الأحد، ديسمبر 12، 2010

الثورة الإيرانية تدّق أبواب العراقيين؟!



مايجري اليوم في بغداد وبقية المدن العراقية يذكّر كثيراً بالأشهر الأولى التي تلت انتصار الثورة الإسلامية في ايران نهاية سبعينات القرن الماضي.
فالحراك الواسع من قبل قوى سياسية عراقية ترفع راية الإسلام لفرض بعض المفاهيم والممارسات وإقتلاع أخرى، يشبه ذلك الذي رأيناه عشية انتصار الثورة الإسلامية في ايران. ومحاولات فرض الشعار والممارسة الدينية لايختلف عن ذلك الذي تمّ قبل أكثر من ثلاثين عاماً ليس في ايران وحسب بل في دول المنطقة الأخرى.
في تلك الأيام كنت قد حللت لتويّ ضيفاً على مدينة بيروت الغربية هارباً من حملة ابادة منظمة قامت بها الأجهزة الأمنية والحزبية التابعة لنظام صدام حسين المقبور استهدفت قوى يسارية واسلامية عراقية.
مأخوذاً بالهامش الكبير الذي تمنحه بيروت للثقافة بكل أشكالها وبالصدمة التي أحدثته الحرية الواسعة للخارج من سجن نظام الحزب الواحد انكببتُ على قراءة كل ما وقع بيدي من صحف ومجلات وكتب ومنشورات وفتحتُ عينيّ على أوسع المساحات التي يمكن للعين البشرية أن تغطيها.
كنت شاهداً على ايام عصفت بالثورة وكادت أن تودي بها، وعلى الدعم الشعبي الكبير الذي لاقته آنذاك في صفوف القوى والأحزاب السياسية حتى أكثرها يسارية وعلمانية، ناهيك عن القوى الإسلامية - الشيعية والسنية على حدّ سواء - التي كانت تبحث عن موطئ قدم لها في غابة السياسة العربية آنذاك.
عشت، بمساعدة الصحافة اللبنانية والكم الهائل من الصور والأخبار المنشورة، أيام انتصار الثورة وعودة آية الله الخميني من منفاه الباريسي والاستقبال الذي حضيّ به في طهران، والحركة السياسية المحمومة التي شهدتها شوارع وساحات المدن الإيرانية في الأسابيع التالية. ثمّ الأشهر التي أعقبت ذلك كلّه.
القوى الشيعية في لبنان رأت في الثورة مصباح أمل لها وتحركت بسرعة وفعالية لإعادة تشكيل صفوفها من خلال حركة المستضعفين التي اسسها الإمام موسى الصدر قبل إختفاءه الغامض. وبدأتْ وفي تنظيم عالي المستوى بمهاجمة الحانات والبارات والمقاصف وبيوت اللهو في بيروت الغربية والمدن اللبنانية الأخرى، في محاولة جادّة لتطبيق الشريعة الإسلامية في مناطق تواجدها. وأستمرت تلك الحملة لأسابيع ثم خفتت فجأة وعادت الأمور الى نصابها الأول.
ولم يكن مرّد ذلك تخلّي القوى الإسلامية اللبنانية عن شعار تطبيق الشريعة بل الى أسباب أخرى منها أن الأمر والنهي في مناطق ما كان يسمى حينذاك بالحركة الوطنية اللبنانية كان لمنظمة التحرير الفلسطينية وقوى علمانية لبنانية ربما شعرت بخطورة تنامي الحركات والأحزاب الاسلامية فعملت مابوسعها وبطريقتها الخاصة لصدّ المدّ الإسلامي الآتي من ايران.
أعود الى تلك الأيام لأرى أيضاً أن جميع دول المنطقة تأثرت بشكل أو آخر بالزلزال الذي أحدثته الثورة الايرانية، سوى دولة واحدة هي العراق. رغم أن العراق كان لسنوات طويلة الحاضنة الرئيسية لقيادة تلك الثورة. وكانت مدن النجف وكربلاء ربما هي المدن التي انطلقت منها أولى نداءات الثورة الإسلامية مخترقة الحدود نحو ايران، وعلى أرضها تمّ تصفية بعض قيادات الثورة عن طريق الإغتيالات والتصفيات المنظمة.
رغم هذا كلّه بقيّ العراق خارج حدود التأثير الكبير الذي أحدثته الثورة الإسلامية وطال جميع دول المنطقة حتى أكثرها بُعداً من الناحية الجغرافية.
حاول نظام الطاغية صدام حسين، بشكل وحشي كعادته، كسر أولى أمواج البحر الغاضب التي وصلت الى العراق، عند اعتقاله آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر ومناصريه ومن ثمّ أعدام الشهيد الصدر الأول وعدد كبير من مناصريه وتلامذته ومؤيديه. في نفس التوقيت بدأ أزلام المقبور صدام حسين حملة واسعة لتصفية كل من يُشكّ بتأييده للثورة الايرانية في العراق. ثمّ سرعان ما اندلع لهيب الحرب العراقية الإيرانية التي إستمرت على امتداد ثماني سنوات وأتت على الأخضر واليابس في البلدين.
