2009/12/27

مسيحيو العراق ودرس الوحدة الوطنية



في خطوة رائعة تنسجم تماماً مع روح الأمة العراقية المؤسسة على احترام العقائد والأديان و التمازج الإستثنائي بين أعضاء الجسد العراقي الذي نريد له أن يكون واحداً، اذا أشتكى منه عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى، قررت المرجعيات المسيحية إلغاء الإحتفال باليوم الثالث من أعياد ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) لمصادفته يوم العاشر من محرم، ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).

الى جانب هذا غطّت قناة آشور الفضائية الناطقة باسم المسيحيين العراقيين الشعائر الحسينية في مدينة كربلاء وقدمت برنامجاً خاصّاً عن استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام).

أي تحليل أو تفسير أو محاولة لمعرفة بواعث هذه الخطوة المعبرّة لن يكون مجدياً، دون الإلمام بتاريخ الترابط والتلاحم بين ابناء الأمة العراقية منذ سومر حتى يومنا هذا. لذلك فات على الكثيرين مغزى إلغاء مسيحيي العراق الإحتفال بأفراحهم بولادة المخلّص يسوع المسيح لإبداء تعاطفهم مع شيعة آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في هذا اليوم الحزين.

ومن بين اولئك الذين لم يستطيعوا فهم ذلك كان السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني الذي يبدو أنه فهم خطوة أهلنا المسيحيين فهماً خاطئاً فأدعى أن مسيحيي العراق لم يكونوا قادرين على الذهاب الى كنائسهم للإحتفال بأعياد الميلاد.

نحن العراقيين نفهم لماذا ذهب السيد بعيداً دون أن يتعلم الدرس، فهوَ وبقية القادة السياسيين اللبنانيين دائمي التباهي بالنموذج اللبناني "المتسامح" والمتعدد الطوائف لم يشهدوا يوماً من الأيام، عبر تاريخ بلدهم، عملاً تضامنياً رائعاً كالذي قدّمة مسيحيو العراق، ولا نعتقد أن لبنان أو غير لبنان عاش يوماً مجيداً للتضامن كيوم 27 كانون أول 2009، ولذلك فمن الطبيعي ان لايفهم السيد نصر الله ما حدث في العراق في هذا اليوم على وجه التحديد، ولن يفهمه على الإطلاق.

ولكن هذا هو العراق. وربما لذلك تأتيه السكاكين من كل جانب وتتداعى عليه الأمم بينما هو يشهد ولادة جديدة يرسمها ابناؤه وبناته في لحظات عابرة لحدود الأديان والطوائف والمعتقدات والإنتماءات.

وقد لايعجب هذا الكثيرين ومنهم"أخواننا" في التشيّع من رعايا الوليّ الفقيه في ايران الذين طعنوا العراق بشيعته وسنته، بمسلميه ومسيحييه وصابئته المندائيين وأيزيدييه، حين وجهوا حرسهم الثوري لإحتلال حقل الفكة النفطي. وذلك لايعجب الخوارج التكفيريين الذين قاموا بتفجير عبوات ناسفة ضد المواكب الحسينية السائرة الى كربلاء الحسين.

فياللمفارقة! مسيحيو العراق يتضامنون من مسلميه بينما يهاجم مسلمون من بلدان أخرى مسلمي العراق.

ما قدمّه أهلنا المسيحيون اليوم على طبق المحبة واحترام مشاعر الآخر يقول أن الوطن مازال بخير وأن شمس الوحدة الوطنية العراقية تجدل أولى ظفائرها على أيدي الشرفاء، مسلمين ومسيحيين وصابئة مندائيين وأيزيديين وشبك، وأن طيفاً كبيراً منهم بات يعرف أن الدين لله والعراق لهم جميعاً ولن يسمحوا لأحد أن يقاسمهم إياه، فهو لهم وحدهم.

سعد الشديدي

2009/12/26

كربلاء الحسين.. الوردة والقلعة والراية


أغلق الباب وراءك! فالشوارع يغمرها السواد، سواد الرايات المنضوية على حزنها، والعيون الباحثة عن الشهيد الحاضر الذي اُحتز رأسة ورُفع على الرماح منذ أكثر من ألف عام، وسواد شيلات امهاتنا وعباءاتهن المكتحلة بتعب السنين، والدمعة التي يخالطها الكحل فتنزل من علياء القلب لتحترق على شموع نون النسوة بهدوء متواضع، وسواد الليل الذي أغدق ستائره الشتائية القاتمة.. كعادته في كانون.

هل أغلقت الباب؟ أذن أحكم قفلها جيداً. فالشوارع مليئة بالسواد. سواد الأشباح الباحثة عن ضحية، وسواد آثار أقدام الغزاة وجنازير دبابتهم، والقلوب العمياء المجتمعة على جسد الوطن تنهش منه ما أستطاعت متى ما أستطاعت، وسواد النوايا الحارقة المتصاعد منها دخان البغضاء والجريمة في كل مجزرة تحتفل بها السيارات المفخخة وترقص حولها الذئاب الإنتحارية المصابة بداء الكَلَب.

هل مازلت تسمع صوت عاشوراء؟ أنه يدخل من الشبابيك ومن بين أحجار الآجُر ومسام الجدران! ولكن لمَ تتعبّ نفسك وتريد غلقَ شبابيك البيوت. فلافرق أن أغلقتها أم تركتها على مصاريعها. فهذا الصوت عبرَ أزمنة أرادت له أن يختنق ودولاً حفرت له خنادق وأسواراً وجيّشت له الجيوش فمرّ بها وصوته يتعالى:

أنا حتفُهم ألجُ البيوتَ عليهمُ ....... أغري الوليدَ بشتمِهم والحاجبا

وهاهيَ كربلاء ترددّ من جديد صرخة سيد الشهداء الواضعة أساس عالم متجدد، عادل يسعُ في ساحاته الضعفاء والمهمشين والمظلومين والفقراء الملاحقين بكسرة الخبز الذي يؤّرق البحث عنها أيامهم ولياليهم. في صدر هذا العالم يقف الحسين الشهيد الحيّ مادّاً يداه لمن لامكان له في عالم يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد وشمر بن ذي الجوشن.

