

الخميس، مارس 04، 2010

صباحُ البنفسجِ أيتُها الإنتخابات

صباحُ البنفسجِ .. أيتها الإنتخاباتْ.
هذا العراقيّ يكتبُ فوق جدار العصورِ بكلّ اللغاتْ:

سأمنح صوتي لهذا العراقِ.. الذي ليس لي غيرهُ،
ملتفعاً بعباءتهِ السومريةِ ..
منتصباً مثلَ تمثالِ غوديا،
ومتجهاً نحو دلمونَ في زورقِ الذاريات..

لبابلَ تمتدُّ فينا شوارعَ واسعةً..
ونواديَّ عامرةً بالقصيدِ،
وأرتالَ جندٍ
ومدرسةً للصغارِ
وبيتاً لمجلسِ قاضي القضاةْ.

لرأسِ الحسينِ على الرمحِ..
للدمِ يقطرُ من شفتيهِ
وللناسِ يختلفونَ الى قِبلةِ الفقراءِ فتُبعثُ فينا حياةْ.

سأمنحُ صوتي الوحيدَ الذي لم ينلهُ الغزاةْ
للعصافيرِ حينَ تنامُ على غصنها، قربَ نافذتي، في ظلامِ الشتاءْ.
لأمي تمشطُ شعرَ أبنتي وتحضّرُ في صمتها طبقاً ساخناً لطعامِ العشاءْ.
لأبي.. طاهرَ الكفِّ والروحِ والقلبِ والإنتماءْ.

سأمنحُ صوتيَّ للشهداءْ...
وأكتبُ في ورقِ الإنتخاباتِ
يا أيها الشهداء إقبلوا دعوةً من صديقٍ قديمْ
وأمنحوا عطرَ أسماءكمْ مرةً لحروفِ النداءْ.

ليوسفَ سلمانَ حينَ لا ينتمي لضبابِ المدى.
لعبد الكريم يخاطبُنا: لم أكنْ قائداً أوحدا.
وللصدرِ – باقرَ - يستنفرُ المؤمنينَ ويصعدُ صوتاً وليسَ صدى.
وللزوبعيَّ يناورُ في سرّهِ الأنجليزَ
ويغزلُ من سيفهِ مسجدا.

سأمنحُ صوتي لحلمِ الصرائفْ
لمن يتحدّى ملوكَ الطوائفْ،
لبغدادَ تغسلُ فستانهَا قبلَ ضوءِ النهارِ
لتنشرهُ في جحيمِ القذائفْ.
للناصريةِ
فلوجةَ النارِ
هورَ الصحين ..
وللبصرةِ .. الحيِّ .. أمِ الربيعينِ.. بعقوبة البرتقالِ
وقلعة سِكَرْ..
لواسطَ ترقصُ تحتَ رذاذِ المطرْ،
ومن يزرعونَ جبالَ العراقِ بضوءِ القمرْ.

سأمنح صوتي .. لهذا العراقِ.. العراقيّ
وأخرجُ منتشياً بهواء الصباحِ،
وصمتِ الرصيفِ وعطرِ الشوارعِ والذكرياتْ،
لأتركَ موتي ورائي
وأكتبُ فوقَ جدارِ السنينِ بكلِّ اللغاتْ
صباحُ البنفسجِ أيتها الإنتخاباتْ.


سعد الشديدي

الأحد، فبراير 14، 2010

حلم ليلة فالانتاين

الليلة، حلمتُ أن آثار أقدامي
تسيلُ على ترابٍ غريب
مرةً ترقصُ في ضوضاءِ البرق
وأخرى تقفُ مندهشة تحت شجرة...
تنصتُ لبراعمها تتهجى سورة التوبة.

رأيتُ أنْ لاسماءَ
ولا أرض.
ليس سوى الماءُ يأخذ آثار أقدامي
الى قيعان غائرة.
حيث لاشمسَ .. ولانجوم.
لاليلَ.... ولانهار.

وحدها الحكايةُ وضعتْ نورَ الخطى في نجمةِ الذاكرة،
ورسمت طريقاً على أصابعِ الماءِ،
شارعاً..
تصطف عليه قناديلُ... مطفأة.
هل كانوا قبيلاً من الجنّ عائدينَ للتو من مهرجانِ ﭬفالانتاين؟
في منعطفِ الظلمة،
يحترقُ عازفُ أوكورديون أعمى،
يعزفُ لحناً مقدونياً حزيناً..
ويغني ...................

كنتُ في جيش الإسكندر ... الأكبر.
جندياً في جيش فيليب وبعده الإسكندر.
جبتُ أفاقاً لم يقرأ عنها أرسطو.
رأيتُ بلاداً أذكرَ أسماءها واحدةً واحدة.
هدمتُ حصوناً ..
وبنيتُ مدناً كتبت على جدرانها أسم سيدي .. الأسكندر.

شربتُ بكفيَّ ماء النيل
وكؤوساً مترعةً بنبيذ الرها.
تنفستُ هواء هضابِ أرمينيا
وأغتسلتُ في حماماتِ بورسيبوليس.
وما وقف بوجهي أحد،
لأنني كنت جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

تزوجتُ نساءاً من الأنسِ،
وصبايا من النار..
رقصتُ عارياً مع الحورِ العين
وسامرتني نساءُ الجزيرةِ التي أغرقها الحزنُ ودموعُ السماءِ الحمراء،
فقد كنت جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

سقطتُ عن صهوةِ جوادي..
وتقاسمَتْ جسدي نسورُ الجبالِ وسيوفٌ تقطرُ السمَّ من معدنها.
ولم أشعرْ بالألمِ ولابالحزنِ،
لأنني كنت جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

أكلتُ الشعيرَ والملح
الشوفانً والرمل،
الحجرَ والماء.

شبَّتْ أبنتي عن طوقِ انوثتها
وتزوجت من رجلٌ لا أعرفه..
ماتتْ أمرأتي ولم ألقِ على قبرِها حفنة تراب ولاوردة سوسن.
ما دمعتْ عينيّ
ولا لمسَ الحزنُ أوتارَ سيفي،
لأنني كنتُ جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

دخلتُ بابل. ضاجعتُ أجملَ نساءها
صببتُ الخمرَ على رؤوسِ كاهناتها،
أحرقتُ حقولها
وأغرقتُ بساتينها.

غضبتْ عليّ السماء
والناسُ .. بصقوا في وجهي
فما أهتزتْ في جسمي شعرة،
لأنني كنت جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

وعلى حدودِ الممالكٍ القصيّة
أخذتُ الريح عينيّ
وأعطتني بدلاً عنها.. ظلاماً لاأرى فيه كيف ترتفعُ السحابةُ
ومتى تفقسُ بيوضَ الطيرٍ على سطوحِ المنازل.

وسارَ جيش الإسكندر.. الأكبر.. الى فتحٍ جديد،
تاركاً جندياً أعمى على قارعةِ طريق .. قريباً من حدود الممالكِ القصية.
حينها بكيتُ،
لأنني كنت يوماً جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

.............................
.............................
.............................
.............................
.............................

حلمتُ أن آثار أقدامي
عادت الى مكانها على تراب غريب..
سكنتْ على صدري في هدوءٍ ثقيل،
وهمستْ:
أوكورديونك.. إحمل أوكورديونكَ
وأمضي ॥ قبل أن يأتيك جيش الإسكندر .. الأكبر।

سعد الشديدي
ليلة فالانتاين 2010

السبت، يناير 30، 2010

نهار

وكان نهاراً جميلاً،
يحملُ الريحَ أن تكنسَ الرملَ
من عتباتِ العيونِ.
ويمسحُ في لهفةِ الصبيةِ النزقينَ
زجاجَ الخليقةِ.
يفضحُ أسرارَ أوراقِه للشجراتِ الصديقةِ،
يغسلُها، من ذنوبِ السكونِ.

وكان نهاراً جديداً
حملتْ قبلهُ الأرضُ أثقالَها
أخرجتْ، فيهِ، ترابَ الجذورِ وصلصالَها
ورتّبتِ الأرضُ، فوق رفوفِ السنينِ الأنيقةِ،
اسماءَها ثمَّ أفعالها.


وكان نهاراً
يمرّ كما كلّ يومٍ
ولكنه يولدُ الآنَ.. من لحظةِ الآنِ.. في حبة القمحِ ..
يخرجُ، من ظلمةِ الأبديةِ، أو نورِها.
لامراءَ اذن حين يسرعُ نحو الأعالي
مخضبة وجنتاهُ بلونِ الطميّ الجنوبيّ، مندهشاً، هادئاً، لايبالي.
نهارٌ قريبٌ من القلبْ.
جميلٌ ..
يليق بنا..
كلنا.

الأحد، يناير 17، 2010

لقاء مع الأمين العام للحزب الليبرالي العراقي

تسارع الأحداث في الساحة السياسية العراقية يشير الى إقتراب ساعة الحسم في قضايا كان يجب حسمها منذ زمن ليس بالقصير. ولكن العملية الديمقراطية التي بدأت بعد اسقاط الديكتاتورية شهدت ولادة متعسرة ومضاعفات تعاني منها حتى الآن، ومازال الطريق أمامها وعر وطويل. لذلك لم يكن من السهل ربما مجابهة تلك القضايا وحلّها آنياً, وقد يكون للتأخر في حلّها أثر في فرض شكل المواجهة النهائية التي درات رحاها، وماتزال، في الشارع السياسي العراقي. هل كانت أحداث الأيام القليلة الماضية مواجهة لابدّ من الدخول فيها للوصول الى الحسم النهائي؟ هذا السؤال وأسئلة أخرى أجاب عنها الدكتور هادي نعيم المالكي الأمين العام للحزب الليبرالي العراقي، المنضوي في ائتلاف وحدة العراق الذي يرأسه السيد جواد البولاني. والحزب الليبرالي العراقي أحد الإحزاب العراقية الفتية تأسس في شباط 2009 وطرح برنامجه السياسي لحوار شاركت فيه النخب السياسية الليبرالية في العراق والخارج.
الدكتور هادي نعيم المالكي رجل قانون اضافة الى كونه أميناً عاماً للحزب الليبرالي العراقي لذلك فإن لرأيه وزناً خاصاً ليس من وجهة النظر السياسية فقط ولكن لمناقشة العديد من الشبهات القانونية التي أثارتها الأحزاب والكيانات السياسية المشمولة بقرار هيئة المساءلة والعدالة، وتوقف عندها عدد كبير من العراقيين. فماهو رأيه كرجل قانون عن اجراءات الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة؟ وماذا يقول عن دستورية تلك الإجراءات وتاثيرها على آفاق المرحلة القادمة؟

سؤال: هناك سجال يدور بين أطراف العملية السياسية حول دستورية القرارات الأخيرة التي أصدرتها هيئة المساءلة والعدالة، على أساس أن الهيئة نفسها غير دستورية لأن مجلس النواب العراقي لم يصوّت عليها حتى الآن. ماذا تقول أولاً بصفتك رجل قانون وثانياً كقائد لحزب مشارك في العملية السياسية؟

- الدكتور هادي المالكي: القول بان هيئة المساءلة والعدالة هي هيئة غير دستورية هو قول غير سليم لأنها تعمل بموجب قانونها رقم 10 لسنة 2008 الذي اقره مجلس الرئاسة والمنشور في الوقائع العراقية عدد 4061 بتاريخ 14 شباط 2008 وبالتالي فهي هيئة دستورية وقانونية، ولكن ربما تقصد أن أعضاء هذه الهيئة لم يصوت عليهم مجلس النواب لغرض اختيارهم لعضوية هذه الهيئة؛ فحتى هذا الأمر لا يقدح بدستورية وقانونية عمل هذه الهيئة لان المواد (2 أولاً و28) من قانون الهيئة صريحة بالقول:"تحل تسمية الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة محل تسمية الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث". وعند تغيير تسمية دائرة أو مؤسسة حكومية معنية من تسمية إلى أخرى لا يحتاج الأمر إلى موافقة جديدة من الجهات الحكومية المختصة لغرض استمرار رئيس الدائرة أو المؤسسة التي تم تغير تسميتها أو بقية موظفيها بالعمل، خصوصا أذا عرفنا إن الجهة الحكومية المختصة بالموافقة على تعيين أعضاء هذه الهيئة هو مجلس النواب الذي يؤخر إصدار وإقرار العديد من القوانين المهمة للبلاد، وينبغي التذكير هنا بأن قانون الميزانية العامة لم يقر لحد الآن، وحتى هذا القانون الأخير أراد البعض إدخاله في مساومات وصفقات سياسية من أجل إقراره في مقابل مشاريع قوانين أخرى معروفة.

ولكنّ تسارع الأحداث في الساحة السياسية العراقية في الأيام القليلة الماضية يشير الى أن ثمة من يريد تسديد استحقاقات سابقة، جرى التغاضي عنها لفترة سنوات، قبل أسابيع قليلة من توجّه الناخبين العراقيين الى صناديق الإقتراع لإنتخاب مجلس نيابي جديد. ما هو رأيك بتوقيت قرارات هيئة المساءلة والعدالة الأخيرة؟

- أعتقد أن هذا هو التوقيت الطبيعي لمثل هذا الإجراء فهي عملية تحقق قانونية روتينية وطبيعية من شروط المرشحين لعضوية مجلس النواب بموجب أحكام الدستور، ولا ننسى أن قانون الانتخابات قد جرى التأخر بإقراره كثيرا. وربما كان هذا الإجراء شبه معطل في الفترة السابقة لرغبة القوى السياسية المؤسسة للعملية الديمقراطية في العراق بإشراك أكبر عدد ممكن من السياسيين العراقيين فيها خصوصا في ظل مقاطعة شريحة عراقية أساسية لهذه العملية في البداية، ولكن الأمر قد تغيّر جوهريا الآن، فلم يعد احد يقاطع العملية الديمقراطية في العراق، لذلك يصبح من غير المقبول الاستمرار في السكوت والتغاضي عن الشخصيات التي طالما روجت ومجدت حزب البعث المنحل والمحظور دستوريا والذين حاولوا ويحاولون أن يصورا جرائم البعث بحق الأمة العراقية على أنها منجزات ومكاسب عظيمة لهذه الأمة.

ولكن دكتور هناك من يقول أن قرارات هيئة المساءلة والعدالة ذات طابع سياسي بحت. أقصد أن أغراضها تصبّ في مصلحة بعض الأطراف السياسية دون غيرها، في حين أن قرارات الهيئة يجب أن تُبنى على أسس قانونية بغض النظر عن الجانب السياسي. هل هذا صحيح؟

- الحقيقة أن الموضوع هو ذو طبيعة مختلطة فهو قانوني وسياسي في الوقت نفسه. فهو قانوني لأنه يستند للمادة السابعة من الدستور ولقانون الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008 الذي صدر بموجب المادة 7 من الدستور؛ وهو سياسي أيضاً لأنه يتعلق أصلا بموضوع سياسي وهو مسألة حظر حزب سياسي هو حزب البعث العربي الاشتراكي. فهو موضوع ذو طبيعة مختلطة كما هو واضح. أما القول بأن قرارات الهيئة قد تكون لأغراض سياسية ويجب أن تبنى على أسس قانونية، فيجب أن يفترض ذلك، وبخلافه فستكون هذه القرارات عرضة للنقض من قبل الهيئة التمييزية في محكمة التمييز والمختصة بالنظر في الطعون ضد قرارات هيئة المساءلة والعدالة. ويمكن القول أيضا أن هذه الإجراءات ستصب قطعا في مصلحة وفائدة الائتلافات الأخرى إذ ما جرى اجتثاث شخصيات قيادية في ائتلاف أو ائتلافات معينة. ولكن من الصعب الإنكار أن الشخصيات البارزة التي يجري تداول أسمائها في وسائل الإعلام والتي جرى شمولها بهذه الإجراءات لم تكن تمجد وتروج لحزب البعث المذكور، فهم قاموا بذلك علنا وصراحة من على شاشات بعض الفضائيات مؤخرا، وبالتالي فمن يقوم متعمدا بعمل مخالف للدستور والقانون فعليه أن يتحمل النتائج، وإذا ما كانت هذه النتائج في غير صالحه فلا يلومنْ إلا نفسه.


من المؤكد أن قرارات هيئة المساءلة الأخيرة سيكون لها بعض التبعات على مستقبل العملية السياسية الفتية. ماهي أهم هذه التبعات برأيكم؟ وهل ستعمق تلك القرارات الأفق الديمقراطي للعملية السياسية أم أنها ستلقي بظلال قاتمة عليها أم ان التبعات ستكون ذات طابع مؤقت تنتهي بإنتهاء موسم الإنتخابات النيابية القادمة؟

- الدكتور المالكي: هذه التبعات ستكون ايجابية من ناحية الالتزام بالحظر الدستوري والقانوني ضد حزب البعث، فلن نسمع بعد اليوم من يتجرأ على الإساءة إلى مشاعر الأمة العراقية ويأخذ بالإشادة والتمجيد والترويج علنا لحزب البعث، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فسيجري تحصين الديمقراطية العراقية الناشئة من مخاطر عودة حزب البعث. وكنا قد نبهنا قبل شهر تقريبا من على شاشة إحدى الفضائيات إلى أن هنالك أحد الائتلافات فيه الكثير من البعثيين وهم يتخذون من هذا الائتلاف بمثابة حصان طروادة للدخول إلى البرلمان لتعطيل عمل الحكومة برمته. فالديمقراطية العراقية هي ديمقراطية ناشئة وهنالك خطر محدق بها يتمثل بمحاولة البعثيين العودة إلى السلطة لنسف الديمقراطية من أساسها، وهذه الديمقراطية لكونها ما زالت ناشئة فهي ديمقراطية مشوهة وذلك لسيطرة الإسلاميين على الحكم. لذلك فنحن ندعو، في حقيقة الأمر، إلى إقامة ما يمكن أن أسميه بـ" سياسة الحائط الناري Fire Wall Policy" لمنع عودة البعثيين إلى السلطة من خلال تفعيل النصوص الدستورية والقانونية الخاصة بحظر حزب البعث وقمع هذه المحاولات في مهدها وبكل حسم وجدية ومن دون أدنى تهاون. وتبعات هذه الإجراءات ستكون ذات طابع مؤقت تنتهي بانتهاء المجرى القانوني للعملية وسرعان ما سينسى الإعلام والعراقيون كل هذه الضجة التي تدور الآن وسيلحق السياسيون الذين جرى شمولهم بالاجتثاث بغيرهم من السياسيين العراقيين الذين لمع وسطع نجمهم في بداية سقوط الدكتاتورية ولكنهم الآن اختفوا وبالكاد يستطيع العراقيون تذكرهم في الوقت الحاضر.

التجمع الجمهوري العراقي هو أحد الكيانات المشمولة بقرار منع 15 حزب وكيان سياسي من المشاركة في الإنتخابات. التجمع الجمهوري جزء من ائتلاف وحدة العراق الذي يقوده السيد جواد البولاني الذي ينضوي فيه حزبكم أيضاً. ما هو تأثير ذلك على ائتلاف وحدة العراق؟ أصابع هيئة المساءلة والعدالة تشير الى "تساهل" ائتلاف وحدة العراق أو عدم تدقيقه جيداً في الأحزاب والكيانات السياسية المنضوية فيه. هذا ما يريد قرار هيئة المساءلة أن يقوله على الأقل. أم تراني أذهب بعيداً في هذا التحليل؟

- لن يؤثر ذلك كثيرا على ائتلاف وحدة العراق ولا حتى على التجمع الجمهوري، لان أسماء المرشحين المشمولة بمثل هذه الإجراءات سيتم استبدالها بغيرها. أما قولكم بأن ائتلافنا كان متساهلا في هذه المسالة، فهذا القول يمكن أن يصح حتى على ائتلاف رئيس الوزراء وهو ائتلاف دولة القانون لان الأخبار اليوم تُشير إلى أن سبعة من مرشحي ائتلاف دولة القانون مشمولين بهذا الإجراء ومنهم وزير الدفاع عبد القادر العبيدي.

أغلب الأحزاب التي شملها قرار المنع هي أحزاب وكيانات ذات "صبغة" علمانية. وهناك العديد من الكيانات والأحزاب الدينية التي إن دققنا جيداً في السيرة الشخصية لقياداتها السياسية سنجد أنهم لابدّ أن يكونوا في قائمة المنع. لماذا يتمّ برأيكم توجيه الأنظار الى العلمانيين واستثناء الأحزاب الدينية من قرارات الهيئة؟

- يجيب الدكتور المالكي قائلاً: لا نعرف ذلك بالضبط. فأسماء المشمولين بهذا الإجراء كثيرة، فالقائمة الأولى من الأسماء هي بحدود خمسمائة اسم، ومع القوائم الأخرى فمن المتوقع أن يصل عدد المشمولين بهذا الإجراء إلى أكثر من إلف ومائتين اسم، ومع عدد كبير كهذا سيكون من الصعب تصنيف المشمولين بهذا الإجراء إلى علمانيين أو إسلاميين أو إنهم من هذه الطائفة أو تلك. ولن يمكن معرفة انتماءات المشمولين بهذا الإجراء على نحو دقيق حتى يتم نشر القوائم النهائية للأسماء. ولكن الأسماء البارزة التي تداولها الإعلام مؤخرا كانت علمانية وهما اسمان فقط، وهم لم يتورعوا مؤخرا عن الإشادة بحزب البعث علنا.

ما هو موقف الحزب الليبرالي العراقي مما يجري هذه الأيام في العراق. بدءاً من قرارات هيئة المساءلة والعدالة مروراً بالتحرك الأمني الواسع الذي شهدته بعض مناطق العاصمة العراقية قبل أيام قليلة؟ لماذا يجري كلّ هذا في هذه الأيام بالذات؟

- الدكتور هادي نعيم المالكي: أما موقفنا من إجراءات الاجتثاث فقد أصبح واضحا، فنحن نؤيدها بالكامل، لا بل ندعو إلى ما نسميه بـ" سياسة الحائط الناري" لمنع عودة حزب البعث إلى السلطة من خلال تفعيل النصوص الدستورية والقانونية في هذا الشأن كما ذكرنا تواً. وأما عن التحركات الأمنية التي تقوم بها القوات الأمنية التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع فهي مفهومة تماما وخصوصا أن الجميع يتوقع أن تسعى الجماعات الإرهابية إلى تعكير صفو الأجواء الأمنية قبيل الانتخابات للتشويش على رؤية و قناعة الناخب العراقي، فالانتخابات القادمة هي انتخابات حاسمة ومهمة لمستقبل العراق في كثير من المعاني.

سعد الشديدي
gelgamesh2000@hotmail.com

الأحد، يناير 10، 2010

المطلك ليس هو المعني بمناورة الساعات الأخيرة؟!

قرار هيئة المساءلة والعدالة بشطب 15 كياناً سياسياً ومنعها من المشاركة في الإنتخابات النيابية القادمة أصاب المحللين السياسيين المتتبعين للشأن العراقي بالكثير من الدوار. فمن جهة كانت بعض فقرات القرار متوقعة أعلنت عنها الهيئة على لسان مديرها العام التنفيذي علي فيصل اللامي في نهاية شهر تشرين ثاني الماضي ومنها منع التجمع الجمهوري العراقي برئاسة سعد عاصم الجنابي وقائمة الحل، بزعامة جمال الكربولي، وتجمع الوحدة الوطنية، بزعامة نهرو عبد الكريم، من المشاركة في الإنتخابات، ولم تشكّل أية مفاجئة رغم أنها أثارت علامات استفهام عديدة وقتها وتساؤلات موجعة عمّا اذا كان قرار منع التجمع الجمهوري العراقي المنضوي في إئتلاف وحدة العراق يقصد به الإساءة الى الإئتلاف الذي يرأسه وزير الداخلية السيد جواد البولاني وتنضوي تحته مجموعة مهمة من الأحزاب الوطنية العراقية التي تشكّل تحدياً كبيراً للأحزاب المتأسلمة قد يفقدها الكثير من الأصوات المضمونة في الإنتخابات القادمة.
أما المفاجأة الأكثر تأثيراً فكانت شطب الجبهة العراقية للحوار برئاسة صالح المطلك! والحقيقة أن ذلك شكلّ عنصراً سبّب الدوار لبعض المحللين السياسيين المطلّعين على الشأن العراقي خصوصاً أن السيد علي فيصل اللامي نفى في تصريح له لوسائل الإعلام العراقية في 18 تشرين الثاني 2009 تقارير أكدّت شمول صالح المطلك وظافر العاني بقانون المساءلة والعدالة قائلاً:"الهيئة لا تستند إلى معلومات بل تتأكد من الوثائق التي تشير إلى عدم شمول الشخصيتين بالقانون".
فما الذي تغيّر وجعل هيئة المساءلة والعدالة تشمل صالح المطلك بقانون المساءلة خصوصاً وأن هناك وثائق تؤكد "وتشير الى عدم شموله بالقانون"؟
الأكيد أن صالح المطلك كان بعثياً، رغم أن سيرته الشخصية على موقع قناة العربية تشيرالى أنه فُصل من حزب البعث المنحلّ عام 1977، دون ذكر لأسباب فصله من الحزب المذكور. والأكيد أيضاً أنه ينحى في سلوكه السياسي منحى قوموياً يقترب في ملامحه من ذلك الذي عهدناه لدى حزب البعث المنحلّ.
ولكنّ المشكلة هنا تكمن في تأكيد السيد المدير التنفيذي لهيئة المساءلة والعدالة منذ ستة أسابيع فقط بأن المطلك لن يُشمل بالقانون الذي تسهر هيئة المساءلة على تنفيذه!
مصادر مقرّبة من بعض القيادات السياسية في بغداد أفادت بأن الأحزاب المكوّنة للحكومة الحالية بدأت تلعب "لعبة سياسية ذكية". وأن مايؤكد ذلك هو أن أسم صالح المطلك قد تمّ دسّه بين الأسماء ليثير أكبر كمية من اللغط وردود الأفعال، وأن المطلك ليس هو المعني بالدرجة الأولى بهذه اللعبة.
وتقول تلك المصادر بأن" القيادات الكردية طلبت شطب كيان سياسي آخر أضافة الى تجمع الوحدة الوطنية بزعامة نهرو عبد الكريم هو حزب العدالة الكردستاني الذي يقوده أرشد الزيباري وهذا حزب كردي صغير تخشى بعض القيادات الكردية أن يحققّ مفاجئات غير متوقعة تُضعف موقف الجبهة الكردستانية وتقوّي موقف الأحزاب العربية في الموصل وكركوك خصوصاً وأن لهذا الحزب اسناد من دول ذات وزن اقليمي."
