الخميس، ديسمبر 16، 2010

الهجرة الى الحسين


مباركة أيامك كلها. من لحظة خُلقتَ في أحشاء الغيب الى ساعة سقطتَ مضرجاً بدم تلوّنتْ به صفحة سماواتنا حتى يومنا هذا. ومباركة كلماتك. تلك التي حملناها بعدك في وديان الأزمنة وعبرنا بها حدود الوجود بإنتظار عودة الراية-الفكرة.
أنت الأسم، الصرخة والوعد.. ويد النور التي أعادت الحقيقة الى نصابها ومنحتها روحها وعنوان صيرورتها.
قبل أن تشرق شمس هذا اليوم ستسيقظ طيور المدن والبراري لتنشدَ بصمت غامر أغاني عزاءك، وتخبر غابات النخيل وشطآن القصب أنك أرتفعت في علياءك كما كل عام وأن زمن الهجرة اليك باقٍ ما بقيتْ أرض تدور وبشرٌ يخرجون من الغياب وإليه يعودون.
التراب الذي نسير عليه اليوم، هو ذات التراب الذي سارت عليه أقدامك المباركة وأقدام أخوتك وبنيك وصحبك، سيعود في رحلة الزمن وربما ستأخذه دهشة اللحظة المستوية بأن وقع أقدامنا ليس بثبات أقدامك وسيسأل إن كنّا سائرين من أجلك وتحت رايتك أم من أجل ووراء رايات وغايات أخرى!
الظلام الذي يلّف مواكبنا سيطيل النظر ويحاول أن يكون أكثر رأفة بالسائرين، من أجلك أنت لا من أجلنا، لأننا تعودنا الظلمة التي أنفتَ أنت الحياة فيها، حتى أننا لم نعد نفرّق بينها وبين نور شهادتك. لم نعد نفرّق ونحن في غيهب العتمة بين رايتك ورايات غيرك. وفي ضوضاء عصرنا لم نعد نسمع صوتك الذي أخفته بحنكة ودراية ومكر أصوات المتسلقين على صدرك الذي هشمته سنابك الخيل وجنازير الدبابات.
صوتك أمسى راية وأصواتنا قصاصات ورق.
لكنّ دمك، ذلك الذي حملَ شعار مجدك، لما يزل برهانٌ على حضورك المتأصل بيننا. فيالهُ من دمّ لم يجفّ تحت شمسٍ حارقةٍ نشفَ من صيهودها فراتٌ ودجلة. ويالهُ من لون تتصاغر في حضرته ألوان قوس قزح في أسمى بهاءه.
رايتك صارت اُفقاً مستعراً بكل احتمالات الإنتصار، وراياتنا تتوزعها رياح المشاريع الملتبسة وأعلام الأحزاب والطوائف
التي تتناسل كالكائنات البدائية في أعماق البحر، وفي كل خطوة نخطوها تنآى أقدامنا أميالاً عن سبيلك، فهلا لك مولاي وأبي أن تعيد لنا البوصلة التي أضعناها في عراقك الذي توجهتَ اليه موكباً وفكراً وحضوراً وثورة.
كل عام نسير الى كربلاءك.. لنستحضر كربلاءاتنا. مسيراتٌ موشّاة بلون حزنك وغامرة بشعاع أملٍ أطلقته شرارات خطواتك الواعدة. أي جبل أنت؟ وأي كوكب دريّ يتألق أبداً في سماواتنا؟ وأي أنفاس زرعتَها في صدورنا فإستعصى على شياطين الحقبِ والعصور حصادها؟ وأي عراقٍ هذا الذي باركتَه حين سقطتَ على ترابه فإرتفع بك واليك؟
أأنت العراق أم هو أنت؟ أم أنت كلاكما؟
السيوف والخناجر والطائرات والمجنزرات تدوس صدر عراقك كما داست صدرك من قبل. وعالم كامل العديد والعدّة يقف صامتاً بإنتظار سقوطه تماماً كما كان واقفاً بإنتظار سقوطك عن ظهر جوادك أيها الفارس، القائد، الشبلُ والطوفان المُنتظر. السكين جاهزة لذبحه كما ذبحتك مولاي. وعبيد الله بن زياد تناسخ في أشكالٍ وصور وأسماء. وهو جاهز بدنانيره ودولاراته لينثرها على الرؤوس فينفضّ الجمع كما أنفّضوا عنك.
لكنه ويزيده، الجالس في قصره المحميّ جيداً، يعرفان أن صوتك واصل لامحالة وأن صلاتك المعمّدة بالدم العابرِ أوردةَ الرجال وقلوبَ النساء والأطفال - من وُلدوا منهم ومن سيولدُ غداً أو بعده - ستُتلوها الشفاه المتطلعة الى آية مجدك وقدوم رايتك. وأن هناك من سيقول لا لمن يريدون أن يحولوا رايتك الى شراشف لموائدهم، وحقائب أنيقة لشهاداتهم المزوّرة وصفقاتهم النتنة، وأربطة لأعناقهم وحمالات لصدور نساءهم.
هذا اليوم، نسير نحوك مولاي وأبي ولاندري أن كنّا في طريقنا اليك أم اليهم!
كن شمسنا وخارطتنا وكتابنا الذي نتلوه في صلواتنا بل كن صلاتنا وِتراً وشفعاً. كن طريقنا الذي لا نحيد عنه وغايتنا. كن وطننا.. وليكن وطننا أنت. فماذا سنفعل أن غبت عن العراق أو غاب العراق عنك؟

سعد الشديدي

ليست هناك تعليقات: