الخميس، يوليو 02، 2009

أصدقاؤنا الليبراليون.. ماذا يريدون حقاً؟

هذا السؤال طرحته على نفسي منذ سنوات حين لاحت البدايات الأولى لتبلور "حالة" ليبرالية عراقية في المنفى، على وجه التحديد في السنتين اللتين سبقتا إسقاط النظام الديكتاتوري، ورغم مرور سنوات منذ ذلك الحين فإن الحظ لم يحالفني بالحصول على إجابة محددّة لسؤالي هذا رغم مرور سنين عديدة على مواجهتي لذلك السؤال.
ولا أخفي أنني أستبشرت خيراً حينذاك بولادة هكذا حالة وأملتُ إن تكون المنطقة الوسط في المساحة التي تمارس فيها الإتجاهات الرئيسية السائدة في العراق نشاطها السياسي. تلك المساحة التي تقلصت الى حدّ مخيف بفعل الإحتراب الآيديولوجي والإستقطاب السياسي اللذين بدءا بعد إنطلاق ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بفترة قصيرة، وبعد ذلك بقوة أدوات القمع وأجهزة المخابرات وما وصل إلينا من طرطشات الحرب الباردة وشظاياها المحرقة، حتى لم يبق أمام العراقيين الذين يريدون المشاركة في عملية التغيير عن طريق الممارسة السياسية ولفترة عقدين من الزمن سوى خيارات قليلة تتراوح بين النهج القومي العربي – البعثي على وجه الخصوص – وإتجاهان آخران تبنيا أسلوب العمل السريّ هما الشيوعي والأسلامي الذي بدأ نشاطاً واضحاً في منتصف سبعينات القرن الماضي (وعلينا هنا إستثناء الحركة السياسية الكردية التي كانت تجد في جبال كردستان ملاذاً آمناً لها ولأنصارها). من ثمّ الغياب الكامل لحالة تتوسط هذه التيارات وتعمل على تخفيف حدّة الإستقطاب الذي كان يفرز دائماً أعراضاً جانبية تتخذ شكل التصفيات الدموية الفردية منها والجماعية. حتى تمتّ السيطرة الكاملة على الساحة السياسية لحزب البعث العراقي في أواخر السبعينات بالأساليب التي نعرفها جميعاً.

كنت أتساءل دائماً اذا ما كان التيار الليبرالي العراقي قد ذهب ضحية محاولات السيطرة والإبعاد التي كانت الأحزاب ذات الآيديولوجيات المتطرفة تمارسها سواء تلك التي كانت في السلطة أم في خارجها، أم أن غيابه عن الساحة كان بفعل سياسيات خاطئة مارستهاالأحزاب التي تلتفع بلباس الليبرالية، أم إن الوضع العراقي لم يكن ليحتمل وجود حالةٍ وسط!!

في عام 2003 بعد سقوط النظام الديكتاتوري كان من الطبيعي أن تبادر أسماء مهمة ساهمت في خلق، أو بالأحرى إعادة خلق، الحركة الليبرالية الى تشكيل حالة سياسية محددّة الملامح لتأخذ مكانها بين الحركات السياسية العراقية التي عادت من المنافي والمهاجر لتؤسس ما نسميه اليوم بالعملية السياسية. إذ قامت بعض الشخصيات ذات التوجهات الليبرالية بتأسيس أحزاباً يمكن أن نضفي عليها صفة الليبرالية – على الرغم من إن تلك الأحزاب لاترغب بالإفصاح عن إنتماءها الليبرالي لأن ذلك قد يّضيق مساحة التحرك المتاحة لها بحكم المدّ الإسلامي السائد في العراق اليوم - بينما فضّل آخرون الإصطفاف في حالات يلتقون معها في الأهداف الكبيرة وقد يختلفون معها في تفاصيل عديدة وهم موجودون في القوائم والتحالفات الموجودة في المجلس النيابي العراقي، بينما عمدَ البعض الى البقاء في المنافي ليكملوا المشوار الى جانب أجهزة الكومبيوتر مفضلين برنامج الوورد على أي برنامج سياسي يمكن تطبيقه على الأرض. وأصبحوا حالة فكرية أكثر منها سياسية ملتقين على الدوام في مواقع الأنترنت وليس في المقرات الحزبية أو المؤسسات البرلمانية.

وإذا كنت لا أستطيع تناول الأحزاب الليبرالية الناشطة على الأرض العراقية لأنها تجاوزت مرحلة التنظير الى الفعل - ومن يفعل يصيب ويخطئ ولكنه يبقى محتفظاً بشرف الريادة والمحاولة - ولا تلك الشخصيات الليبرالية التي تعمل بمفردها أو بالتعاون مع حالات سياسية وطنية قد لاتكون ليبرالية لأن تلك الحالات مازالت في مرحلة التجريب والغربلة وربما البحث عن موطئ قدم في أدغال السياسة العراقية، فلايمكن لي المرور بسهولة بتلك الحالة التي تشكلت في الخارج وبقيت في إطاره.

ويجب أن أعترف أن دراسة هذه الظاهرة أمر بمنتهى الصعوبة. لأننا لانرى أمامنا تياراً سياسياً متناسقاً تؤطره حدود واضحة وملامح يمكن التعرف عليها فور رؤيتها ، بل مجموعة من الأشخاص الذين يحاولون رسم صورة لواقع حداثي من خلال توجيه سهام النقد الجادّ أحياناً والساخر أحياناً أخرى والحديث عن الواقع العراقي الراهن ببعض المرارة في أكثرالأحيان. وقد رأينا الكثير من تلك المرارة في كتابات عدد كبير من الرموز الهامة في هذه الظاهرة في الأيام الأخيرة، ناكرين على العراقيين إظهار سعادتهم بإنسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية في 30 حزيران الماضي. الأمر الذي دفعني الى التساؤل مرة أخرى عمّا يريده هذا التيار، أو ربما الظاهرة لا أدري، من الحركة السياسية العراقيه ومن الشعب العراقي.

الأكيد إن العدد الأكبر من الناشطين في هذه التيار هم من عراقيي المنفى، الذين يرون العراق من خلال شروط حياتهم الخاصة والمتأثرين جداً بالتجارب السياسية الغربية. والأكيد أيضاً إن عدداً كبيراً منهم كان من اليساريين في فترة السبعينات والثمانينات. وأن أكثرهم قد مارس النشاط السياسي بمستويات وفترات متفاوتة. أما سبب تبنيهم لأفكار وتوجهات الحركة الليبرالية الجديدة وإعتبارهم الولايات المتحدة الأمريكية محرراً جديداً للشعوب ورافعاً لراية الديمقراطية في العالم فهو أمر يثير بعض الإستغراب.
فالطبيعي أن يبقى اليساري يدور في فلك الفكر اليساري حتى بعد مغادرته معسكر اليسار، يقترب منه ويبتعد عنه طبقاً لمواقف اليسار وشعاراته.
أما أصدقاءنا الليبراليين العراقيين الجدد فقد وضعوا بيضهم كله في السلّة الأمريكية، ويستغربون أن لا يشعر العراقي بالإحترام والإخلاص وهو يقف أمام العلم الأمريكي لأن الأمريكيين أنقذوه من نظام ديكتاتوري لم يستطع هو نفسه أن يسقطه، وهم يلومون العراقي لأنه يشعر ببعض السعادة لإنسحاب الأمريكيين الى خارج المدن.
وهنا بالذات تكمن مشكلة ربما لم يستطع الليبراليون فهمها حتى هذه اللحظة. وهو أن الوجود الأمريكي في العراق يجعل العراقي يقف عارياً أمام ذاته لأنه سيرى في قرارة نفسه ذلك العاجز الذي لم يستطع إسقاط نظام آذاه الى حدّ الفجيعة ويذكرّه في الوقت نفسه بعجزه وشلله الكامل أمام ذلك النظام لمدة 35 عاماً. وربما لهذا السبب فإن العراقي يفضل أن لايذّكره أحد بذلك. والمشكلة مرة أخرى هي إن الجندي الأمريكي يقول ذلك بوضوح وبصوت عالٍ من خلال وجوده أمام أنظارنا. هذا على الصعيد الشعبي.
أما على الصعيد الرسمي فلا أرى أنه من العجيب أن تحتفل الأحزاب المنظوية في العملية السياسية بالإنسحاب خارج المدن. فتلك الأحزاب لم تستطع حتى هذه اللحظة أن تقدم شيئاً ملموساً للشعب الذي إنتخبها، فالأزمات تنخر العراق على جميع الأصعدة وفي حقول تمس حياة العراقي بشكل مباشر كنقص الخدمات الحادّ في حقول الصحة والتعليم والخدمات البلدية، والأقتصاد العراقي يعيش حالة من التدهور لم يشهدها حتى أيام الأزمات الحادة في الحربين العالميتين الأولى والثانية التي كانت جدّاتنا يتحدثن لنا عن هولها. أما على الصعيد الأمني فنحن نرى مايحصل كل يوم. فكيف يطلب أصدقاؤنا الليبراليون من الأحزاب الحاكمة ألاّ تجعل يوماً مثل هذا رمزاً للإنتصار ونيل السيادة الوطنية. أنا شخصياً أعذر قيادات تلك الأحزاب وأعطيها الحق بإستثمار هذا اليوم وتداعياته المعنوية لأن ليس لهذه القيادات ماتقدمه لي سواه. وسآخذ هذا القليل واُمنّي نفسي بتحقيق الأكثر.
ثمّة نقاط تراودني أحياناً قد تأخذ شكل التساؤل أو شكل شعور بالإستغراب والأمتعاض حين اقرأ لبعض رموز التيار الليبرالي في المنفى الإختياري، مقالات للهجوم على الدين الإسلامي وعلى رموز هذا الدين، واتأكد إن هؤلاء الأصدقاء لم يطلعوا إطلاقاً على تجربة الحركات الليبرالية في أوربا وامريكا. فلم تكن تلك الحركات تهاجم المسيحية "الدين والفكرة"، ولكنها كانت تجعل من الكنيسة هدفاً لسهامها بدلاً من ذلك. ما فعله ليبراليو الغرب كان الفصل بين المسيحية والكنيسة ومهاجمة المؤسسات الكنسية بعد ذلك ولكنهم لم يهاجموا في نشاطهم السياسي اللهَ كفكرة بل هاجموا الآيديولوجيات التي تدعي التحدث بأسم الله. وهكذا عزلوا الكنيسة عن جماهيرها ووجهوا لها الضربة تلو الضربة حتى حققوا إنتصارهم الأخير.
أليس من الأجدى أن يهاجم أصدقاؤنا الليبراليون الأحزاب الدينية بدلاً من صبّ جام غضبهم على جزء من تراثنا النفسي والثقافي يمتدّ عميقاً بجذوره في عقلنا بشطريه الباطن والواعي؟
أخيراً أما آن الأوان لتجاوز مرحلة برنامج الوورد الى مرحلة وضع برنامج سياسي للتأثير في الواقع عن قرب؟ ألم يحن الوقت لتشكيل حالة محددة الملامح واضحة الوجود تأخذ شكل تيار يحمل اسماً وبرنامجاً ونظاماً داخلياً؟ طيب.. دعوني أقولها على المكشوف: ألا تنوون تشكيل تنظيم أو حزب سياسي يعطي لأفكاركم أقدام تقف فيها على الأرض وأجنحة تطير بها وتتجاوز الحدود لتصل الى البرلمان والحكومة؟ فالبقاء أمام أجهزة الكومبيوتر ضروري ومفيد جداً في مرحلة وضع الأسس أما وقد إجتاز نشاطكم "التنظيري" تلك المرحلة فلم يبق سوى عقد كل تلك الجهود في ظفيرة عراقية لايهمنا لونها أو شذاها بل يهمنا صيرورتها ومحتواها التي ستكون بالتاكيد عراقية وذات توجهات نهضوية.
في حال لم تكونوا ترغبون بذلك، فأطلب منكم بحرارة أن تقولوا لي ماذا تريدون حقاً؟

سعد الشديدي


gelgamesh2000@hotmail.com

الثلاثاء، يونيو 30، 2009

نعم.. نحن قادرون

منذ ساعات غادر آخر الجنود الأمريكيين شوارع المدن العراقية. هذا يعني ان الآليات الثقيلة المغطاة بشباك التمويه التي كانت تجوب مدننا لم يعد مسموحٌ لها أن تفعل ذلك. وإن الهمرات المدججة بالسلاح والمقاتلين والتي كانت تسير أينما تريد وبالشكل الذي تريد، ليس في الشوارع فقط بل وأحياناً على الأرصفة وأينما شائت، لم تعد قادرة على فعل ذلك. وإن السيطرات الأمريكية لن توقفنا لساعات طويلة في الشمس المحرقة والمفارز الأمريكية لن تطرق علينا الأبواب في آناء الليل وأطراف النهار لتفتيش بيوتنا الخالية من كل شئ إلا من بعض الإصرار والعناد العراقيين.
يقول البعض إن هذه الخطوة تشكّل إنتصاراً للجهد الوطني العراقي، بينما يقلل البعض الآخر من شأن ماحصل هذا اليوم لأنه ليس أكثر من خطوة صغيرة على طريق الإستقلال الناجز. المتشائمون, ولدينا الكثير منهم والحمد لله، يقولون أن إنسحاب القوات الأمريكية من المدن جاء قبل أوانه، بينما يصرّح آخرون أن العراق سيشهد المزيد من التوترات. وسواء أصابوا أم أخطئوا فإننا الآن أمام إمتحان لاتراجع فيه.
الغريب إن الأكثرية الساحقة ممن أعربوا عن سعادتهم أو تفاؤلهم الحذِر أجمعوا على أن هذا الإمتحان لايشمل سوى القوات المسلّحة التي يجب عليها التأهب للردّ على أي إعتداء إرهابي أو معالجة أي خرق أمني سيظهر فيما بعد!!
والواقع أن هذا الإمتحان التاريخي لايعني القوات المسلحة إلا من باب كونها جزء من الشعب العراقي لاغير. أما التحدي الأكبر فهو أمام العراقيين جميعاً مدنيين وعسكريين. فالإرهاب لايستهدف العسكريين فقط بل يستهدف كما رأينا المدنيين اولاً ولايحصد أرواح الجنود والضباط العراقيين فحسب بل أرواح الآف من المدنيين الذين لم يحملوا يوماً سلاحاً حتى ولو سكين مطبخ.
فهل نحن مستعدون لمواجهة قوى الإرهاب والظلام؟ وهل سنرمي الكرة، كما أعتدنا دائماً، في ملعب الجيش والشرطة ولا نعترف بأن علينا جميعاً واجب حماية العراق الجريح وتجربته التي مازالت تحبو؟
إن إلقاء المسؤولية على القوات المسلحة العراقية لوحدها دون سواها لحفظ الأمن والنظام بعد الإنسحاب الأمريكي الجزئي يشكّل خطراً قاتلاً من أكثر من ناحية، أولها إننا سنسلم لحانا الى المؤسسة العسكرية وسنعطيها الفرصة الكاملة لتفعل ما تشاء وفي هذا الحالة ستعود حليمة الى عادتها القديمة، ونرجو أن لايحدث هذا خصوصاً وأنه لم تبدر حتى الآن أيما بادرة تشير الى رغبة القوات المسلحة ضباطاً وجنوداً الى السيطرة على المؤسسة السياسية، ولكن الإحتمال يبقى وارداً فمن ذا الذي يرفض الجلوس على كرسي رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء والتحكم بخيوط الأحداث بالريموت كونترول والأوامر الرئاسية أو الوزارية؟ وهم في نهاية الأمر بشر غير معصومين.
أما الناحية الثانية فتمسّ الحالة السياسية ذاتها، ذلك إن أحداث العنف في العراق لها خلفيات سياسية معروفة. وهي تتصاعد وتنخفض بوتيرة واضحة نستطيع إستقراءها من خلال فهم الوضع السياسي ولاتُعالج إلا من خلال الحوار الوطني الشامل، الذي يبدو أنه بدأ يتلكأ في الآونة الأخيرة.
العراقيون على ثقة بأن أفراد القوات المسلحة سيفعلون مايستطيعون وتبقى المسؤولية الأهم على عاتق القيادات السياسية التي يجب عليها هي الإخرى أن تتوصل الى مرحلة من السلام "العادل والشامل" في الساحة السياسية العراقية.
الأمور تسير على مايرام حتى الآن. ولكن احداً لايعرف ماذا سيحدث غداً أو بعد غد. ومع ذلك فنحن جاهزون لكل الإحتمالات. فالشعب الذي لم تستطع قوى الديكتاتورية والطغيان أن تكسر شوكته، والشعب الذي ذاق قساوة الجوع والفاقة في سنوات الحصار، والشعب الذي تعرّض الى أكبر حملة إبادة منظمة على يد قوى الظلام والإرهاب منذ أكثر من ست سنوات حتى الآن لن تكسره مفخخات القاعدة ولا إجرام القوى الإقليمية ولا الدمار الذي يحيط به أينما حطّ ورحل.
والعراقيون جاهزون لكل الإحتمالات.