السبت، يونيو 19، 2010

بصرة الغضب والإنتفاضات

احدث اليوم 19 حزيران في البصرة البطلة، التي كانت المثل الأعلى بين المدن العراقية عبر تاريخها الطويل، مؤشر على رجال طبقة الإقطاع السياسي المترهلة أن يحسبوا له الف حساب.
فمن البصرة، لامن غيرها، انطلقت الإنتفاضة الشعبانية المباركة، التي ألهبت بشرارتها العدد الأكبر من محافظات العراق بعد الهزيمة العسكرية المنكرة التي منيّ بها نظام صدام حسين الديكتاتوري بعد مغامرته الطائشة في الكويت. ومن رجال البصرة الأشداء ارتفعت اولى صرخات الغضب احتجاجاً على حروب الديكتاتور التي ناء تحت عبئها الجسد العراقي طويلاً.

عشرات الآف من المتظاهرين الذين خرجوا اليوم في شوارع البصرة، لم يخرجوا بطراً، ولا للمطالبة ببناء فنادق خمسة نجوم أو حمامات سباحة بمقاسات أولمبية، بل للحصول على حياة تليق بهم كبشر لهم كامل الحقوق على أرض بلادهم التي عانوا من اجلها الويلات.
وما يطالب به العراقيون، وفي طليعتهم البصريون، هو الحدّ الأدنى المقبول انسانياً من الخدمات التي تتحمل الدولة ومرافقها مسؤوليتها. لذلك فعلى الحكومة، اية حكومة، لاتستطيع توفير ذلك لمواطنيها، أن تضع عصاها على كتفها وتغادر المشهد السياسي دونما تأخير.

أن خيبة العراقيين بوطنهم الجديد أكبر من أن توصف، فقد اصبح العراق مشاعاً للصوص وقطاع الطرق المحليين والدوليين، يأخذون منه مايشاؤون ويمارسون فيه هوايتهم الحاقدة في التدمير والعبث ومسخ كل ماهو خيرّ وحرّ، أمام مرآى ومسمع المواطن الذي لم يفق بعد من صدمته الأولى. وفي هذا الجحيم المتصاعد يوماً بعد يوم هذا لايحصل العراقيون حتى على الفتات، على الرغم من أن موائد وقصور المحتلين والسادة من إقطاع العملية السياسية تزخر بما لذّ وطاب، تماماً كموائد وقصور الدكتاتور الذي تدّلى من حبل المشنقة من فترة ليست بالطويلة.

مظاهرات اليوم في البصرة تقول ان العراقي بدأ صحوته اخيراً. فمن أزقة وشوارع البصرة التي تفيض بمياه الامطار شتاءاً، وتعطش صيفاً وهي ثغر العراق الذي لم يعطش يوماً، يتردد صدى الغضب السائر ليمسح من طريقه غربان السياسة البليدة، والطفيليات التي انتجتها عملية ديمقراطية ليس فيها لون ولارائحة الديمقراطية.

ينبغي علينا أن نسجّل في ذاكرتنا تاريخ هذا اليوم، فبعده سيأتي مالا يتوقعه أحد. هو صوت آذانٍ للخيرين والشرفاء من العراقيين وناقوس خطر لمن يدّعي انه قادر على حكم هذا البلد، فأما ان يكون قادراً بالفعل على التصدي للحكم أو أن يتركه لغيره. فمنذ اليوم ستمتد أمواج التحديّ لتضرب كل مايقف بوجهها، بعد أن سقطت الأقنعة وأتضح الخيط الأسود من الأبيض ولم يعد هناك عذرٌ لأولئك الذين جنوا ملايين الدولارات من لحم العراقيين ودمهم وعرقهم.
فالمجد كل المجد لاولئك الذين خرجوا للمطالبة بحقهم في الحصول على الحد الأدنى من الخدمات، والخزي لأولئك الذين أطلقوا النار على متظاهرين مسالمين فقتلوا اثنين من المتظاهرين وجرحوا آخرين، وسلكوا بذلك مسلك قوات أمن في دولة فاشية وليست ديمقراطية.

والى انتفاضة قادمة تعمّ مدن العراق وقراه، تُعيد للمواطن مكانه الذي يستحقه وتجعل منه القائد الذي سيكتب على مسلته من جديد قوانين حمورابي بخطّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصرخة الحسين (عليه السلام) ودمه وسواعد الرجال والنساء من احفاد ثوار ثورة العشرين التي ستمرّ ذكراها التسعين بعد ايام.


سعد الشديدي

ليست هناك تعليقات: