الخميس، أكتوبر 29، 2009

بغدادنا.. أحياؤها شهداء

بالأمس حلمنا، نحنُ وأنتم، بغدٍّ لايشبه بقية الأيام. شمسه، التي لاتشبهها شمسٌ في مجرّةٍ أخرى، تضئُ لتغسل بفورةِ نورها أشجارَ نخيلٍ كانت ستظللّنا بقلبٍ أين منه ظلال الدنيا كلّها. كنّا أنتظرنا أن تخرج مدننا رافعة شوارعها عالياً لترقص به وبنا على حوّاف النهرين العظيمين.
كان حلمنا فيما وراء الزمن والحلم .. أن تصحو الزقّورة من نومها لتعود طيورُ الشقّراقِ تبني أعشاشها في ضفائرِ القمح وفي حبرِ كلماتِ القراءة الخلدونية. حلمٌ راوَدنا، أن ترمحَ خطواتُنا في وطن لا نعرفه ولكنه يعرفُ أسماءنا واحداً واحدا ويحفظُ أسماءَ حبيباتنا عن ظهرِ قلب. كنّا حلمنا طويلاً بيومِ غدّ، الذي جاء.
جاءنا ولكن ليس كما إنتظرنا. فهو حقّاً لايشبه بقية الأيام التي وُلدت وغابت على سهول أور وأكد وصحت عليها حانات بابل ومعابدها الغائبة في رائحة البخور والماوَرد، وليس كالأيام المشتعلة ناراً حيناً والنافخة ثلجاً حيناً آخر وطوت بستائرها الضافية مآذن مدينة السلام، ولايحمل ملامح الأيام التي كانت تُدفأُ قدميها قرب مواقد الرعاة وتختبأ في أكواخ الفلاحين لترى بفضول ما يفعله أبناء إنليل وبنات إينانا بعد أن تنطفئ قناديل المساء.
لم يكن غدُنا كما تلك الأيام. جاء أصفر اغبر يجرّ ورائه عربة خيبته.. خيبتنا. حاملاً معه وعداً بموتٍ لاتسعهُ حتى عباءة أرشيجكال ونجومٍ ستنطفئ تاركةً لنا سماءً سوداءَ نكتبُ عليها بالطباشير قصائدَ رثاء.
أكان غدُنا هكذا لأننا ماخرجنا باحثين عنه كما خرجَ جلجامش ينشدُ الأبدية؟ هل كان هكذا لأننا مافعلنا من أجله شيئاً سوى إننا إنتظرنا ولم نخلقه ولابنيناه كما بنى نوحُ العراقيّ فُلكه لينقذ به سلالة البشر؟
قال كتاب التاريخ: الغدّ الذي لاتصنعه يصنعك.. وإقبل به أنّى يكون.
فمن يقبل بيومٍ بعد يومٍ بعد يوم مليئة كلها بغمام الدم؟
هل نعتذر لشهداء الصالحية وقبلهم شهداء الأربعاء الدامي وقبلهم شهداء الكاظمية وقبلهم شهداء الألف مجزة ومجزرة أم نحرسُ قبور من بقيّ في قيد الأحياء؟
* * *
هكذا ترحلونَ، كما يرحلُ الغيمُ فوقَ سطوحِ المدينةِ. ما أسرع الغيم حين يمرُّ على شارعٍ ميّتٍ يحتفي بعصافيرهِ الباقية. أشرقتِ الشمسُ فوق السبيلِ وفوقَ حبالِ الغسيلِ. ولكّنكم لم تعودوا هنا! لهذا تحوّلَ شارُعنا نخلةً كتبتْ إسمها في سجلِّ الوفيّاتِ.. وانكسرتْ.
أيفاجئنا أن هذا الصباح انزوى في دخانِ الحقول، وبعضُ الوجوهِ ارتمتْ في نظامٍ جميلٍ على الناصية؟
* * *
يحقّ لنا أن نقول بعد غيابكم أن الغدّ الذي أنتظرناه سيأتي؟ ربما! فهانحن، رغم رحيلكم، نتهجى أول حروفه، نضع أحجار بناءه الأولى، نختار حتى ألوان فساتين نسائنا التي سيخرجن بها للقائه، ونخبأُ بعناية العاشق وشوقه بذوره في أرض بدت كما لو إنها ضجرت من عجزنا ولاأُباليتنا. ربما سيطلع ورقةَ آس، أو شمعة تطفو على موجِ النهر، غابةُ طرفاء أو صوت أبوذيّة يسافر بعيداً الى أوتار عود إسحق الموصليّ.
ربما سيكون له لون الورد ورائحة المسك والقهوة والهال, وسيكون هذه المرّة لنا ولكم. لن نستعيره من أحد ولن نفاخر به أحدا لإننا نصنعه لنا ولكم أنتم. وسترونه
من غرفةٍ أو شرفةٍ في السماءْ.
فأخرجوا حيث كنتم، وأجمعوا العشبَ في زورقِ الشهداءْ.
وإزرعوا شجرَ البرتقالِ الذي تعرفون، وغنّوا النشيدَ الذي تعرفون.
ربما يسمعُ الأنبياءْ،
ويقتربون
من اللهِ في نومهم.
لتعودوا إلينا.
------------------
سعد الشديدي

الاثنين، أكتوبر 26، 2009

وزير الداخلية: ماكو مفخّخة تفوت.. والحبال موجودة؟؟!!

تصريح السيد وزير الداخلية بأن تهاون القضاء العراقي مع المحكومين بجرائم الإرهاب هو من أهم أسباب الفوضى الأمنية التي تندلع بين فترة وأخرى مسببّة مقتل المئات من العراقيين ومنها جرائم الأربعاء الدامي وتفجيرات يوم الأحد الأسود، هذا التصريح يثير الأستغراب. ربما كنّا سنهز رؤوسنا لنثّني على ما قاله السيد جواد البولاني في بث مباشر مع قناة العراقية يوم أمس لولا إننا جميعاً نعرف بأن الموضوع أكبر وأعقد من ذلك بكثير.
فقد تحوّل الإرهاب الى صناعة متكاملة، لها أصولها "الحرفية" وتمويلها المالي الضخم الذي يُعتقد إنه يتجاوز ميزانيات دولة من دول الجوار، ومساجده وأئمته الداعون علناً الى إبادة الآخر، ودعاته وأحزابه التي تدعمه من داخل العملية السياسية ومن تحت قبة البرلمان ومن مواقع عليا تصل الى ما لا يستطيع المواطن تصورّه، وعلى عينك يا تاجر. وهذا يعرفه السيد وزير الداخلية.
وله أيضاً ضحاياه الذين يتساقطون كأوراق الأشجار الصفراء في عاصفة خريفية ظالمة. هم أبناء العراق ونسائه وأطفاله، ولايهتز جفنُ أحد لموتهم الشنيع.
وله المستفيدين منه من خارج دائرة الأحزاب والتكتلات التي تسانده، في الأحزاب التي تطارد الإرهاب في العلن وتستفيد منه أقصى إستفادة في الخفاء لتحصد أرباحاً سياسية وأمتيازات وعوائد مالية على حساب جثث العراقيين المتفحمة.
أما دول الجوار التي تجنّب السيد البولاني الإشارة إليها بدبلوماسية يحسد عليها فهي الأخرى لها نصيبها في السيرك-المأتم.
وإذا كان السيد وزير الداخلية لايرى هذا كلّه ولايحسب حسابه فالأفضل إذن أن نردد معه الشعار الشهير الذي كان الثوريون بعد 14تموز1958 يرددونه مطالبين بتنفيذ عقوبة الإعدام بأعداء الثورة: ماكو مؤامرة تفوت والحبال موجودة.
الحقيقة التي عرفها الثوريون وشاهدوها بأم عيونهم فيما بعد إن الحبال والمشانق لم تُنجِ 14 تموز ورجالاتها وأنصارها من السقوط.
الحل لايكمن في عدد الحبال المرفوعة وطول تلك الحبال التي ستجلب معها حبالاً أكثر طولاً وأشدّ وحشية، بل فيما هو أكثر من ذلك ياسيادةالوزير: أن تعترف الحكومة بعجزها وتعلن تنحيّها عن السلطة وأن يُصار الى تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية بلا طائفية أوعنصريةومحاصصة مقيتة، حكومة تتكون من المخلصين من أبناء العراق وبناته لا من حملة شهادات الدكتوراه المزورة في سوق مريدي، حكومة تثق بها الأمة وتعرف إنها تضع حياة العراقيين بالدرجة الأولى في سلّم أولوياتها..
هذا هو الحبل الذي سيلتّف على رقبة الإرهابيين والمفسدين وبائعي الكباب والفجل الذين أصبحوا قادة سياسيين في وطن يموت أبنائه كل يوم تحت سمع وبصر قادة المرحلة وأبطال دوامة العملية السياسية وفرسان الصولات الفارغة، والنواب في روضة زعاطيط البرلمان العراقي الذين لم ينجحوا، حتى بعد مشاهدتهم للدم العراقي الرخيص وهو يسيل بخجل في شوارع الصالحية، في الإتفاق على قانون جديد للإنتخابات.
قد نتفّق جدلاً مع السيد وزير الداخلية جواد البولاني ونعترف إن الحلّ يكمن في تفعيل أحكام الإعدام ولكن السؤال هنا هو: إعدام مَنْ يا معالي الوزير ؟؟
سعد الشديدي