الثلاثاء، ديسمبر 30، 2008

عصفورةٌ جناحُها وَطن

عصفورةٌ تطيرُ من غصنٍ الى غصنٍ
ومن قلبٍ الى قلبٍ،
لتعلو في سماءِ الخطرِ المُفاجئ.. القريبِ،
ينمو بين ريشها آبارُ بترولٍ،
وأرتالٌ من القتلى..
وغاباتُ شجنْ.
مليونَ بندقيةٍ تبحثُ عنها في كتابِ النحوِّ،
والتاريخِ،
في أنسجةِ الروحِ..
وبين القُبلةِ الأولى ورعشةِ الكَفنْ.
هذا هو الوطنْ

رياحُه سُمومْ.
ومائهُ، في هذه اللحظةِ يا صديقتي، مسمومْ.
وشمسُه تغفو على ذراعِ النهرِ،
تعبى .. تُثقلُ الشطآنَ من أنينها،
وتُحزنُ النجومْ.
لكنها تعودُ كلَّ يومْ.
تشربُ من قهوتِنا..
تلعبُ في ساحتِنا..
تحملُ بعضَ همّنا،
ثم تغيبُ في ظَلامِها المكلومْ.

هذا هو الوطنْ
يعصرهُ الغزاةُ برتقالة ً مُغمَضةَ العينينْ.
وكلّ قطرةٍ منهُ تصيحُ في المدى ..
أنا هوَ الحسينْ.

أبنائه باعوه في المزاد
واخوةُ السوءِ رموهُ في بئرٍ منَ الجمرِ،
منَ الرماد.
أعمامُه.... أخوالُه...
أجدادُه الباقونَ في ثيابهِ
يَبكونَه عُمراً،
وسراً .. يقسمونَ أغلظَ الأيَمانْ..
أن لا يعودَ في ظلالِه جناحُ آشور..
وخصرُ شهرزاد.
هذا هو العراقْ
سفينةٌ غاضبةٌ..
صامتةٌ.
تسيرُ في البحرِ ولاتدري بأنَّ ماءَهُ..
بقيةٌ... باقيةٌ ..
من دَمهِ ألمُراقْ.


سعد الشديدي

الجمعة، سبتمبر 05، 2008

هل يأكل الحزب الشيوعي العراقي أبناءه؟ عن رحيل كامل شياع.

حين يغيب السياسي يترك ورائه منصباً، وحين يغيب المثقف يترك ورائه فراغاً... لا يملؤه أحدٌ سواه.
والفراغ الذي تركه كامل شياع في عراق مابعد نيسان 2003 قد يكون أكبر من أن نستطيع إستيعابه الآن، إذ ليس بمقدور الألم ولاالمراثي ولا حتى أكبر جرعات الأمل الأصطناعي، الذي تحرص القيادات السياسية في عراقنا الجديد على حقننا به كل ما ضاقت بها وبنا السبل، أن تردم ولو جزءاً صغيراً منه.
دخل كامل شياع في غيابه الخاص تماماً كما كان متمكناًَ في حياته على أن يكون له حضوره الخاص، مع فارق صغير هو أنه غيابه كان رغماً عنه وبقوة المسدس وكاتم الصوت.
وربما كان يعي حين عاد الى العراق الحزين قبل خمسة أعوام مسلّماً نفسه لحكم القدر بقناعة ورضى (1) أن الطريق الذي أختاره ليس بالسهل وأن أقل مايقال عنه أنه كان وما يزال يمرّ في منطقة رمادية لم يرتدْها أحد من قبل ولم يختبر عراقيٌّ من أبناء زمننا وعورتها وغموضها. فالعراق الحديث وعلى الرغم من وحشية تاريخه السياسي لم يشهد حتى في أشد مراحله قتامة مشهداً كهذا، يسيل دماً ودموعاً وحِمماَ على ركام الخارطة السياسية مخلفاً ورائه هيكلاً صدئاً لشئ كان أسمه وطن.
لذلك سار كامل محتضناً زاده وزوّّاده، الذي كان على الأغلب عدداً كبيراً من الكتب المرتبة بعناية في رفوف ذاكرته والملفوفة بحرير الحُب الخالص لوطنه وشعبه، في طريق لا يعرف هو ولاغيره اين يؤدي وأين ينتهي. جلّ ما كان يعرف أنه أصبح بإرادته رائداً لمجاهل قاحلة في بلد تكاد تنحسر فيه روح التضامن والمواطنة (2) وأصبح ملعباً لحالة سياسية موغلة في الشذوذ يعلن أكثر لاعبيها عن نوايا سليمة وسلميةً فيما هم يمارسون في الخفاء كل أشكال القرصنة والعنف ولا يترددون للحظة واحدة في تصفية من يختلف معهم في التفاصيل الصغيرة فكيف بمن يختلف معهم فيما يدعونه بالثوابت؟
أدى ذلك، كما نعرف جميعاً، الى حدوث أستقطابات سريعة أجبرت أصحاب المشروع التنويري، وكامل شياع في مقدمتهم، على أختيار الخندق الذي سيقفون فيه لمواجهة الموت أو الهزيمة.
المعركة كبيرة أذن، الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود، وهي تزداد شراسة يوماً بعد يوم. ومع ذلك آثر كامل شياع أن لا يحمل مسدساً أو رشاشاً نصف أخمص يخفيه تحت جاكيته أو تحت مقعد سيارته. فهو لم يكن يجيد أستعمال السلاح ولم يكن يرى ان حلول مشكلات الوطن تخرج من فوهة البندقية أو المفخخة أو الحزام الناسف. وبقيّ كما كان دائماَ يفضلّ استعمال الكلمة على القنبلة اليدوية والحوار على كاتم الصوت.
ولابدّ أن نؤكد هنا أن كامل شياع يختلف عن جميع أولئك الذين يموتون يومياً في مدن العراق المقهورة تحت حوافر الغزاة وحقد الوحوش الأتية من آفاق الأرض ومن المناطق المظلمة في مدننا وقرانا واللاوعي الجمعي على حدّ سواء. فهو أختار موته على خلاف العراقيين ممن ترمى جثثهم المجهولة الهوية كل صباح في الشوارع ومجاري الأنهار من الذين يموتون بالصدفة أو يحيون بها. جميعهم بلا أدنى شكّ شهداء هذا الوطن، مع أختلاف بسيط: القدرة على إتخاذ قرار الموت والحياة.
أستمر كامل شياع في السير نحو مشروع كان يعرف جيداً أنه يعيش حالة من التراجع الدائم. فالعراق الجديد الذي غادر من أجله منفاه الأوربي لم يرَ منه هو ولاغيره من العراقيين حتى إرهاصاته البسيطة التي تدلّ على إنبثاق بداياتٍ ما تؤكد خروج براعمه الأولى الى الحياة. فبدلاً عن نظامٍ ديمقراطي حقيقي، أقسموا أغلظ الأيمان بانهم سيبنوه ليكون منارة للأشعاع في المنطقة، حصلنا على نظام أنتخابي أعرج يحمل في ثناياه أسوأ سمات الطائفية والقومية الشوفينية ويسمح لها بالنمو والتكاثر السرطاني على حساب المشروع الوطني الديمقراطي. وبدلاً عن سيادة دولة القانون سيطرت على بلدنا مجموعات من الميليشيات والأحزاب الطائفية والقومية والدينية والمجموعات المسلحة التي نشأت وقويت عظامها في ظلّ حالة سياسية مريضة.
كان كامل يرى كل ذلك ولعله كان يحسب حساب كل شئ إلا التراجع. فما تراجع وبقي متمسكاً بأمل تتقلص مساحته كل يوم. وهنا بالذات يكمن مأزق المثقفين اليساريين في عراقهم الجديد، والمنتمين منهم للحزب الشيوعي العراقي على وجه التحديد.
فقد دخلوا في عملية سياسية معقدةٍ وغريبة وكانوا من روادها الأوائل. تهيئوا لها منذ سنين بالمؤتمرات والكونفرسات، وبالمشاركة الفاعلة مع غيرهم من أحزاب المعارضة في تحديد ملامحها وآفاقها آنذاك ويبدو أنهم حصلوا أيضاً على ملامحها العامة منذ زمن ليس بالقصير. وقد يكون من أفضل الأدلة على أن الحزب الشيوعي العراقي كان على علم ببعض خطوط المشروع الأمريكي أنه قام في تسعينات القرن الماضي بفصل تنظيم منطقة كردستان عن جسد الحزب ليكون حزباً قائماً بحد ذاته. الأمر الذي قد يشير الى أن قيادة الحزب كانت تعرف سمات المشروع الذي تمّ إعداده لمرحلة مابعد سقوط الديكتاتورية. ويحمل توقيت عملية فصل تنظيم كردستان عن الحزب في ذلك الوقت بالذات وتأسيس حزب شيوعي كردي الكثير من علامات الإستفهام. ولا نريد التجني على الحزب الشيوعي العراقي ونتهمه بأنه كان أول من شرعن عملية تقسيم الوطن ومهدّ لأنفصال المنطقة الكردية عنه ولكن التفكير والتحليل الموضوعيان لا يتركان بُداً من طرح السؤال: لماذا مزّق الحزب الشيوعي العراقي نفسه على أسسٍ قومية في تلك الفترة بالذات؟ ألم يكن حزب فهد وسلام عادل دائماً حزباً للعراقيين جميعاً بغض النظر عن الدين والعنصر والقومية والطائفة والجنس؟
هكذا أذن دخل الحزب الشيوعي الى العملية السياسية من أوسع أبوابها وأصبح أمينه العام عضواً في مجلس الحكم الذي أسسه ﭙول بريمر. وأصبح شريكاً في العملية السياسية التي تدور رحاها في عراق اليوم ممنياً نفسه أن مرحلة جديدة حقاً ستبدأ في عراق عانى الأمرّين طوال عقود عديدة، وأن دوراً ما ينتظره في تلك المرحلة.
ولكن يبدو أن الآفاق الواسعة التي كان الحزب يتحرك فيها بدأت بالتقلص شيئاً فشيئاً. فالأحزاب الدينية باتت تسيطر الآن بالكامل تقريباً على الساحة السياسية وتحرص بشكل مستمر على أن يكون لها الكلمة العليا واليد الأعلى في اللعبة السياسية سواء في البرلمان أو الشارع. والدولة التي حصل الحزب الشيوعي العراقي فيها على مكان لا بأس به في البداية أخذت حدودها تنحصر في عملية توافقية محكومة بمعايير طائفية وقومية ومناطقية هي بكل المعايير ليست في صالح الشيوعيين.
ومرة أخرى وجد أعضاء وكوادر الحزب الشيوعي العراقي أنفسهم في وضع يشبه ذلك الذي كانوا فيه إثناء فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم. إذ كانوا محسوبين على النظام ولكنهم كانا يتلقون الضربات منه. كان عليهم العمل مع نظام أنقلب عليهم وبدأ بملاحقتهم، والدفاع عنه في السرّاء والضرّاء.
ويشبه أيضاً وضعهم إبان تحالفهم مع حزب البعث فيما سميّ بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية. كان عليهم الدفاع عن سياسات "حلفائهم" بينما هم يتلقون الضربة تلو الضربة من أولئك الحلفاء. ويعلم جميعنا حجم الخسائر التي حاقت بالحزب نتيجة تلك التجربة.
والآن يتبنى الحزب الشيوعي العراقي وبشكل كامل مساندة العملية السياسية الدائرة في العراق. ويدفع خسائر من دماء كوادره وأعضائه فداءاً لعراقه الجديد، في الوقت الذي تطفو على السطح الكثير من الشكوك بأن من يقتل أعضاء وكوادر الحزب قد يكونوا من داخل تلك العملية السياسية، من قبل جهات لاتؤمن بالحرية ولا بالديمقراطية ولا بالتحرر. وفي هذا الوضع الملتبس ينبغي على كوادر الحزب وأعضائه الدفاع عن عملية سياسية تطفأ شمس المشروع الوطني وتأسس لآخر بملامح طائفية وقومية شوفينية.
كان كامل شياع، ومازال كثيرون مثله، يحفرون في الصخر دون أن يكون لديهم مايحفرون به سوى إرادة الخلق الواعد في وطن يترنح تحت أقذر اشكال العنف والفوضى المدمرة والفساد الذي أصبح هو القاعدة بينما اُجبرت مفاهيم العدالة والمساواة والحرية، حرية الوطن والمواطن والثقافة والأبداع على التنحي جانباً.
والسؤال الذي نطرحه على أنفسنا الآن بعد أن فقدنا أحد أكثر مثقفي العراق رصانة وجرأة، هو أن كان كامل شياع ذهب، كغيره من أعضاء وكوادر الحزب الشيوعي العراقي الذين سبقوه، ضحية سوء تقدير قيادات الحزب الشيوعي للمرحلة ومتطلباتها وآليات التحرك فيها كما كانت تفعل دائماً وأبداً.
أن قيادة الحزب الشيوعي العراقي دأبت منذ الستينات على حشر أعضاء الحزب وكوادره وجماهيره في معارك شرسة ثم تركهم طعاماً سهلاً لمن يريد تصفيتهم وملاحقتهم وسجنهم وتعذيبهم وإنتزاع الأعترافات منهم، ولم تكن تجهزهم ولو "بالأسلحة" التي تسمح لهم على الأقل بالدفاع عن أنفسهم. هكذا كان وضع قواعد الحزب في نهاية عقد السبعينات وهكذا كان أيضاً في السنوات الثلاث الأخيرة من المرحلة القاسمية وهكذا هو الآن.
لانطلب من قوى اليسار والتحرر والديمقراطية في العراق ترك الساحة، بل القيام بإعادة تقييم شاملة ومفصلّة للوضع الحالي لترى ما إذا كانت هذه العملية السياسية التي دخل بعضهم فيها ستوصل شعب العراق حقاً الى برّ الأمان حيث الحرية والتقدم والديمقراطية، أم أنها مجرد بالون قد ينفجر في اية لحظة ليحيل ما تبقى من آمال العراقيين الى أطلال قاحلة وتحيل حياتنا الى وجود مظلم لسنين طويلة.
أملنا جميعاَ أن تُزهر دماء العراقيبن الزكية لتكون حجر الأساس في وطنٍ ننعم فيه جميعاً بالحرية والعدالة والمساواة، وأن لاتسيل إلا في معارك متكافئة نستعد لها بكفاءة وإقتدار كي لانجد أنفسنا يوماً نردد بأسى ما قاله أحد شعراء جنوب أفريقيا إبان مرحلة الفصل العنصري:

ليس لدينا شهداء،
فمن يسقط هنا .. هم مجرد ضحايا باردة.


سعد الشديدي

1 و 2 من مقالات كامل شياع على الروابط التالية:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=145727
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=51336

الثلاثاء، يوليو 08، 2008

أغاني بابلية للموت العراقي

(أغنية الرقيم الطيني الأول)

سأسميكَ ما شئتَ
يا وطنَ الغيبِ . .
فأهدأ قليلاً
وخذ ما تريد من الاضحياتِ.
سأسميك نورَ ألعراقينِ،
أور الذبيحةَ.. ..بابلَ مرفوعةً للسماواتِ
أرضَ السوادِ.
وأعطيكَ من لهفةِ الماءِ
كأسَ ألنبّواتِ مترعةً.. بالندى،
والعنادِ.
ولكن تمهلْ قليلاً ولا تحتفي بزمانِ الغزاةِ
ودُرْ فوق بابِ الجحيمِ ثلاثاً،
ولا ترتمي لوحةً
عُرضتْ في المزادِ.
ليشتعل الوردُ في راحتيكَ
ويمتّدُ فوقَ تضاريسِ عينيكَ
مازلتَ حياً..
ومازالتِ الروحُ فيكَ
فكن ما تريد..لأسميكَ ما شئتَ..
لكن تمهلْ قليلاً ولا تحتفي بالغزاة.

(أغنية الرقيم الطيني الثاني)

اليومُ يأخذنا الدخانُ
إلى مقاهي الموتِ
في بغداد...
ما بين الشوارعِ،
نستظلُّ بقامةِ الجدرانِ.. عاليةً.
ويحملنا البنفسجُ في قطار الموتِ..
يسرعُ في متاهتهِ الى النفسِ الأخيرِ.
إلى أور المعابدِ والعيونِ السودِ..
مأخوذين بالموتى
وبالصوتِ العراقيّ البسيطِ.
مختلفين في كلّ التفاصيلِ الصغيرةِ
مجتمعينَ في الموتِ الكبيرِ.
* * *
هنيئاَ موتكِ العاديَّ.. يا بغداد.
هنيئاً..لا مراثيَّ..
لا صحافة تنقل الأسماءَ في عجلِ،
سوى ألأرقامُ،
تحسبها الرياضياتُ والإحصاءُ يومياً لقتلانا.
نرى وجه البلادِ هناكَ
من ثقبٍ يغورُ بجرحنا الممتدّ أشكالاً وألوانا.
ونرفع راية الأحياءِ،
مازلنا على قيد الحياة.
مأخوذين بالوعدِ الإلهي الجميلِ،
وحرقةِ الترتيلِ..
ما بين الظلام وصمتِ إينانا.
* * *
اتخذي جداراً آخراً
هذا الذي يمتّدّ بينكِ والفرات
مطرزٌّ بالنارِ والجفصينِ..
هذا ساقطٌ لا خير فيه،
باعَ ضميره للعابرينَ الى تخوم العالمِ السفليّ.
وأتخذي جداراً آخراً.

(أغنية الرقيم الطيني الثالث)

مبروكٌ..لكسرى يزدجرد..
أذ عادت مدائنهُ اليه.

الاثنين، يوليو 07، 2008

غورنيكا عراقية لسماء بلون الدم

المدينة واقفةً على قدميها كما كانت دائماً. لم تهرب منها شوارعها، ولم تهجرها زوارقها. وجانباها الشرقي والغربي مازالا ،على غير عادتهما، يجلسان على عتبة البابِ بأنتظار عودة النهارِ االذي غادرَ عابراً صحراء الغيبة الى عمّان، أو ربما دمشق، لكنه تاه في براري ملوك الطوائف المحروسة جيداً بعيون الغرباء والميليشيات وجند المغول.رائحة الخبز الساخنِ وضوضاء العصافير المذعورة أبداً مازالت تستيقض مع أول خيوط الفجر كما كانت منذ بدء الخليقة. وأحلام الصبايا، المترددات بين الإيماءة البريئة والنظرة الماكرة، مازالت كما هيَ لم يمسسها شياطين الأنس ولا مردة الجان. ودعاء أمهاتنا يصعدُ عابراً سماواتنا السبع قبيل ساعات الإستجابة الغامرة. حتى حجارة الأرصفة التي تكومت على نفسها من حزنٍ أصابها على غفلةٍ منها، مازالت هناكَ لم تبرح مكانها بعد.بغدادُ، المدينة.. الغاية.. الأسطورة.. الشهيدة بلا أكفان.. مازالت حيةً لم تمت بعد.فرغم كلّ هذاالموت الذي أعدوه لها في أروقة المكاتب الأنيقة، والسكاكين – ألجدران – المغروزة في خاصرتها، والقنابل الذكية والغبية التي تنفجر، بقوة البغضاء والحقد المصفى عبر مئات السنين، على نواصيّ أسواقها وفي قلوب عاشقيها.. مازالت على قيد الحياة. نبضُها يعلو بين أوتار السنطور الأكدي وصراخ الفتية لاعبي كرة القدم في الشوارع المزروعةِ ببقع الدمّ الطازج ومياه المجاري السوداء المعروضة، مع سبق الإصرار، أمام كاميرات المراسلين الباحثين عن خبطةٍ صحفيةٍ صالحةٍ للعرض على شاشات العالم.نعرفُ بفطرتنا، التي لوثتها سنوات الديكتاتورية وبقايا اليورانيوم الأمريكي المنضّب، إن بغدادنا مازالت حيةٌ تُرزق.. ولأنها تتنفسّ هواء دموزي وترسم بيدها المرتجفةِ كلماتها الجديدة على مسلّة أوروكاجينا وتبحث عن كتبها في سجّلات مكتبة آشورناصربال وتردد أدعية أتونابشتم وتصلي صلاة موسى الكاظم والنعمان بن ثابت.. فإنهم يريدون قتلها.ثمّة أسئلةٍ معلّقةٍ بين الأرض والسماء لا يريد احدٌ منهم الأجابة عليها.من قصم ظهر جسر الصرافية؟ من فجّر شارع المتنبي؟ من كسرَ ابواب المتحف العراقي وسمحَ بنهب محتوياته؟ من أحرقَ المكتبة الوطنية؟ من قصف ودمّر جميع الوزرات عدا وزارة واحدة هي وزارة النفط؟ من الذي فجّر ساحة العروبة في الكاظمية؟ من الذي أحرق سوق الشورجة لمرات عديدة؟ ومن ذا الذي يقوم بتصفية العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والمثقفين والصحفيين والفنانين في وضح النهار على قارعة طرقات مدينتنا؟ من ذا الذي يطرد أبناء بغداد من بيوت أجدادهم ليصبحوا لاجئين لدى دول الجوار؟ ومن الذي يقوم بسرقة قوت الشعب ونفطه وكهربائهِ ومائهِ ومستقبله؟ ومن الذي فجرّ تمثال ابي جعفر المنصور باني مدينة بغداد؟المجرم واحد. ويعلن عن نفسه مع كل جريمة جديدة بلا خوفٍ ولا حياء.ولكن نعرف مع كل مجزرةٍ جديدة أن بغدادنا لم تمتْ بعد. لذلك فهم يوغلون في تدميرها كرهاً وحقداً وخوفاً. ومع كل جريمة جديدة نتأكد أنهم يفشلون في قتلها وإنها تصبح أعلى وأبهى وأقوى وتبقى حبيبتنا التي لن تموت.

سعد الشديدي

عثمان الأعظمي .. الكاظمي .. العراقي

لا يهمُّ ما يكون اسمك. فالأسماء والألقاب مهمةٌ لنا نحن البشر العاديين الذين نبحث عن أنفسنا في قاموس المسميّات، وعن محتوى، ولونٍ ورائحةٍ وبصمةٍ خاصةٍ تميزنا عن الآخرين. أما أنتَ، ومن يختار أن يسير في طريقك، فتمنحون ألمسمّيات محتواها الجديد. نحن نتشرف بالألقاب والانتماءات. وأنت تتشرف الأسماءُ والألقابُ والانتماءاتُ بك.
أنت من الأعظمية؟ حسناً أيها الفتى. أنا من الجانب الآخر من النهر. ليس بعيداً عنك. قف على شاطئ دجلة صباح يومٍ مشمسٍ فتراني. ربما الوّح لك من بعيد وربما سيشغلني عنك النظر الى السماء المحيطة بالنهر، المليئة دوماً بالنوارس المشاغبة بأجنحتها البيضاء المتأججة في شعاع الشمس الدافئة. أعرف جيداً أن ذلك لن يزعجك. طالما إنني انظر الى سمائنا المشتركة. تلك التي لم يستطع الأكاسرة والخلفاء والسلاطين والغزاة الذين تتقيأهم الأرض علينا عبر القرون أنْ يفصلوا بينها ويرسموا عليها حدودهم كما يفعلون عادة مع الأرض. سمائنا التي تطير في رحابها رفوف الحمام والعصافير الرمادية ولقالق الربيع القادمة من البلاد الباردة المتجهمة لتنعم بشمسنا.. شمسك أنت يا عثمان. تشغلني هذه السماء وتلك الشمس دائماً أيها العزيز. يوماً ما في أزمنةٍ سحيقة- هل تصدّق؟؟ - كانت الثيران المجنّحة تجوبُ سمائنا وبعد أن يهدّها التعب تقفُ صابرةً على بوابات المدن العامرة بأهلها لتبعد عنهم شرّ العدو والصديق. تحرسُ الفلاحين والحصادين والحطابين وصيّادي الأسماك المرفوعة قلوعهم في قيض الصيهود وجليدِ برد العجوز. تطرد الشرّ عن الأطفال الذاهبين الى كتاتيبهم والحرفيين المسرعين الى أعمالهم، عن نسائنا الجليلات اللواتي علمنّنا أنّ سماء الثيران المجنحة لا تفصلها حدود أو فيدراليات ولا مراكز شرطة تغصّ بالمرتزقة والشحنكية وفتّاحي فال السياسة الواقفين دوماً وأبداً على أبواب الدكاكين المبنية على الطائفة أو القومية أو العشيرة. من اولئك المتطفليّن على حياتنا ومصائرنا وأقدارنا وشوارعنا ووجبات طعامنا وكتبنا المدرسية وأدعية جداتنا القلقة في أزمنة السلم والحرب. المتحكمّين بخطواتنا.. أنتَّ وأنا. حتى أصبحنا لا نميزَ وقع أقدامنا عن ضوضاء أقدام جلادينا. للجلادين أقدام متشابهة أيها الفتى العزيز. تركل السجين على وجهه أو خصره..لا يهم. المهم أنْ نشعر بالألم وأن نذوق طعم المهانة. وهي ذاتها التي كانت تركل الأطفال والنساء على جسر الأئمة صباح ذلك اليوم حين كنت في طريقك الى مدرستك.السماء التي نقتسمها اليوم ،واقتسمها ابائنا وأجدادنا منذ قرون حافظين أمانة الثيران المجنحة على أبواب مدننا المنهوبة، هي التي علمّتك أن ترفض منطق الحدود الطائفية الذي زرعه أمراء الجند وأحزاب الطوائف وسقاه الانتهازيون الذين يغيّرون ألوانهم وانتماءاتهم حسب ما تقتضيه الظروف.أما أنت فوقفت حارساً للقادمين من الأحياء الفقيرة. المارّين على أبواب مدينتك. العابرين تجاه مدينتي. وقفتَ للحظة واحدة وبعدها قررتّ أن تنسى اسمكَ وانتماءك.. أو ربما لتتذكره بأدقّ حروفه وحركاته وتدخل في عالمٍ مجهول لم يطرقه أحدٌ قبلك. وأن تعّرج على انتماءٍ نسيه العراقيون، ألا الشرفاء منهم، لتذّكرهم بما أضاعوا. انتماء اسمه العراقيّ. لا السنيّ ولا الشيعيّ. لا العربي ولا الكردي. لا المسلم ولا المسيحي أو المندائي. بل العراقيّ. لم يتذكره تلك اللحظة سواك انت يا عثمان. ركضت باتجاه الجسر. لماذا توقفتَّ في الطريق ايها العزيز؟ هل أقلقكَ انك أضعتَ في الزحام حقيبة كتبك المدرسية؟ ولماذا ركضت بعد ذلك الى الجسر بلوعةِ العاشق الذي أضاع حبيبته؟انت وحدك من يعرف لماذا. سنتكهن بما كنت تفكر ونستجدي الخيال علّه يسعفنا بجواب نعرف انه قد لا يكون الجواب الصحيح. ولكنك أسرعتَ ايها الفتى الى النهر لتمدّ يدّك الى من ركلته الأقدام التي داست علينا، نحن أبناء العراق وبناته، منذ آلاف السنين. مددّتَ يديك الى الغرقى لأنك واحدٌ منهم. تعرفهم ويعرفونك.ايها الفتى عثمان.. كم عليٍّ أخرجت من النهر ذلك الصباح؟ وكيف غبتَ هكذا في لحظة واحدة عن سمائنا التي لوّنها صوت أذان الفجر وغناء العذارى وضوعُ البساتين في الصباحات المبكرة على الضفتين.لا نريد منك الآن سوى أن تنام بهدوء لأن العراق الذي متّ من أجله ما زالت تحرسه الثيران المجنحة وفتيانٌ مثلك أنتَ. مسحوا الحدود من سمائنا وسيمسحوها من قواميس مفرداتنا اليومية.عندما أمرّ على ضفة دجلة في المرة القادمة سأمدّ يدي الى أمواجها لأصافحك وأخبرك بأنني أتشرّف أن أكون مواطناً في بلدٍ أنجبك..أيها الأعظمي ألكاظمي العراقيّ.. العراقي

موطني.. حتى إشعارٍ آخر



الساعة الثامنة صباحاً. وصباحات كانون الثاني باردة .. حتى في مدن الجنوب العراقي المتناثرة على اطراف الصحراء العربية. لذلك لابدّ ان ندعكَ ايادينا الصغيرة وننفخ فيها لنحصل على بعض الدفء. طابور الصباح المدرسي, ونحن كأفراخ صغيرة نرتجف برداً بانتظار رفع العلًَم. طقسٌ يوميّ لابد أن نبدأ به قبل الدخول الى الصفوف الضيقة الباردة. لم نكن وقتها نعرف بأننا مواطنون صغار في دولة من اكبر الدول المنتجة للنفط في العالم. لم يقل لنا احدٌ, حتى ابائنا ومعلمينا, ان اطفال اوربا وأمريكا يجلسون في صفوف مدفئـّة ولا يرتجفون برداً كما نفعل وينعمون بأمتيازات لا نراها حتى في اكثر احلامنا ورديةً. دقائق ويرتفع العلم. وتعلو الأصوات مختلطة بضجيجٍ تردد الجدران صداه. موطني.. الجلال والجمال.. والسناء والبهاء.. هل اراك.. في علاك... كل يوم ونحن ننشد لوطنٍ لم نكن نحصل منه إلا على الفُـتات. بينما يُنهب هذا الموطني, كل يوم وعلى مرأى ومسمعٍ من الجميع. لم يكن كل ذلك مهماً طالما كان الوطن واقفاً بوجه الايام, واقفاً ولو على قدمٍ واحدة. الاصوات ترتفعُ والعروق الصغيرة تنفر في رقاب الصغار .. غايةٌ تشّرفُّ ورايةٌ ترفرفُ. العلم يصعدُ متعباً.. مغبّراً احياناً ليصبحَ اعلى من رؤوسنا.. و.. هل اراك سالماً منعماً وغانماً مكرماً؟ لا ادري ان كان الكبار يخدعوننا حين كانوا يزرعون شجرة الوطن في مخيلاتنا التي لم تكن حدودها لتتجاوز نظرات عيوننا القلقة. هل كانوا يفعلون ذلك؟علمونا ان نربطَ جذورنا بأرض العراق ونرويها بماء الفرات.. وعرقنا المتناثرِ خيمةً على سماواته. هل كانوا يكذبون علينا؟ فالوطن ليس هو الوطن. هناك من يدوس ببساطله العسكري على.. الجمال والجلال والسناء والبهاء.. والحياة والنجاة والهناء والرجاء... في وطننا هذا اليوم. ولا نفعل شيئاً. بعضنا ينتظر المهديّ.. والبعض الآخر لا ينتظر شيئاً سوى الموت القادم من بنادق جيش الأحتلال وسكاكين المليشيات شيعيةً وسنية. أما القادة الأكراد فأنزلوا العلم واغلقوا الحدود وهربوا كالفئران من السفينة الغارقة. هل اراك في علاك.. تبلغ سموات الله التي رفعك اليها السومريّ؟ موطني اليوم.. الف مغني اعاد توزيع نشيد موطني. بعض الفضائيات تفضّل اذاعته على نغم الصبا الحزين. لماذا؟ هل مات الوطن؟ لا نريد ان نصدق. الأوطان لا تموت. النجوم تموت. الضمائر تموت. والأشجار وعصافيرها تموت أما الأوطان فلا. العراق بالذات لن يفعلها. هذا وطن غرق فيه جميع المحتلين. الأسكندر الأكبر قتله بعوض العراق بالملاريا ومات مجنوناً في بابل. والجنرال ستانلي مود الذي جائنا, محرراً لا فاتحاً, مع جيش الأحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى قتلته الكوليرا. فليتفضل السيد بوش وطاقم المساعدين والمستشارين وليحالوا تصفية حساباتهم مع العراق واطلاق النار عليه حتى الموت. فلن ينجحوا. ليتفضل السادة اصحاب العمائم السوداء الذين لا يطيقون سماع هذا النشيد, من القادمين من هضاب بلاد فارس وسراديبها المظلمة, ليتفضلوا ويحاولوا قتل العراق. لن يستطيعوا. وليحاول السادة اصحاب اللحى الطويلة والدشاديش القصيرة, اولئك الموغلين بالبداوة والهمجية حتى النخاع, وليحاولوا ذبح العراق. وسيشاهدوا بأعينهم ان هذا البقعة الصغيرة المحاطة بالدم من جوانبها الأربعة ستخرج منتصرة في نهاية المطاف. نشيد موطني اصبح قميص عثمان. يرفعه كل من هبّ ودبّ. الشرفاء وابناء العاهرات باتوا يغنون موطني. فكيف نعرف ذلك الذي لا يغني اللحن النشاز؟ حسناً.. اعرفوا النشيد تعرفوا اصحاب الصوت النشاز والأنتماء النشاز. وغداً .. غداً سنغني جميعاً نشيدنا. سنقف والبرد يلفح وجوهنا.. امام عتبات البيوت, على النواصي. في حقول الشلب, وغابات النخيل. متعلقين بأغصان العنب وزهر البرتقال الأبيض كقلوب نسائنا الجليلات. غداً لن نجد عشرين حسيناً مقطوعي الرأس مرميّينَ في شوارع بغداد. غداً حينما ينهض العراقي من موته المؤقت ويرفع راية الوطن المقاوم للموت والتغييب والمنسلين من دبابات الدول العظمى والمرتبطين بمشاريعها. غداً سيكون مشروعنا هو المشروع العراقي الذي لا نختلف على تفاصيله. ولا رايته ونشيده. في الأفق الحاني على الخائفين تتصاعد رياح العراق لتكنس وطننا من الرؤوس المتعفنة التي اسكرتها نوبات الأنتصارات الطائفية والأسناد المطلق الذي يعلن عنه هولاكو وجنوده كل يوم. وسنراك.. سالماً منعماً وغانماً مكرماً. ولن يحكمكَ الأمريكي والبريطاني والفارسي وووو. لن يحكمك او يتحكم بك يا موطني.. سوى ابنائك البررة. وتولد من جديد مع كل صرخة احتجاج تنطلق من حناجر الفقراء والمطاردين. ومع كل طلقةٍ من طلقات الرجال الواضعين ارواحهم في احضانكَ وعلى صدرك. وحتى ذلك الغدّ.. لننشدّ وعلى مقام العراق.. نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد. فليسمعوا.

سعد الشديدي