يتسعّ المشهد ليصبح دنيا بكاملها تصغر أمام جموع الزاحفين نحو قلبٍ يخفق بالعدالة والحرية والمساواة، وجسد مهشّم تحت سنابك خيول الأمويين ودباباتهم واصابعه التي كسرّتها سيوفهم وأخامص بنادقهم. يقترب السائرون وتتصاعد راياتهم، فتنخفض السماء لترى ما إذا كانت النبوءة قد تحققت أم أن مايحدث مجرد خدعة بصرية.

ولكنها كربلاء، الصرخة والقلعة والراية والوردة المتألقة بنور الله، السابحة ابداً مابين عالمي الغيب والشهادة، الواقفة بيقظة على حدود صحارى الروح وواحات اليقين.

تعود أمس لتردد صوت الحسين وأبناء الحسين وأصحاب الحسين والسائرين على طريق الحسين الصعب.

تتحدى يزيد.. يزيد كل العصور وكل الأزمنة، كائناً ما كان أسمه ورسمه.

كربلاء تحتفي اليوم بنصر الحسين وتبكي هزائمنا. ترفع أسم الحسين في سماواتها وبين نجومها وتُنزل الى التراب أسماء من خانوا أمانة الحسين. تنظر بعينين ثاقبتين الى من يدّعون موالاتهم للحسين بينما هم يسيرون في طريق يزيد وجند يزيد وذئابه.

تتعالى أصواتنا لتنضّم الى طوفان هادر بدأ بقطرات دم، ففتحت له الأرض فيافيها ليحلّ على رمالها أهلاً وينزل في صخورها سهلاً، وهاهو نخيل كربلاء يلّوح لنا لندخل تحت عباءاته الحسينية الخضراء.

صوتنا صوت الحسين، رايتنا رايته ومطالبنا مطالبه. ودعائنا أن يختلط دمنا ولو بالتراب الذي سال عليه دم الحسين.

اليوم أصبحت كربلاء هي دنيا أحتملت جراحها ودخلت بين نهرين أسمهما الفرات ودجلة. فطلع، من براعم الأشجار وريش العصافير وأول الحروف التي تخطّها أنامل طفل، وطنٌ أسمه العراق. يسير هو الآخر ذبيحاً ملاحقاً من جيش يزيد. وطن يسير نحو سيد الشهداء الذي لم يترجل عن فرسه وما سقطت عن رأسه خوذة حربه ولا أنتكست رايته.

فمرحى يا كربلاء الحسين، مرحى يا فمَ العراق الصارخ بالحرية والعدالة والمساواة. ومرحى يا جيش الحسين الناهض من جديد. مرحى لمن ينادي بالخبز للجياع والحرية لمن أستعبدهم أبناء جلدتهم. مرحى لمن يريدون طرد اللصوص والكلاب الضارية التي لم تتعب من نهش لحمنا بل هي تريد المزيد، سواء ممن يشرب دمنا على موائد التكفير أو أولئك المتربعين على عروش منحناهم أياها فخانونا، أم ممن أتوا من خلف الحدود ليحتلوا الفكّة وبعدها يبتلعوا عراقنا بأكمله.

ويا كربلاء يا من كنتِ كرباً وبلاءاً على من أحبّ الحسين، ها أنت تصبحين كرباً وبلاءاً على أعداء الحسين ومن حادوا عن طريقه وخانوا رسالته.

مرحى ثانية لراية الحسين وصوته ومبادئه وهي تصعد في الفجر الكربلائي .. العراقي.. لتجعل منه فجراً جديداً تسبّح في ضوءه قطرات الندى المختلطة بالدمّ، الدم المتفجّر منذ يوم الطف الى آخر مجزرة يرتكبها أعداء الحسين.. وأعداء العراق الذي يسير هو الآخر مذبوحاً يلاحقه جند يزيد ومن يواليه بالقول أو بالفعل.

سعد الشديدي

gelgamesh2000@hotmail.com

2009/12/21

هل يريد الايرانيون أن نُعيد صدام التكريتي؟

من يقول أن القيادة الإيرانية تتحرك بذكاء إما أن يكون مأجوراُ أو واهماً أو يتمتع بقدر كبير من الغباء.

فالخطوة الإيرانية الأخيرة بإحتلال حقل الفكّة النفطي العراقي في محافظة ميسان هي إستمرار لنهج الغباء الذي تمتاز به هذه القيادة.

فبدلاً من إسناد شيعة العراق الذين وصلوا الى سدة الحكم لأول مرة في تاريخ يمتدّ لأكثر من ألف عام، تقوم القيادة الإيرانية بوضع العصي في دواليب الحكومة التي يشارك فيها الشيعة بأكثرية مريحة.

وبدلاً من إبداء حسن النوايا تجاه الأمة العراقية، تتجاوز قيادة مايسمى بالثورة الإسلامية كافة الخطوط الحمراء وتتصرف وكأن شيعة العراق عبيد لها وعليهم أن يقولوا سمعاً وطاعة للأخ الشيعي الأكبر.

وبدلاً من مساعدة العراقيين في تضميد جراحهم يضع نظام أحمدي نجاد والولي الفقية الملح في الجراح العراقية التي تنزّ دماً وقيحاً.

ويريدوننا بعد كل هذا أن نصمت ونعتبرهم إخوانناً لنا في المذهب!؟

اي مذهب هذا الذي يقول بأن علينا تجرّعَ المهانة من أجله؟ بل أي دين ذلك الذي يطلب من أتباعه أن يقفوا وقوف العبد الذليل أمام من يدعيّ الأخوّة في الدين؟

ولكن المشكلة ليست في القيادة الإيرانية بل في قياداتنا العراقية التي لبست ثياب السلطة وأعتبرت نفسها أقوى من سوبرمان وغراندايزر والرجل والوطواط مجتمعين، في حين إنها غير قادرة على إكتشاف عشرات من السيارات المفخخة التي تجوب شوارع بغداد باحثة عن ضحايا من المدنيين العراقيين.

ماذا يريد الإيرانيون من العراقيين؟ هل يريدوننا أن نخرج صدام حسين من القبر وننصبه من جديد رئيساً علينا كي يعيد جيشه ومخابراته وسجونه وأرهابه ويعلن حرباً جديدة عليهم نكون نحن حطبها؟ هل يريدوننا أن نترك مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لأننا لانرى في الدولة التي ترفع رايات آل البيت (عليهم السلام) سوى معتدياً أثيماً ينقّض علينا ما أن تسنح له فرصة؟ هل يريدوننا أن نرتمي بشكل كامل في أحضان أمريكا وأسرائيل التي قد تستطيع الدفاع عن حدودنا لأننا لانستطيع ذلك الآن؟

ماذا يريد أحمدي نجاد ومن ورائه سماحة الوليّ الفقيه؟

هل يرغبون بالتحرش بأمريكا لأنهم يجلسون على خازوق يخرج من رؤوسهم منذ الإنتخابات الأخيرة ويريدون النفخ على نار الحرب بينهم وبين الشيطان الأكبر علّ الحرب توّحد أمة فارس الممزقة؟ لم لا؟؟ هذا من حقهم اذا ما أرادوا الإنتحار مثل تلك البهائم الإنتحارية التي يرسلون بها إلينا، ولكن ليفعلوا ذلك على أرض أخرى غير العراق. إن أرادوها حرباً فليدخلوها مع من شاؤوا ولكن ليس على أرضنا ولافي سمائنا وعليهم أن لايحسبوا حساب دخول شيعة العراق الى جنبهم في تلك الحرب لأننا كشفنا لعبة التشيع الإيراني ولم نعد نؤمن سوى بالتشيع العلوي المحمدي الذي قام على أجساد أبائنا وتعفر بتراب العراق الطاهر.

ايران تلعب لعبتها بغباء ما بعده غباء فهاهي تفقد ثقة شيعة العراق، ولم تعد لشعارات التشيع السياسي، بعد كل المصائب التي أنزلتها ايران بنا، تلك الهالة التي كانت تحيط بها منذ سنين قلائل. وربما نسيّ الإيرانيون أن العراقيين كانوا أول من سمع ورددّ صرخة سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام): هيهات منّا الذلة.

وهيهات من العراقيين الذلّه، نقولها بوجه يزيد أم بوجه أحمدي نجاد، الأمر سيّان، فذلك أحتز رأس سيد الشهداء ورفعه على الرماح وهذا يحتزّ راس العراق ويرفعه هو الآخر على مدافع الدبابات الإيرانية التي أحتلت حقل الفكّة النفطي في ميسان।


سعد الشديدي



2009/12/13

المالكي كان يعرف أذن!

تصريح السيد وزير الداخلية العراقي في مجلس النواب بأن القوات الأمنية العراقية كانت تعرف "على وجه التقريب" زمان ومكان تفجيرات يوم الثلاثاء المفجع جاء ليسند تصريحات النائب العراقي السيد مثال الآلوسي بأن الأمريكيين أبلغوا حكومة السيد المالكي معلومات إستخبارية عن عمليات الثلاثاء المفجع الإجرامية، ومعلومات تسربت من نوّاب آخرين بأن الأمريكيين كانوا قد أبلغوا الحكومة العراقية قبل ذلك معلومات عن تفجيرات الأربعاء الدامي خصوصاً ذلك الذي إستهدف وزارة الخارجية العراقية.

إذن حكومتنا كانت تعرف مسبقاً بإحتمال وقوع تفجيرات ارهابية في أوقات وأماكن محددة، ولم تحرّك ساكناً لا في الثلاثاء ولا في الأربعاء!

ولم تكتفِ حكومتنا المنتخبة بذلك بل ذهب وزراؤها الأمنيون شوطاً أبعد عندما أجمعوا على حقيقة، ربما أتفقوا عليها قبل الدخول الى البرلمان، بأن الإرهاب ظاهرة عالمية يصيب الكثير من الدول وأن حظنا العاثر هو وحده الذي جعلنا من بين أكثر شعوب العالم تضرراً بتلك الظاهرة السرطانية التي لايمكن الحدّ منه بشكل كامل.

ماذا يعني هذا؟ ببساطة شديدة يعني هذا اعلاناً واضحاً بان حكومتنا المنتخبة غير قادرة على ايقاف موجات الإرهاب المدمر التي لم نعد نعرف مصدرها. فبين قائل بأنها من عمل القاعدة، وآخر يسخر من هذه النظرية مؤكداً ان الأمريكيين هم من يقف وراءها، يذهب البعض ليحمّل ايران وزر تلك الجرائم، وفي خضم بحر الإتهامات تصرّح مصادر مقربّة من مجلس الوزراء بأن سوريا هي من تحرك خيوط لعبة الموت المصطبغ بلون الدم والجثث المتفحمة فيعترض آخرون قائلين: لا باباتي لا.. السعودية هي المتهم الأول فينبري لهم من يقول وبمعادلة يعرضها هو الآخر بشكل منطقي مفادها أن الأحزاب الكردية هي الرابح الأكبر من الفوضى السائدة في الشارع العراقي فيدور أصبع الإتهام – طبقاً لتلك المعادلة – متجهاً نحو الأحزاب الكردية، ولكن علينا أيضاً أن لاننسى البعثيين وهم لاعبون أساسيون دائمون ويمكنهم هم الآخرون أن يفعلوا كل شئ واي شئ للعودة الى السلطة وقد رأينا وعانينا مما فعلوا طوال فترة حكمهم التي أمتدت لثلاثة عقود ونصف، يقول آخر.

الموضوع أصبح يشبه لعبة الأستغماية، التي نسميها في العراق "بالختيبلّه". فعلى المواطن العراقي أن يغمض عينيه بينما ينتشر اللاعبون لإخفاء أنفسهم في أماكن وخنادق شتّى وهم واثقون بأنه لن يستطيع العثور عليهم في زحمة الفوضى. وأياه أن يفتح عينيه فالمطلوب في هذه اللعبة أن يبقى العراقي أعمى لايرى طوابير الموتى وهي تصعد الى بارئها، وأصم لايسمع أصوات الإنفجارات وأخرس لايفتح فمه للإحتجاج أو الإعتراض وإلا اُتهم بأنه من أعداء الديمقراطية والعملية السياسية وفي أفضل الحالات يُختم أعتراضه أو إحتجاجه على العجز المستمر للإداء الحكومي الأمني بختم ديوان مجلس الوزراء تحت عنوان: نقد غير بنّاء!!

خمسة ايام كاملة مرّت على فقداننا لثقتنا بحكومتنا المنتخبة، عرفنا فيها أن الحكومة كانت تعرف زمان ومكان التفجيرات وبأنها لسبب من الأسباب أخفقت بشكل كامل في درء أخطار تلك العمليات الإجرامية عن مواطنيها الذين انتخبوها. وعرفنا أيضاً أن المسؤولية الميدانية عن العجز الكبير في الإداء الأمني تقع على عاتق قائد عمليات بغداد الذي تم نقله من منصبه وترقيته ليصبح نائباً لرئيس أركان الجيش.

وعرفنا أيضاً بأن الحكومة، رغم معرفتها المسبقة بتفاصيل أمنية مهمة، فشلت في إجهاض العمليات الإرهابية في الثلاثاء والأربعاء الداميين وبأنها، والحال هكذا، لن تستطيع أن تحمينا من عمليات الإرهاب الأسود في أيام الخميس أو الجمعة أو السبت الدامية.

أليس الأجدى لحكومة كهذه أن تحترم نفسها ومواطنيها ومصداقية العملية السياسية واصول اللعبة الديمقراطية وتقدم إستقالتها، أم أنها ستسير على نهج الخليفة الثالث عثمان بن عفّان حين رفض التنحي عن الخلافة قائلاً: والله لن أنزع ثوباً ألبسني إياه الله، ولن تنزع ثوباً البسها إياه العراقيون وليذهب العراق والعراقيون الى جهنم؟


سعد الشديدي

2009/12/09

من أجل العراق.. لنطلب من الأمريكان إعادة إحتلال بغداد

حكومة الدلالين والكشوانية وصبيان باعة الكباب.. حكومة القتلة الموبوئين ودكاترة سوق مريدي.. حكومة لصوص الحصّة التموينية وسارقي قوت الشعب ونفطه ودمه ومستقبله.. حكومة الطائفة والعشيرة والإقطاع الجديد، هذه الحكومة أعلنت موتها بعد ثوانٍ من تصاعد أصوات التفجيرات الإجرامية في دار السلام التي أمست داراً للحرب والخراب.

وعليك أيها العراقي أنت الآخر أن تعلن أمام نفسك وابناء جلدتك موت هذه الحكومة الفاقدة لكل مصداقية وشرعية. وأياك أن تقرأ عليها سورة الفاتحة، لأنها لاتستحق الرحمة ولا الترحم.

تفجيرات يوم الثلاثاء الذي أسميناه هو الآخر بالدامي تيمناً بالأحد والأربعاء الداميين وإنتظاراً لمزيد من ايام الإسبوع الدامية لم تكن سوى صرخات سمع دويّها حتى الذين في آذانهم صمم، أعلنت بالدم والنار فقدان هذه الحكومة لكل شرعية. فهي لم توفر لك شيئاً واحداً يجعلك تعطيها صوتك في إنتخاباتهم التي يقرعون لها الطبول ويرقصون لها بالدفوف.

بعد هذا الثلاثاء لايستطيع أحد أن يستثير همتك يا أبن إنليل, يا سليل السماء العراقية العالية ونور خيط الدم المتدفق من رأس الحسين وشهداء كلّ العصور والحقب قديمها وجديدها. لا تسمح لتجار السياسة والموت اليومي أن يقنعوك بمنحهم ثقتك ليرتقوا مرة أخرى أكتافك ثم يدوسك أصغرهم بحذاء سرق ثمنه من دمك.

بعد سقوط شهداء لا أسماء لهم على أرصفة لم تجفّ بعدُ من دماء أحبتك الذين قضوا في جرائم سابقة وإنتظاراً لمن سيسقطون في جرائم لاحقة، لم يبق لك عذر ولالصمتك مبّرر.

حكومة قوى الطائفية والعنصرية تحتضر منذ ولادتها الإصطناعية وتصارع الموت المكتوب عليها رافضة إعلانه قبل أن يملأ قادتها جيوبهم بدولارات السحت وأحزابها بالإيغال في تدمير وطننا، هذه الحكومة اصبحت عارية أمامك. حتى ورقة التوت التي منحناها إياها سقطت وظهرت عوراتها.

ماذ نريد اكثر من مما رأينا لنقف على قدمين ثابتتين ونقول لهم لانريدكم، أذهبوا الى أقرب جحيم يصادفكم فقد أريتمونا الجحيم لأعوام كانت أطول من دهور علينا؟

هل نريد رؤية المزيد من الدم والفوضى لنصدّق أن هذه الحكومة مجرد ضرس أكلها السوس .. وجدار ينخر نفسه بنفسه وهو ساقط أمام أعيننا؟

لم يبقَ أمامنا سوى الخروج لحماية أنفسنا أو طلب الحماية من حكومات أخرى غير هذه الحكومة ولتكن حكومة أمريكا أو الشيطان، لافرق، فكوابيس الموت التي كانت تطلّ علينا في نومنا أصبحت حقيقة تلاحقنا في يقظتنا أينما ذهبنا.

الخيارات أقل من قليلة أمامنا. فإما الإستمرار بالهرولة وراء نهر الدم الذي نعرف مصدره ونتائجه، أو الخلاص من حكومة الرجل المريض الموشك على الموت وبناء حكومة وحدة وطنية حقيقية لامكان فيها للطوائف والقوميات التي لايثق قادتها بأمتهم العراقية ولابأنفسهم ولاببعضهم البعض.

وعلينا أن نختار.


سعد الشديدي

2009/10/29

بغدادنا.. أحياؤها شهداء



بالأمس حلمنا، نحنُ وأنتم، بغدٍّ لايشبه بقية الأيام. شمسه، التي لاتشبهها شمسٌ في مجرّةٍ أخرى، تضئُ لتغسل بفورةِ نورها أشجارَ نخيلٍ كانت ستظللّنا بقلبٍ أين منه ظلال الدنيا كلّها. كنّا أنتظرنا أن تخرج مدننا رافعة شوارعها عالياً لترقص به وبنا على حوّاف النهرين العظيمين.

كان حلمنا فيما وراء الزمن والحلم .. أن تصحو الزقّورة من نومها لتعود طيورُ الشقّراقِ تبني أعشاشها في ضفائرِ القمح وفي حبرِ كلماتِ القراءة الخلدونية. حلمٌ راوَدنا، أن ترمحَ خطواتُنا في وطن لا نعرفه ولكنه يعرفُ أسماءنا واحداً واحدا ويحفظُ أسماءَ حبيباتنا عن ظهرِ قلب. كنّا حلمنا طويلاً بيومِ غدّ، الذي جاء.

جاءنا ولكن ليس كما إنتظرنا. فهو حقّاً لايشبه بقية الأيام التي وُلدت وغابت على سهول أور وأكد وصحت عليها حانات بابل ومعابدها الغائبة في رائحة البخور والماوَرد، وليس كالأيام المشتعلة ناراً حيناً والنافخة ثلجاً حيناً آخر وطوت بستائرها الضافية مآذن مدينة السلام، ولايحمل ملامح الأيام التي كانت تُدفأُ قدميها قرب مواقد الرعاة وتختبأ في أكواخ الفلاحين لترى بفضول ما يفعله أبناء إنليل وبنات إينانا بعد أن تنطفئ قناديل المساء.

لم يكن غدُنا كما تلك الأيام. جاء أصفر اغبر يجرّ ورائه عربة خيبته.. خيبتنا. حاملاً معه وعداً بموتٍ لاتسعهُ حتى عباءة أرشيجكال ونجومٍ ستنطفئ تاركةً لنا سماءً سوداءَ نكتبُ عليها بالطباشير قصائدَ رثاء.

أكان غدُنا هكذا لأننا ماخرجنا باحثين عنه كما خرجَ جلجامش ينشدُ الأبدية؟ هل كان هكذا لأننا مافعلنا من أجله شيئاً سوى إننا إنتظرنا ولم نخلقه ولابنيناه كما بنى نوحُ العراقيّ فُلكه لينقذ به سلالة البشر؟

قال كتاب التاريخ: الغدّ الذي لاتصنعه يصنعك.. وإقبل به أنّى يكون.

فمن يقبل بيومٍ بعد يومٍ بعد يوم مليئة كلها بغمام الدم؟

هل نعتذر لشهداء الصالحية وقبلهم شهداء الأربعاء الدامي وقبلهم شهداء الكاظمية وقبلهم شهداء الألف مجزة ومجزرة أم نحرسُ قبور من بقيّ في قيد الأحياء؟

* * *

هكذا ترحلونَ، كما يرحلُ الغيمُ فوقَ سطوحِ المدينةِ. ما أسرع الغيم حين يمرُّ على شارعٍ ميّتٍ يحتفي بعصافيرهِ الباقية. أشرقتِ الشمسُ فوق السبيلِ وفوقَ حبالِ الغسيلِ. ولكّنكم لم تعودوا هنا! لهذا تحوّلَ شارُعنا نخلةً كتبتْ إسمها في سجلِّ الوفيّاتِ.. وانكسرتْ.

أيفاجئنا أن هذا الصباح انزوى في دخانِ الحقول، وبعضُ الوجوهِ ارتمتْ في نظامٍ جميلٍ على الناصية؟

* * *

يحقّ لنا أن نقول بعد غيابكم أن الغدّ الذي أنتظرناه سيأتي؟ ربما! فهانحن، رغم رحيلكم، نتهجى أول حروفه، نضع أحجار بناءه الأولى، نختار حتى ألوان فساتين نسائنا التي سيخرجن بها للقائه، ونخبأُ بعناية العاشق وشوقه بذوره في أرض بدت كما لو إنها ضجرت من عجزنا ولاأُباليتنا. ربما سيطلع ورقةَ آس، أو شمعة تطفو على موجِ النهر، غابةُ طرفاء أو صوت أبوذيّة يسافر بعيداً الى أوتار عود إسحق الموصليّ.

ربما سيكون له لون الورد ورائحة المسك والقهوة والهال, وسيكون هذه المرّة لنا ولكم. لن نستعيره من أحد ولن نفاخر به أحدا لإننا نصنعه لنا ولكم أنتم. وسترونه

من غرفةٍ أو شرفةٍ في السماءْ.

فأخرجوا حيث كنتم، وأجمعوا العشبَ في زورقِ الشهداءْ.

وإزرعوا شجرَ البرتقالِ الذي تعرفون، وغنّوا النشيدَ الذي تعرفون.

ربما يسمعُ الأنبياءْ،

ويقتربون

من اللهِ في نومهم.

لتعودوا إلينا.

سعد الشديدي

gelgamesh2000@hotmail.com


2009/10/26

وزير الداخلية: ماكو مفخّخة تفوت.. والحبال موجودة؟؟!!