خلال سنوات الحرب كان من الممنوعات – بل من المحرمات - الحديث عن ايران وثورتها إلا بالشكل الذي يُرضى نظام العفالقة المقبور وكانت أجهزة إعلام النظام تفعل ما بوسعها لعزل العراقيين عن التطورات التي شهدتها المنطقة بأسرها وطالت من بين ما طالت البنى السياسية في ما يسمى بمنظومة الأمن العربي، وأفرزت رؤى وتحالفات جديدة.
كانت وسائل اعلام النظام الصدّامي تسوّق صورة كاريكاتيرية عن إيران وقياداتها، معبأة بالكثير من الأكاذيب وأنصاف الحقائق. حتى الحقائق التي لم يكن من البدّ الحديث عنها كانت وسائل اعلام النظام المقبور تعمد الى قلبها أو وضعها في سياقات غريبة عنها. لقد حاول النظام المقبور منع كل التأثيرات القادمة من وراء الحدود الشرقية للبلاد وكأنه يحاول اخراج العراق من دائرة الحدث والتفاعلات التاريخية معه. ولكن يبدو أن الوضع كان أكثر تعقيداً مما تصورته قيادات ذلك العهد الساذجة ولهذا باءت تلك المحاولات بالفشل.
ففي تلك الفترة على وجه التحديد تفاعلت مجتمعات ودول المنطقة، كلّ بطريقته الخاصة، مع الثورة الايرانية والنتائج التي تمخضت عنها.. سوى مجتمع واحد ودولة واحدة هي العراق. إذ تمّ تحريم ومنع أي حوارات أو دراسات أو تحليلات تتعلق بالثورة الإيرانية إلا من باب واحد هو الباب الذي كان النظام المقبور يسمح به. وفي الحين الذي أمتصت جميع المجتمعات والدول ما جاءها من ايران وأخذت ما أرادت ولفضت ما رفضت وتحصنت أو تفاعلت ايجابياً ضدّ أو مع أفكار الثورة الإيرانية، بقيّ المجتمع العراقي في كرسي المتفرج. فلاهو تفاعل إيجابياً وبشكل طبيعي مع أفكار الثورة ومبادءها وأحداثها ولا هو حصل على اللقاح الذي قد يجنبه "عدوى" الإصابة المحظورة.
هكذا أصبح المجتمع العراقي – بجميع بناه وهياكله – مشلولاً في جانب تحديد موقف صحيح من حدث كبير كان له تأثيرات هائلة على جميع دول المنطقة والتفاعل معه سلباً أو ايجاباً. وربما لهذا السبب مازال المجتمع العراقي يتعامل مع شعارات الثورة الإسلامية من زاوية العواطف وليس من الزاوية الواقعية وبذات المستوى الذي تتعامل به بقية دول المنطقة مع شعارات ورؤى ودولة الثورة الإسلامية في ايران. فالحواضن المؤيدة للثورة الإيرانية في العراق تسعى جاهدة، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على انتصار الثورة، الى اعادة تجربة الثورة في ايامها الأولى ناسية أن ايران نفسها تجاوزت الكثير من تلك الشعارات والرؤى وتركت البعض الآخر وراءها لإستحالة التوفيق بين الديني والسياسي في بعض الأحيان، ومازالت ترى في الدولة الإسلامية في ايران دولة ذات طبيعة مقدسّة واجبة الطاعة.
ما يجري اليوم في العراق قد يكون طبيعياً طبقاً لهذا السياق ويذكّر بمحاولات الحركات الاسلامية اللبنانية، مثلاً، بُعيد انتصار الثورة الايرانية عندما عمدت الى اغلاق الحانات ومحلات اللهو في بيروت. ما يلفت الانتباه هنا هو أن أكثر الحركات والأحزاب اللبنانية الشيعية تشدداَ لم تعدّ تضع الآن هكذا ممنوعات في سلّم أولوياتها.
مايحدث الآن في العراق لايخلو من خطورة على العملية السياسية الوليدة، التي مازالت تسير على حبل رفيع وموازنات دقيقة وعلى الوضع الديمقراطي الهشّ الذي أنتج هذه العملية السياسية.
في وضع ملتبس كهذا لابدّ للعراقيين أن يختاروا بين دولة اسلامية محافظة أو ديمقراطية تتبنى التعددية والإنفتاح على الآخر. الإيرانيون سبقونا في هذا منذ ثلاثين عاماً وقرروا في استفتاء شعبي عام شكل دولتهم التي يرغبون. أليس من الواجب علينا نحن أيضاً أن نفكر بالمرور بتجربة الإستفتاء الشعبي لنحدد شكل ومحتوى الدولة العراقية الجديدة؟
هل نريد: جمهورية العراق الإسلامية أم جمهورية العراق الديمقراطية؟
سؤال علينا أن نجيب عليه بسرعة دفعاً لأي احتقانات ومواجهات نحن في العراق لسنا بحاجة اليها الآن على وجه التحديد.

سعد الشديدي

ليست هناك تعليقات: