الأحد، يناير 17، 2010

لقاء مع الأمين العام للحزب الليبرالي العراقي

تسارع الأحداث في الساحة السياسية العراقية يشير الى إقتراب ساعة الحسم في قضايا كان يجب حسمها منذ زمن ليس بالقصير. ولكن العملية الديمقراطية التي بدأت بعد اسقاط الديكتاتورية شهدت ولادة متعسرة ومضاعفات تعاني منها حتى الآن، ومازال الطريق أمامها وعر وطويل. لذلك لم يكن من السهل ربما مجابهة تلك القضايا وحلّها آنياً, وقد يكون للتأخر في حلّها أثر في فرض شكل المواجهة النهائية التي درات رحاها، وماتزال، في الشارع السياسي العراقي. هل كانت أحداث الأيام القليلة الماضية مواجهة لابدّ من الدخول فيها للوصول الى الحسم النهائي؟ هذا السؤال وأسئلة أخرى أجاب عنها الدكتور هادي نعيم المالكي الأمين العام للحزب الليبرالي العراقي، المنضوي في ائتلاف وحدة العراق الذي يرأسه السيد جواد البولاني. والحزب الليبرالي العراقي أحد الإحزاب العراقية الفتية تأسس في شباط 2009 وطرح برنامجه السياسي لحوار شاركت فيه النخب السياسية الليبرالية في العراق والخارج.
الدكتور هادي نعيم المالكي رجل قانون اضافة الى كونه أميناً عاماً للحزب الليبرالي العراقي لذلك فإن لرأيه وزناً خاصاً ليس من وجهة النظر السياسية فقط ولكن لمناقشة العديد من الشبهات القانونية التي أثارتها الأحزاب والكيانات السياسية المشمولة بقرار هيئة المساءلة والعدالة، وتوقف عندها عدد كبير من العراقيين. فماهو رأيه كرجل قانون عن اجراءات الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة؟ وماذا يقول عن دستورية تلك الإجراءات وتاثيرها على آفاق المرحلة القادمة؟

سؤال: هناك سجال يدور بين أطراف العملية السياسية حول دستورية القرارات الأخيرة التي أصدرتها هيئة المساءلة والعدالة، على أساس أن الهيئة نفسها غير دستورية لأن مجلس النواب العراقي لم يصوّت عليها حتى الآن. ماذا تقول أولاً بصفتك رجل قانون وثانياً كقائد لحزب مشارك في العملية السياسية؟

- الدكتور هادي المالكي: القول بان هيئة المساءلة والعدالة هي هيئة غير دستورية هو قول غير سليم لأنها تعمل بموجب قانونها رقم 10 لسنة 2008 الذي اقره مجلس الرئاسة والمنشور في الوقائع العراقية عدد 4061 بتاريخ 14 شباط 2008 وبالتالي فهي هيئة دستورية وقانونية، ولكن ربما تقصد أن أعضاء هذه الهيئة لم يصوت عليهم مجلس النواب لغرض اختيارهم لعضوية هذه الهيئة؛ فحتى هذا الأمر لا يقدح بدستورية وقانونية عمل هذه الهيئة لان المواد (2 أولاً و28) من قانون الهيئة صريحة بالقول:"تحل تسمية الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة محل تسمية الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث". وعند تغيير تسمية دائرة أو مؤسسة حكومية معنية من تسمية إلى أخرى لا يحتاج الأمر إلى موافقة جديدة من الجهات الحكومية المختصة لغرض استمرار رئيس الدائرة أو المؤسسة التي تم تغير تسميتها أو بقية موظفيها بالعمل، خصوصا أذا عرفنا إن الجهة الحكومية المختصة بالموافقة على تعيين أعضاء هذه الهيئة هو مجلس النواب الذي يؤخر إصدار وإقرار العديد من القوانين المهمة للبلاد، وينبغي التذكير هنا بأن قانون الميزانية العامة لم يقر لحد الآن، وحتى هذا القانون الأخير أراد البعض إدخاله في مساومات وصفقات سياسية من أجل إقراره في مقابل مشاريع قوانين أخرى معروفة.

ولكنّ تسارع الأحداث في الساحة السياسية العراقية في الأيام القليلة الماضية يشير الى أن ثمة من يريد تسديد استحقاقات سابقة، جرى التغاضي عنها لفترة سنوات، قبل أسابيع قليلة من توجّه الناخبين العراقيين الى صناديق الإقتراع لإنتخاب مجلس نيابي جديد. ما هو رأيك بتوقيت قرارات هيئة المساءلة والعدالة الأخيرة؟

- أعتقد أن هذا هو التوقيت الطبيعي لمثل هذا الإجراء فهي عملية تحقق قانونية روتينية وطبيعية من شروط المرشحين لعضوية مجلس النواب بموجب أحكام الدستور، ولا ننسى أن قانون الانتخابات قد جرى التأخر بإقراره كثيرا. وربما كان هذا الإجراء شبه معطل في الفترة السابقة لرغبة القوى السياسية المؤسسة للعملية الديمقراطية في العراق بإشراك أكبر عدد ممكن من السياسيين العراقيين فيها خصوصا في ظل مقاطعة شريحة عراقية أساسية لهذه العملية في البداية، ولكن الأمر قد تغيّر جوهريا الآن، فلم يعد احد يقاطع العملية الديمقراطية في العراق، لذلك يصبح من غير المقبول الاستمرار في السكوت والتغاضي عن الشخصيات التي طالما روجت ومجدت حزب البعث المنحل والمحظور دستوريا والذين حاولوا ويحاولون أن يصورا جرائم البعث بحق الأمة العراقية على أنها منجزات ومكاسب عظيمة لهذه الأمة.

ولكن دكتور هناك من يقول أن قرارات هيئة المساءلة والعدالة ذات طابع سياسي بحت. أقصد أن أغراضها تصبّ في مصلحة بعض الأطراف السياسية دون غيرها، في حين أن قرارات الهيئة يجب أن تُبنى على أسس قانونية بغض النظر عن الجانب السياسي. هل هذا صحيح؟

- الحقيقة أن الموضوع هو ذو طبيعة مختلطة فهو قانوني وسياسي في الوقت نفسه. فهو قانوني لأنه يستند للمادة السابعة من الدستور ولقانون الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008 الذي صدر بموجب المادة 7 من الدستور؛ وهو سياسي أيضاً لأنه يتعلق أصلا بموضوع سياسي وهو مسألة حظر حزب سياسي هو حزب البعث العربي الاشتراكي. فهو موضوع ذو طبيعة مختلطة كما هو واضح. أما القول بأن قرارات الهيئة قد تكون لأغراض سياسية ويجب أن تبنى على أسس قانونية، فيجب أن يفترض ذلك، وبخلافه فستكون هذه القرارات عرضة للنقض من قبل الهيئة التمييزية في محكمة التمييز والمختصة بالنظر في الطعون ضد قرارات هيئة المساءلة والعدالة. ويمكن القول أيضا أن هذه الإجراءات ستصب قطعا في مصلحة وفائدة الائتلافات الأخرى إذ ما جرى اجتثاث شخصيات قيادية في ائتلاف أو ائتلافات معينة. ولكن من الصعب الإنكار أن الشخصيات البارزة التي يجري تداول أسمائها في وسائل الإعلام والتي جرى شمولها بهذه الإجراءات لم تكن تمجد وتروج لحزب البعث المذكور، فهم قاموا بذلك علنا وصراحة من على شاشات بعض الفضائيات مؤخرا، وبالتالي فمن يقوم متعمدا بعمل مخالف للدستور والقانون فعليه أن يتحمل النتائج، وإذا ما كانت هذه النتائج في غير صالحه فلا يلومنْ إلا نفسه.


من المؤكد أن قرارات هيئة المساءلة الأخيرة سيكون لها بعض التبعات على مستقبل العملية السياسية الفتية. ماهي أهم هذه التبعات برأيكم؟ وهل ستعمق تلك القرارات الأفق الديمقراطي للعملية السياسية أم أنها ستلقي بظلال قاتمة عليها أم ان التبعات ستكون ذات طابع مؤقت تنتهي بإنتهاء موسم الإنتخابات النيابية القادمة؟

- الدكتور المالكي: هذه التبعات ستكون ايجابية من ناحية الالتزام بالحظر الدستوري والقانوني ضد حزب البعث، فلن نسمع بعد اليوم من يتجرأ على الإساءة إلى مشاعر الأمة العراقية ويأخذ بالإشادة والتمجيد والترويج علنا لحزب البعث، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فسيجري تحصين الديمقراطية العراقية الناشئة من مخاطر عودة حزب البعث. وكنا قد نبهنا قبل شهر تقريبا من على شاشة إحدى الفضائيات إلى أن هنالك أحد الائتلافات فيه الكثير من البعثيين وهم يتخذون من هذا الائتلاف بمثابة حصان طروادة للدخول إلى البرلمان لتعطيل عمل الحكومة برمته. فالديمقراطية العراقية هي ديمقراطية ناشئة وهنالك خطر محدق بها يتمثل بمحاولة البعثيين العودة إلى السلطة لنسف الديمقراطية من أساسها، وهذه الديمقراطية لكونها ما زالت ناشئة فهي ديمقراطية مشوهة وذلك لسيطرة الإسلاميين على الحكم. لذلك فنحن ندعو، في حقيقة الأمر، إلى إقامة ما يمكن أن أسميه بـ" سياسة الحائط الناري Fire Wall Policy" لمنع عودة البعثيين إلى السلطة من خلال تفعيل النصوص الدستورية والقانونية الخاصة بحظر حزب البعث وقمع هذه المحاولات في مهدها وبكل حسم وجدية ومن دون أدنى تهاون. وتبعات هذه الإجراءات ستكون ذات طابع مؤقت تنتهي بانتهاء المجرى القانوني للعملية وسرعان ما سينسى الإعلام والعراقيون كل هذه الضجة التي تدور الآن وسيلحق السياسيون الذين جرى شمولهم بالاجتثاث بغيرهم من السياسيين العراقيين الذين لمع وسطع نجمهم في بداية سقوط الدكتاتورية ولكنهم الآن اختفوا وبالكاد يستطيع العراقيون تذكرهم في الوقت الحاضر.

التجمع الجمهوري العراقي هو أحد الكيانات المشمولة بقرار منع 15 حزب وكيان سياسي من المشاركة في الإنتخابات. التجمع الجمهوري جزء من ائتلاف وحدة العراق الذي يقوده السيد جواد البولاني الذي ينضوي فيه حزبكم أيضاً. ما هو تأثير ذلك على ائتلاف وحدة العراق؟ أصابع هيئة المساءلة والعدالة تشير الى "تساهل" ائتلاف وحدة العراق أو عدم تدقيقه جيداً في الأحزاب والكيانات السياسية المنضوية فيه. هذا ما يريد قرار هيئة المساءلة أن يقوله على الأقل. أم تراني أذهب بعيداً في هذا التحليل؟

- لن يؤثر ذلك كثيرا على ائتلاف وحدة العراق ولا حتى على التجمع الجمهوري، لان أسماء المرشحين المشمولة بمثل هذه الإجراءات سيتم استبدالها بغيرها. أما قولكم بأن ائتلافنا كان متساهلا في هذه المسالة، فهذا القول يمكن أن يصح حتى على ائتلاف رئيس الوزراء وهو ائتلاف دولة القانون لان الأخبار اليوم تُشير إلى أن سبعة من مرشحي ائتلاف دولة القانون مشمولين بهذا الإجراء ومنهم وزير الدفاع عبد القادر العبيدي.

أغلب الأحزاب التي شملها قرار المنع هي أحزاب وكيانات ذات "صبغة" علمانية. وهناك العديد من الكيانات والأحزاب الدينية التي إن دققنا جيداً في السيرة الشخصية لقياداتها السياسية سنجد أنهم لابدّ أن يكونوا في قائمة المنع. لماذا يتمّ برأيكم توجيه الأنظار الى العلمانيين واستثناء الأحزاب الدينية من قرارات الهيئة؟

- يجيب الدكتور المالكي قائلاً: لا نعرف ذلك بالضبط. فأسماء المشمولين بهذا الإجراء كثيرة، فالقائمة الأولى من الأسماء هي بحدود خمسمائة اسم، ومع القوائم الأخرى فمن المتوقع أن يصل عدد المشمولين بهذا الإجراء إلى أكثر من إلف ومائتين اسم، ومع عدد كبير كهذا سيكون من الصعب تصنيف المشمولين بهذا الإجراء إلى علمانيين أو إسلاميين أو إنهم من هذه الطائفة أو تلك. ولن يمكن معرفة انتماءات المشمولين بهذا الإجراء على نحو دقيق حتى يتم نشر القوائم النهائية للأسماء. ولكن الأسماء البارزة التي تداولها الإعلام مؤخرا كانت علمانية وهما اسمان فقط، وهم لم يتورعوا مؤخرا عن الإشادة بحزب البعث علنا.

ما هو موقف الحزب الليبرالي العراقي مما يجري هذه الأيام في العراق. بدءاً من قرارات هيئة المساءلة والعدالة مروراً بالتحرك الأمني الواسع الذي شهدته بعض مناطق العاصمة العراقية قبل أيام قليلة؟ لماذا يجري كلّ هذا في هذه الأيام بالذات؟

- الدكتور هادي نعيم المالكي: أما موقفنا من إجراءات الاجتثاث فقد أصبح واضحا، فنحن نؤيدها بالكامل، لا بل ندعو إلى ما نسميه بـ" سياسة الحائط الناري" لمنع عودة حزب البعث إلى السلطة من خلال تفعيل النصوص الدستورية والقانونية في هذا الشأن كما ذكرنا تواً. وأما عن التحركات الأمنية التي تقوم بها القوات الأمنية التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع فهي مفهومة تماما وخصوصا أن الجميع يتوقع أن تسعى الجماعات الإرهابية إلى تعكير صفو الأجواء الأمنية قبيل الانتخابات للتشويش على رؤية و قناعة الناخب العراقي، فالانتخابات القادمة هي انتخابات حاسمة ومهمة لمستقبل العراق في كثير من المعاني.

سعد الشديدي
gelgamesh2000@hotmail.com