مايؤكد قلق القيادات الكردية هو أن أرشد الزيباري الذي كان في الأصل ضابطاً في الجيش العراقي ومحافظاً للسليمانية من 1977 حتى 1980 ووزيراً للدولة مرتيّن في فترة الحكم الديكتاتوري لم يكن يتردد بالتحالف مع أحزاب ذات توجهات قومية عربية كما حدث عند تحالفه مع أسامة النجيفي في تجمع الحدباء الموّحد 2005 ثمّ قائمة الحدباء الوطنية 2008، وأن توجهاته العروبية كثيراً ما أزعجت القيادات الكردية.
أذن والحال هكذا فإن النجيفي وعرب الموصل سيخسرون حليفاً كردياً مهماً ومخلصاً لهم ولايمكن تعويضه في معركتهم في الموصل وكركوك. ولأجل إلهاء الكيانات السياسية ذات التوجّه العروبي عن هذا عمدت أحزاب الحكومة، بطلب كردي، الى وضع أسم ثقيل من وزن صالح المطلك في قائمة الكيانات الممنوعة من المشاركة في الإنتخابات القادمة.
ولم تخفِ تلك المصادر بأن ما أسمته "باللعبة السياسية الذكية" هي في الحقيقة ذات أهداف مزدوجة: "هذا الى جانب أن تجمع الوحدة الوطنية، بزعامة نهرو عبد الكريم يضم في صفوفه مجلس الحوار الوطني الذي يتزعمه خلف العليان وهو أحد الأسماء التي لها ثُقل ما في لدى بعض الشرائح الإنتخابية. صحيح أنه لايشكلّ ثقلاً سياسياً ما ولكن استبعاد شخصيات كهذه من الإنتخابات هو اجراء وقائي لا أكثر".
ويبدو أن الأهداف المزدوجة لتلك اللعبة لاتتوقف عند هذا فإحراج وزير الداخلية العراقي السيد جواد البولاني الذي يتزعم إئتلاف وحدة العراق ينطوي تحت بنودها. فمن المؤكد أنه تمّ وضع علامة ما في ذهن الناخب العراقي بأن جواد البولاني مستعد للتعاون مع "بقايا البعثيين" اذا ما حقق نتائج ايجابية في الإنتخابات.
وما لايعرفه الكثيرون أن هناك من يقول بأن ثمة صفقة قد جرت بين بعض الأحزاب المتنفذة في الحكومة وهيئة المساءلة والعدالة تقضي بأن تقوم هيئة المساءلة بإدراج بعض الأسماء في قائمة المنع من المشاركة في الإنتخابات، رغم عدم وجود اثباتات دامغة لشمولها بقانون المساءلة والعدالة، مقابل عدم ترشيح الحكومة لبعض الأسماء التي لم توافق عليها الهيئة لشغل بعض المناصب فيها.
هذا وتشير أخبار مؤكدة الى أن هيئة المساءلة والعدالة لم تقم بتليغ الكيانات السياسية والشخصيات المشمولة بقرار المنع بشكل رسمي حتى هذه اللحظة، الأمر الذي يُشكل لغزاً في حدّ ذاته. فهل يمكننا والحال هذا أن نتحدث عن قرار رسمي صادر وموّقع ومختوم من قبل هيئة رسمية ذات صلاحيات قانونية أم أن كل ما جرى لايعدو أن يكون مجرد بالون إختبار؟!
ولكن رغم ما كُتب وقيل للدفاع عن - أو الهجوم على تلك الكيانات المشطوبة فأن تصريح السيد أياد علاّوي اليوم في برنامج "ضيف المنتصف" الذي عُرضته قناة الجزيرة والذي يؤكد أن السيد علاوي يشعر بالقلق بأن الأمور لو سارت كما هي عليه الآن فأن العملية السياسية قد تتعرض لطريق مسدود وأن العراق سيشهد الكثير من الدمار بعد الإنتخابات (لاسمح الله) على حدّ قوله، يُعد اشارة هامة على ما يمكن أن تؤول اليه الأمور بعد الإنتخابات، فيما لو أستمرت الحكومة "بلعبتها الذكية".
فهل ستصر هيئة المساءلة والعدالة على قرارها أم ستنسحب هي والحكومة الى قواعدها سالمة؟
سعد الشديدي