تصريح السيد وزير الداخلية بأن تهاون القضاء العراقي مع المحكومين بجرائم الإرهاب هو من أهم أسباب الفوضى الأمنية التي تندلع بين فترة وأخرى مسببّة مقتل المئات من العراقيين ومنها جرائم الأربعاء الدامي وتفجيرات يوم الأحد الأسود، هذا التصريح يثير الأستغراب. ربما كنّا سنهز رؤوسنا لنثّني على ما قاله السيد جواد البولاني في بث مباشر مع قناة العراقية يوم أمس لولا إننا جميعاً نعرف بأن الموضوع أكبر وأعقد من ذلك بكثير.
فقد تحوّل الإرهاب الى صناعة متكاملة، لها أصولها "الحرفية" وتمويلها المالي الضخم الذي يُعتقد إنه يتجاوز ميزانيات دولة من دول الجوار، ومساجده وأئمته الداعون علناً الى إبادة الآخر، ودعاته وأحزابه التي تدعمه من داخل العملية السياسية ومن تحت قبة البرلمان ومن مواقع عليا تصل الى ما لا يستطيع المواطن تصورّه، وعلى عينك يا تاجر. وهذا يعرفه السيد وزير الداخلية.
وله أيضاً ضحاياه الذين يتساقطون كأوراق الأشجار الصفراء في عاصفة خريفية ظالمة. هم أبناء العراق ونسائه وأطفاله، ولايهتز جفنُ أحد لموتهم الشنيع.
وله المستفيدين منه من خارج دائرة الأحزاب والتكتلات التي تسانده، في الأحزاب التي تطارد الإرهاب في العلن وتستفيد منه أقصى إستفادة في الخفاء لتحصد أرباحاً سياسية وأمتيازات وعوائد مالية على حساب جثث العراقيين المتفحمة.
أما دول الجوار التي تجنّب السيد البولاني الإشارة إليها بدبلوماسية يحسد عليها فهي الأخرى لها نصيبها في السيرك-المأتم.
وإذا كان السيد وزير الداخلية لايرى هذا كلّه ولايحسب حسابه فالأفضل إذن أن نردد معه الشعار الشهير الذي كان الثوريون بعد 14 تموز1958 يرددونه مطالبين بتنفيذ عقوبة الإعدام بأعداء الثورة: ماكو مؤامرة تفوت والحبال موجودة.
الحقيقة التي عرفها الثوريون وشاهدوها بأم عيونهم فيما بعد إن الحبال والمشانق لم تُنجِ 14 تموز ورجالاتها وأنصارها من السقوط.
الحل لايكمن في عدد الحبال المرفوعة وطول تلك الحبال التي ستجلب معها حبالاً أكثر طولاً وأشدّ وحشية، بل فيما هو أكثر من ذلك ياسيادة الوزير: أن تعترف الحكومة بعجزها وتعلن تنحيّها عن السلطة وأن يُصار الى تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية بلا طائفية أوعنصرية ومحاصصة مقيتة، حكومة تتكون من المخلصين من أبناء العراق وبناته لا من حملة شهادات الدكتوراه المزورة في سوق مريدي، حكومة تثق بها الأمة وتعرف إنها تضع حياة العراقيين بالدرجة الأولى في سلّم أولوياتها..
هذا هو الحبل الذي سيلتّف على رقبة الإرهابيين والمفسدين وبائعي الكباب والفجل الذين أصبحوا قادة سياسيين في وطن يموت أبنائه كل يوم تحت سمع وبصر قادة المرحلة وأبطال دوامة العملية السياسية وفرسان الصولات الفارغة، والنواب في روضة زعاطيط البرلمان العراقي الذين لم ينجحوا، حتى بعد مشاهدتهم للدم العراقي الرخيص وهو يسيل بخجل في شوارع الصالحية، في الإتفاق على قانون جديد للإنتخابات.
قد نتفّق جدلاً مع السيد وزير الداخلية جواد البولاني ونعترف إن الحلّ يكمن في تفعيل أحكام الإعدام ولكن السؤال هنا هو: إعدام مَنْ يا معالي الوزير ؟؟


سعد الشديدي

2009/10/11

حجرٌ.. شمعةٌ..وجنوب




تمنيتُ لو أنني رملةٌ في ترابِ السماوةِ،
لو أنني حجرٌ ضائعٌ في براري الجنوب.
تمنيتُ لو أنَّ كفي بحيرةَ ماءٍ يغافلُها الوحشُ عندَ الغروب،
ولو كانَ قلبي دثاراً لغابةِ نخلٍ.. لأيقظتُه حينَ تغفو القلوب.

تمنيتُ لو أنني شهرزادُ لأحكي.. وأحكي..
ولاأنتهي من حكايا النساءِ.
وآخذُ من سجنِ روحي مرايا
أخبّئُها في حروفِ الهجاءِ.

تمنّيتُ لو إنني هوَ هذا العراق
لطاردتُ موتي،
وأطلقتُ غيظي سفينةَ نوحٍ
وأرسلتُ غمراً من الأنبياءِ.

ولو كنتُ طيراً، لهاجرتُ - منذُ زمانٍ - الى ثوبِ أمي..
واطفأتُ شمعةَ نفسي.. بنفسي، على راحتيها،
لكي لاتراني إذا ما أذوب.

سعد الشديدي
6 أيلول 2009

2009/09/14

مسكينٌ هذا الفتى.. مسكينٌ منتظر الزيدي

اليوم يخرج الصحفيّ العراقي منتظر الزيدي الى الحرية بعد أن كان من المقرر أن يتم الإفراج عنه يوم أمس 14 أيلول/سبتمبر 2009. هذا ما صرّح به شقيق الزيدي لوسائل الإعلام صباح اليوم، مؤكداً إنّ تأخير خروج شقيقه من السجن كان لأسبابٍ إجرائيةٍ... لا أكثر.
ومنتظر الزيدي، الصحفيّ العراقي الذي قذف َ رئيسَ الولايات المتحدة الأمريكية، جورج بوش الإبن، بحذائين متتاليين في مؤتمر صحفيٍّ عقده مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في بغداد في 14 كانون أول/ديسمبر 2008، قضى تسعة اشهر ويوم واحد في التوقيف والسجن، هذا على إفتراض الإفراج عنه اليوم.
إذن فإجراءات الإفراج عن الزيدي على قدم وساق وستسمر حتى يخرج السجين ليسير بحريةٍ في شوارع بغداد محاطاً بإفراد عائلته وعددٍ، نعتقد جميعاً انه سيكون كبيراً، من المواطنين الذين ألهبَ منتظر الزيدي.. والأصح حذاءاه الشهيران... مشاعرهم الوطنية ومنحهم إحساساً بآدميتهم لأول مرةٍ منذ زمن طويل.
ودون الدخول بالمعركة الأبدية التي يتخندق فيها طرفان من العراقيين يرى أحدهما بأن منتظراً بطلٌ وطني أبرَدَ بما فعله غليلَ الكثيرين من أبناء وطنه بينما يراه الطرف الآخر أبن شوارع - زقاقي دخل العمل الصحفي من باب جحا الخلفي - ولايعرف سوى لغة الأحذية، ودون رثاءٍ مُبكر لهذا الفتى الجنوبي الذي وُلد وأشتدّ عوده في مناطق الغيتو المحيطة بالعاصمة العراقية بغداد (المناطق التي تقع قريباُ من المدينة ولكنها لم تنتمِ ولن تنتمي اليها بأي شكل من الأشكال ولا في أي زمن من الأزمنة سواءٌ كان ذلك بفعل فاعل من خارجها أو بإختيارها الخاص ومع سبق الإصرار)، ودون دخول في تفاصيل حياة الزيدي قبل إنهيار النظام الدكتاتوري والمتراسِ الذي كان يقف فيه آنذاك، مع أو ضدّ النظام أو بينَ بينْ في المنطقة الغائمة التي ينتصبُ فيها التلّ الذي جلس عليه عقيل بن أبي طالب محايداً بين ثريد معاوية والصلاة وراء عليّ، وأخيراً دون محاولة قراءة كفّ الزيدي أو فنجان قهوته التي لم ربما لم يذقها منذ دخل عالم ما وراء القضبان، دون هذا كلّه يجب تقييم ما فعله الزيدي وسرّ التأييد الواسع الذي حاز عليه حتى إن شاعرنا الكبير سعدي يوسف حيّا منتظراً في قصيدة نُشرت أمس أهان فيها علمنا الوطني وجعل منه حذاءاً " يحلّق مقذوفاً ليصيب" فهنيئاً لأبي حيدر علمه الجديد بقياس 44 وهو مقياس حذاء الزيدي "الشهير".
الأكيد أن حذاء منتظر الزيدي الذي وجد من يجعله علمنا الوطني وربما القومي الذي سنناجز به أعداء الأمة العربية الواحدة.... ذات الـ..... كان تعبيراً عن حالة العجز التي يعاني منها قطاع واسع من العراقيين الذين اُخذوا على حين غرّة بدخول قوات الإحتلال الأمريكي الى بلدهم ولم يحددوا موقفاً من ذلك حتى الآن فهم اليوم مع أمريكا وغداً ضدّها، وهم ذات القطاع الذي كان هدفاً لأحذية الأنظمة التي تركت آثارها واضحة على ظهورهم ووجوههم وأدمغتهم منذ عشرات السنين وإمتازوا بالعجز عن مواجهة تلك الأنظمة والآن العجز عن مواجهة الإحتلال بأساليب فاعلة تستطيع إجباره على الهرب كما فعل مثلاً في فيتنام. لذلك فلابدّ إن قائد القوات الأمريكية في العراق شعر بإرتياح كبير وهو يشاهد على شاشة التلفزيون إنطلاق حذائَي الزيدي نحو رئيسه المبجل جورج دبليو بوش، لأنه شعر بالتأكيد أن هذاالشعب غير جادّ إطلاقاً في موضوع المقاومة فلو كان جادّاً ومتيقناً من قدرته على المواجهة بأساليب أخرى غير حذائية لفعل.
الغريب أن أهالي تكريت، تكريت وليس غيرها، أقاموا نصباً لحذاء الزيدي. أما كانوا هُم مَن أشبع العراق شعباً وتراباً وسماءاً وماءاً ضرباً بالأحذية طوال أكثر من ثلاثين عاماً؟
ولكن مافعله الزيدي أصبح جزءاً من التاريخ، رضيَّ من رضيَّ ورفضَ من رفضَ، وسيخرج اليومَ الى الحرية فما الذي ينتظره؟
ويبدو أن الخطوة القادمة ستكون مغادرته الى خارج العراق ليعيش منفياً بإرادته، وهذا ما لايتمناه له أحد. فالمصادر المقرّبه من عائلته تشير أن العائلة تعدّ العدّة له لأن يغادر العراق بعد الإفراج عنه بفترة قصيرة بسبب التهديدات التي تلقتها العائلة بالإنتقام منه حال خروجه. والحقيقة إن تلك التهديدات هي مجرد وهمٌ، فتصفيه منتظر في سجنه الذي مكث فيه أشهر عديدة كان أمراً ولا أسهل منه، على عكس ما قاله الشاعر سعدي يوسف في قصيدته. ولكن العراقيين المعتادين على أساليب صدام حسين في الإغتيالات للتخلص من أعدائه لم يعرفوا بعد كيف يفكر الأمريكان وكيف يسلكون مع أعدائهم أو أصدقائهم. فالتخلص من منتظر الزيدي عن طريق القتل أو موته بصورة غامضة سيجعل منه شهيداً وهذا لايريده الأمريكان ولاغيرهم. لذلك فإن خطر إغتياله خارج لسجن هو مسألة مبالغ فيها. لذلك فما معنى التلويح بخطر إغتياله الذي أعلنت عنه عائلته وأصدقائه؟
أما التخطيط لسفره الى خارج العراق فمسألة يمكن فهمها. ذلك أنه لن يستطيع التحرك كإعلامي داخل العراق ولن يستطيع الوصول في مهماته الصحفية الى مراكز صنع وإعلان القرار كما كان يفعل من قبل. لذلك فإن مغادرة العراق أمر طبيعي ومحفوفٌ بالكثير من الآفاق والمخاطر، وأكثر تلك المخاطر جديةً هو إكتشافه أنه دخل في لعبة أكبر منه، إنْ بمبادرته الخاصة أو مدفوعاً إليها دفعاً، وأن لاطاقة له بها وإنه لن يكون قادراً على الإستمرار فيها حتى النهاية. فمن يخطو الخطوة الأولى يجب أن يخطو بعدها خطوات أخرى في نفس الإتجاه وإلا كانت خطوته الأولى بلامعنى. فكيف ستكون خطواته القادمة؟
يجب على هذا الفتى الذي حقق مفاجئة أربكت العالم ولو للحظات قصيرة أن يكون قد حسب الحِسبة بشكل صحيح إثناء خلوته في سجنه. ذلك إنّ جميع من حوله دون إستثناء سيسعون لإستثمار ما فعله والحصول من خلاله على مكاسب معنوية ومادّية، وسيكون أشتراكه في ذلك وبالاً عليه، وكذلك صمته أو رفضه لما يجري بإسمه. والأدهى من ذلك جميعاً أنه قد يكتشف يوماً بأنه تحوّل الى بُرغي في ماكنة كبيرة يرى ـ ومعه كلّ الحق في ذلك، بأنه كان من أول حرّكها بحذائيه في البداية. ماكنة تصنع الأموال والشعارات والمقالات والبرامج واللقاءات التلفزيونية والقصائد لمصلحة عدد كبير ممن يحاولون إمتصاص ماقام به في المؤتمر الصحفي في 14 كانون أول 2008 وإن عليه أن يتقبل ذلك بطيبة خاطر وإلا أنقلبت عليه الآية.
هذا من طرف أصدقائه، أما أعداءه فلايعلم سوى الله ما هم فاعلون لأسقاطه بشكل نهائي فإن نصف شعبه على الأقل يشجب ما فعل وإسقاطه نهائياً وإن كان ليس بالأمر باليسير فهو في آن ليس عسيراً.
المهم أن نرى كيف سيكون منتظر الزيدي بعد عام واحدٍ من خروجه. هل سيتحدى القدر ويرميه بحذائين جديدين أم سيكون هو ضحية القدر واللعبة التي بدأت حتى قبل خروجه من سجنه؟ لننتظر ونرى.. واليوم سيكون الأول, وغدٌ قادم لاريب.


سعد الشديدي

2009/08/22

الأرهاب يخدمهم فلماذا يحاربوه؟


الإرهاب وتكميم الأفواه توأمان سياميان لايمكن الفصل بينهما. هذا ما تُظهره الأحداث المأساوية الأخيرة التي شهدتها العاصمة بغداد وعددٌ من المدن العراقية الأخرى وأكده ايضاً سلوك النائب الأول لرئيس مجلس النوّاب الشيخ خالد العطية عندما أمر بإخراج الصحفيين الموجودين تحت قبة البرلمان من الجلسة الإستثنائية هذا اليوم الجمعة 21 آب.
فبدلاً من أفساح المجال لممثلي السلطة الرابعة لتغطية أعمال الجلسة وإيصال تفاصيلها الى المواطنين العراقيين سارع الشيخ العطية الى إصدار أمره بإبعادهم مما يعني إن الشيخ العطية لم يكن يريد للمواطن العراقي أن يعرف بعض التفاصيل النوعية المهمة التي قد تبدد الغموض الذي يلّف الموقف الراهن. ومن حقنا أن نسأل إن كان من حق الشيخ العطية أن يفعل ذلك؟ الجواب هو كلا. فليس هناك نص في النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي ولا من التقاليد الغضّة للمجلس الذي مازال يحبو إضفاء طابع السريّة على جلسةٍ ما قبل تصويت أعضاء المجلس على ذلك، وهذا لم يحصل في الجلسة الإستثنائية اليوم. فلم يقترح أحدٌ بدء جلسة سريّة ولم يصوّت أحدٌ لعدم وجود مايستلزم ذلك.
المشكلة الأكبر كانت في نتائج تلك الجلسة التي قيل إنها إستثنائية، فقد كانت على حدّ وصف أحد أعضاء مجلس النوّاب الحاضرين: لاتُغني ولاتسمن من جوع. وإن السادة الوزراء ممن إستضافهم مجلس النواب زادوا الطين بلّة وإنهم أظهروا الفوضى التي تعيشها القوى الأمنية والأكثر من ذلك إن الوزراء بينوّا من خلال خطاباتهم أمام أعضاء المجلس الذين لم يزدّ عددهم على ستين عضواً عدم وجود ستراتيجية أمنية حقيقية فاعلة والإفتقار الى التنسيق بين قيادات الأجهزة الأمنية.
ويبدو إن الشيخ العطية يعرف ذلك جيداً وإنه لايريد ربما كشف المستور، الذي لم يعد مستوراً، فقد رأيناه بأعيننا إن في الشارع أم على شاشات التلفزيون.
بعد كلّ هذا أصبح بحكم المؤكدّ إن هناك من له مصلحة بوجود هذا الإرهاب وإن بعض أطراف العملية السياسية إستمرأت أعمال الإرهاب التي تصيب أبناء الخايبة دون سواهم في حين إن السادة المسؤولين يتمّ حمايتهم جيداً من مخالب الإرهاب الذي ينهش أجساد العراقيين وترسلهم الى الموت زرافاتٍ ووحدانا.
إن هذا الإرهاب أصبح طريقاً سهلاً لمن يسمون أنفسهم النخب السياسية لفرض الأمر الواقع والتحكم بحياة العراقيين وحاضرهم ومستقبلهم وسنّ قوانين وسياسات لتحجيم حرياتهم وسلب حقوقهم الدستورية، وهو مايسعون إليه اليوم دون خوفٍ أو خجل.
لذلك فمن حقنا أن نسأل أولئك الذين تسلقوا على أكتاف العراقيين وجراحهم لم لا يسارعوا الى إقامة تماثيل ونُصب في الساحات العامة ومداخل المدن العراقية لتكريم الإرهابيين بدلاً من ملاحقتهم. فلولا الإرهاب والإرهابيين لما بقيّ احدٌ منهم في الحُكم بعد سنوات من التقاعس والإهمال والفساد ولما تمكنوا من فرض الأمر الواقع علينا، فهم والأرهاب الأعمى حصانان يجرّان عربة العراق الى هاوية الدمار والفقر والتقسيم.

سعد الشديدي - جلجامش 2000