الاثنين، يناير 23، 2012

قصة امرأة.. عراقية

الأربعاء، ديسمبر 28، 2011

الأربعاء، أغسطس 31، 2011

كولاج ربيع عراقي في أيلول



من شرفة الفندق أرى ميدان التحرير، خالياً إلا من بضعة مارة يسيرون بعجالة القافلين الى بيوتهم في الهزيع الأخير من الليل. بقايا لافتات مازالت تتوزع بفوضى أقرب ماتكون الى الكمال على جدران قاهرية تُنبئ عن اسلوبية معماريّة متفردة اندثرت منذ زمن ليس بقصير. ثمتّ سيارة شرطة تدور الميدان مرة واحدة وتغادره بهدوء.
أعود الى جهاز الكومبيوتر المحمول- لا لأسجل ملاحظاتي لمقال صحفي – بل لأستمر في العمل بملصق جديد لشباب نصب الحرية في بغداد، ودون وعي مسبق تنتصب أمامي صورة الميدان في القاهرة والساحة في بغداد وكأنهما غديران يصبّان في نهر واحد، جوادان يقطعان المفاوز نحو واحة ظليلة أو شبّاكان في حجرة يطلّان على ذات المشهد والشاهد.
في الصورة المضيئة على وجه الشاشة الصغيرة يتبدى نصب الحرية وكأنه قادم من كوكب آخر، رغم أنني بتّ أعرفه كما راحة يدي وأحزر عدد قطع الرخام التي أسقطتها رياح الأيام الساخنة من الواجهة التي كانت مهيبة يوماً ما.

أمرّر يدي على النصب في رغبة وادعة للسلام على الطفل الذي تقف، دوماً، حمامة على رأسه والمرأة التي تبكي ابنها القتيل – أم تراها تبكي وطناً بأكمله!
الأشجار المختبأة خلف هيكل نصب الحرية تقف لامبالية كما كانت حين تعوّدتُ أن أمر بها منذ سنين. ثمتّ نخلات تذّكر بأنك في حضرة الفضاء العراقي- فلا عراق دون نخل! هذا النخل الذي جعله السومريون، والآكاديون من بعدهم، شجرة الآلهة أهملناه نحن الى حدّ النسيان في مفردات قاموسنا الجمعي العراقي.
الصورة ظليلة، رغم الغبار الذي يغطيها والسائرون تحت النصب ومن خلفه ومن بين يديه يسيرون هم أيضاً بعجالة الى بيوتهم في الساعات الأخيرة من نهار.
أتوقف طويلاً عند الجندي الذي يحطّم بحركة ملحمية قضبان السجن! وأتساءل إن كان الجندي البرونزي يدرك أن رفاقة العسكريين المسبوكين من لحم ودمّ أدخلونا في سجون لم يستطع أحد سواء كان من معدن البرونز أو من معدن الآلهة أن يحطمها!
الشمس تشرق خضراء فوق هامته، والمساحة الرخامية البيضاء تمنحه جلالاً مضاعفاً. أرّكز بصري على القضبان، أسير الى شرفة الغرفة لأطلّ ثانية على ميدان التحرير في القاهرة محاولاً رؤية ما لايراه غيري، أن أشم رائحة الحديد الصدئ، فيمتد الميدان أمامي أنقى مما كان عليه منذ أشهر قليلة وأكثر ألقاً في عتمة الليل. لاقيود ولاسجانين.
أفكّر أنه ربما في نفس اللحظة، يجلس عراقيون في بغداد ليعيدوا تشكيل الزمن وكما يقول الشاعر الالماني ريلكه "يخربطوا" نظام الفصول، لتكون ساحة التحرير هي الأخرى في سياقها الزماني- المكاني الصحيح.

في اليوم القادم استلمت رسالة تقول إن شباب بغداد واحرارها عازمون على الخروج في التاسع من أيلول في "جمعة ربيع العراق."
لم تأخذني الدهشة، ولكنني سُعدت لأن عراقيين التقوا في بغداد ليعيدوا تشكيل الزمن و"يخربطوا" تماماً كما أراد ريلكه نظام الفصول. فالربيع سيأتي في أيلول وأوراق ذهب أيلول لن تكون صفراء - كما تغني فيروز- لأنه لم يعد واحداً من الفصول بل إرادة ومعنى وكناية.
المشكلة الآن هي كيف سيكون الملصق القادم! هل عليه أن يشبّ عن طوق تجارب ميدان التحرير، وشارع بورقيبة في تونس العاصمة، وساحة الأحرار في تعز، وساحة الشهداء في طرابلس الغرب وساحة اللؤلؤة في المنامة وساحات المدن السورية المنتفضة ليدخلنا في خيمتنا الخاصة تحت نصب الحرية في ساحة التحرير في بغداد؟ أم سيدخل معها كلّها في كولاج واحد مختلف ومتشابه في آن ومن حوله ربيع عربي مخضّر السهول والساحات والكلمات والصور؟
الأيام القادمة ستُظهر ما قد لاتشي به الآن، ولكن شيئاً ما عاجلاً حدثّ منذ قليل أكدَّ أن مفاجآت تدعو الى التفاؤل في طريقها الى الولادة، فقد أتفقت ثلاث مجموعات شبابية عراقية على اصدار ملصق مشترك للدعوة الى التظاهر في "جمعة ربيع العراق" وربما كانت هذه هي المرّة الأولى التي تخرج فيها عدد من المجموعات الاحتجاجية العراقية في ملصق مشترك.
إنها بركات الربيع القادم في تاسوعاء أيلول. فيا ربيع العراق اقترب وليكن الموعد كما هو دائماً في ساحة التحرير – بغداد وجميع ساحات المدن العراقية.



سعد الشديدي

الأحد، أغسطس 14، 2011

3 قصائد لساحة التحرير



سعد الشديدي


(1)

ساحةٌ لعصافيرِ بغدادْ،

ساحةٌ لجماهيرِ بغدادْ

حلمٌ..

مسرحٌ للعرائس،

صالةٌ للمعارض،

غرفةٌ لجلوس الفراشاتِ بعد انقضاءِ الربيعْ

نقطةٌ لمرورِ القطارِ السريعْ

دارُ نشرِ الكتابِ الذي لايضيعْ

ملتقى الشعراءْ

غابةُ الشهداءْ

مذخرٌ للدواءْ

وسماءٌ.. سماءٌ ..سماءْ

لأطفالنا.

ساحةٌ..وطنٌ ثالثٌ،

بعد هذا العراق الذي لم يعد من زوايا الغيابِ،

وسيدتي الحاضرة.

(2)

ساعةُ الفجرِ تخرجُ- حافيةً - من ينابيعها كلّ يومٍ،

لتبحث عن عشبةِ الموتِ، أو ربتما،عشبةٍ للخلودْ.

عاملُ المخبزِ الأبيضُ الوجهِ والشَعرِ، من كدماتِ الطحينِ،

يسيرُ الى نارهِ كلّ يومٍ،

فتوقفهُ السيطراتُ ورتلُ الجنودْ.

حصانٌ يسيرُ الى حتفهِ

هادئاً،

بعدَ أن أفلتَ اليــــومَ منه اللجامْ.

فيعلو بعيداً، ويوردُ ماءَ السماواتِ منتصراً

في مراعي الرخام.

(3)

بغدادُ أشرعةُ الخليقةِ

حين يمتدُّ النهارُ الفردُ فيها،

ساحةُ التحـــرير واقفةٌ كما كانت تماماً،

ظلّها عسلٌ وكمثرى وفيضٌ من مئات اللافتاتِ

على سياجِ الروحِ.

لكنّ الطريق الى السفرجلِ متعُبٌ،

والماءُ مقطوعٌ

وذاكرةُ العراقيينَ من صدأ وطينْ.

والماردُ المحشورُ في قنديلهِ؟

- يأبى الخروج الى الفضاءِ الصعبِ

يأبى أن يصيرَ مواطناً

ليعيش مثل الآخرين..

ويموت مثل الآخـــرين

الاثنين، أبريل 25، 2011

المالكي يغتال ربيع الموصل



لم يكد اليوم ينقضي حتى نقلت أخبار العراق أن الحاكم بأمر الطائفية والفساد والإحتلال أصدر أوامره بإطلاق النار على شبيبة الموصل وأعيانها، دون أن يحسبَ حساب نقمة الشعب وغضبه، ودون أن يدرك أن الموصليين جُبلوا من صخر العراقِ صلابةً ومن ماء دجلة وفاءاً وأن رصاصه سيصطدم إما بصخر فيرتد عليه أو بماء فيبردُ ويموت.

فأي ساحة أنتِ يا ساحة الأحرار ومن أي معدن أصيل وعصيّ على التطويعِ والتذويبِ وإعادة التشكيل، أنتم يا رجال الموصل ونساؤها؟
تتبدى الدنيا سحابة عامرة بالغيث على رؤوسكم فتتصاعد أغاني الربيع في أم الربيعين، وترتفع المأذنة، التي ظلتّ راكعة لربّها مئاتٍ من السنين، تحيةً لكم، ولكن الحاكم المختبأ في منطقته الخضراء قررّ تنفيذ حكم الإعدام بالربيع الموصليّ وبإبادة شمسه الدافئة كي لا تذيبُ شمعَ الإحتلال الأحمر فيفقد مناصريه وضامني عرشه المتأرجح. فأي نذالة هذه التي تتجه بسهامها نحو صدور الأحرار وأي حاكم هذا الذي فقد صوابه وبوصلته ووطنيته؟

كيف يجرؤ حامي حمى دولة الفساد أن ينتهك سلامك يا أرض الأنبياء والصديقين؟ يا تراباً عركتهُ سنابك جياد العراقيين منذ آشور ناصربال وسيف الدولة الحمداني حتى شهداءنا الذين سقطوا في ثورة الغضب العراقية التي انطلقت في 25 شباط لتعلن عن فجر عراقٍ جديد، حُرّ واحدٍ صمد لايقبل القسمة ولا الإنقسام.
هاهو العراقي، يا أرض النبوات، يقدم نفسه ضحية على مذبح تحريرك من الغزاة الأجلاف ويرمي بنفسه في نار النمرود فلا تكون عليه سوى برداً وسلاماً. فهل يعرف الحاكم بأمر الزمرة الفاسدة التي جعلت من دولة العراق مغنماً أن يومه أصبح قريباً؟

هل فكّر الجالس في المنطقة الخضراء أن الموصل ستكون بداية نهايته حين رفع هاتفه المحمول وأصدر أوامره الى كلابه المطيعة بإطلاق النار على المتظاهرين المسالمين؟
أما نحن التائقين لعراقنا الحرّ ذلك الذي حلمنا به عالياً بهياً، فلا نشكّ بأنها نهاية نظام الفساد والمحاصصة والطائفية، وأن المارد العراقي الذي اُجهضت انتفاضته تحت ذرائع خسيسة أبى إلا أن يُكمل ثورته ويكللها بورد الموصل وأغصان ربيعها المتألق بشجاعةٍ فتيانها وزغاريد نساءها.

ومن موصل الأحرار الى ساحة التحرير في بغداد، ومن هناك الى أبطال الكوت ثمّ الى الإنبار ورجالها الصابرين المحتسبين الواثقين بنصر الشعب، والى جميع مدن العراق وقراه عابراً حدود الطائفية والمناطقية والأثنية التي حاول الغزاة وكلابهم حفرها، بحراب البنادق وسلاسل السجون السريّة، في جلود العراقيين وهوياتهم.

انها نهايتهم، وبداية الربيع العراقي الذي يسير بسنّة خالقه عزّوجلّ، غير أبهٍ ولامنتظرٍ نهاية مهلة الأيام المائة التي فيها سينهار سقف القصر الورقي ويحترق بنيان المحاصصة الطائفية ودولة الفساد ليعمّد بنور الشمس الربيعية ولادة عراقنا الجديد.

فمرحى أيها الربيع الذي يأتي كما دوماً من أم الربيعين ومرحى لموصلِنا، لبغدادنا وأنبارنا وكوتنا، مرحى للعراقيّ الذي ينهض من موته المؤقت ليُشيد من جديد نينوى وأسوارها وبابل وأسواقها وبغداد وحواضرها والكوفة ومآذنها. أنها ولادة عراق نراه قريباً ويراه المختبئون في منطقتهم الخضراء بعيداً. وسيرون غداً أنه أقرب اليهم حتى من حبل الوريد!


سعد الشديدي

السبت، أبريل 02، 2011

خيوط الشمس وخيوط العنكبوت



الرئيس السوري بشار الأسد أنحى باللائمة في خطابه الأخير على مؤامرة طائفية تُحاك ضد سوريا وجدت تجلياتها في الحركة الإحتجاجية التي انطلقت في عدد من المدن السورية.
وزير الخارجية الكويتي يصرّح لوسائل الإعلام بأن هناك مؤامرة تحيك ايران خيوطها ضد أمن الكويت وإستقراره، بعد الكشف عن عدد من خلايا التجسس في القوات المسلحة الكويتية.
فيجيب وزير الخارجية الإيراني بأن أحكام الإعدام التي أصدرتها محكمة كويتية ضد أشخاص إتهموا باالتجسس لصالح أيران هي مؤامرة ضد "الجمهورية الأسلامية".
حسني مبارك فعل ذات الشئ، حين كان يلوّح في أيام ثورة يناير الخالدة بأن ثورة شباب ميدان التحرير لم تكن سوى مؤامرة من اعداد واخراج وسيناريو وحوار الإخوان المسلمين وحزب الله وحماس. بعدها تبيّن أن جزءاً كبيراً من شباب ميدان التحرير لم يكونوا متدينين أصلاً.
المشير علي عبد الله صالح أعلنها بالفم الملئان: ما يحدث في البلدان العربية مؤامرة أمريكية تُدار من غرفة في تل أبيب – أو ربما قال القدس!!. ثمّ عاد وأعتذر ولحس الحذاء الأمريكي وأحرق بعض البخور في معبد إلاهه الذي كفر به في لحظة طيش.
رئيس وزراء العراق السيد نوري المالكي قالها علناً في وسائل الإعلام قبل إندلاع مظاهرات الغضب العراقي في 25 شباط بأن المظاهرات التي دعى اليها شباب العراق كانت برعاية حزب البعث الصدامي والقاعدة. هي أذن مؤامرة بعثية-قاعدية؟! والآن نعرف ونرى ونقابل كل جمعة في ساحة التحرير والمدن العراقية الأخرى مواطنين عراقيين عاديين جداً لاعلاقة لهم بالبعث أو بالقاعدة سيئة الصيت، بل خرجوا للمطالبة بحقوقهم المستباحة من قبل قادة عملية سياسية عرجاء وعوراء مصابة بالزهري والسيلان وكل الأمراض المثيرة للشبهة.
أما معمر القذافي (عقيد الزنكة زنكة) فليس له من همِ سوى التصريح بكرة واصيلا بأن الثوار من معارضيه هم بلاشكّ من صنائع القاعدة. مؤامرة بالطبع في ليبيا أيضاً! والثورة الليبية - طبقاً لعميد القادة العرب وملك ملوك أفريقيا – هي مؤامرة طُبخت على نار هادئة في كهوف القاعدة وطالبان.
مايجذب الانتباه بأن ذات الجهات التي كانت تتعامل بالكثير من السخرية مع الكتاب والمثقفين الذين كانوا يحذرون من مؤامرة كبيرة على منطقتنا بدؤوا هم أنفسهم بالحديث إنطلاقاً من نظرية المؤامرة ويظهر أنهم هذه المرّة متمسكون بالنظرية حدّ النخاع.
هل ثمّة تبدل في الأدوار؟
من يتآمر على من؟ ومن هو المتآمر الحقيقي على شعوب المنطقة؟
الأنظمة أم الشعوب أم أمريكا وأخواتها؟؟
نعرف جيداً أن الشعوب لاتتآمر على نفسها. فالمتؤامرون هم إما قادة الأنظمة وأزلامها وخدمها أو ألقوى العظمى وأزلامها وخدمها. ولاتتعبوا أنفسكم في إيجاد الجواب لأن الأنظمة تأتي في المرتين، مرة لوحدها ومرة مع ماما أمريكا وخالة أوربا.
فمن هم المتؤامرون حضرات السيدات والسادة؟
هذا اذا كانت هناك مؤامرة حقاً هذه المرّة.

سعد الشديدي

الأحد، مارس 20، 2011

نوروز المسرح



لقاء مع المخرج المسرحي العراقي كريم رشيد
حاوره: سعد الشديدي

ككّل عام تتفتح غابات من الورد في سهول بلادنا وعلى سفوحها, وتعلو صرخات الموسم المفعم بأمل متجدد في ساحات بلادنا وشوارعها. فهاهو نوروز يعود من جديد ليعمّد بالنار والندى دورة الفصول. ولنوروز قصته الأزلية، في سطورها مساحات من التغير الذي تحرّكه إرادة الحياة. والإحتفال به هو إحتفاء وتكريم لرغبة الحياة وقوانينها المتجددّة. إنه التوق الدائم للتناغم بين الإنسان والطبيعة، والأنسان والإنسان، ووقفة لتحديّ قوى الظلام – في الطبيعة والمجتمعات – تلك التي تحاول النيل من وجود الإنسان المتميز على هذا الكوكب، وجعله كائناً أليفاً ورقماً تائهاً في سجلات متآكلة، لكنه يأبى إلا أن يكون رقماً صعباً في مواجهته لقوى الطبيعة وأعداء الحلم و الحرية. ونوروز هو الدليل.
المسرح البلديّ في مدينة مالمو في السويد Malmö Stadsteater يحتفل معنا، ربما للمرّة الأولى، بنوروز القادم هذا العام بتقديم مسرحية برايموك، للجمعية الكردستانية للفنون الجميلة في يوم الأحد 20 آذار 2011.
ولكن هذا العمل لم يكن ليُعرض على مسرح مالمو لولا جهود المخرج المسرحي العراقي كريم رشيد الذي يعمل مخرجاً في مسرح مالمو البلدي، والذي كان وراء إختيار هذا العمل المسرحي وإستضافته لتقديمه على أحد المسارح التابعة لمسرح مدينة مالمو.
المخرج المسرحي كريم رشيد يؤكد أن خشبة المسرح قادرة على التقريب بين حدود الثقافات في العالم، وعلى وضع ثقافات العراق المتعددة في سياقات تجعل الثقافة العراقية أكثر إتساعاً وبهاءاً وتقرّب بين العراقيين بشكل أخفق السياسيون بتحقيقه حتى الآن.
الربيع لم يقرع أبواب الجنوب السويدي بعد، ومسرح مدينة مالمو يحتفل بنوروز، عيد الربيع؟
- أنه هاجس اللقاء بين مساحتين أضنينا أنفسنا في التجوال بين متاهاتهما ، الهنا والهناك ، يتداخلان في عالمنا ويخترقان كل حيز نسعى للتوافق والتعايش معه، أنه سعي للتمسك بالبعيد ومصافحة بين الذاكرة والمستقبل .
جاليات الأكراد والأيرانيون والأفغان وشعوب أخرى من طاجكستان وأذربيجان يحتفلون كل عام بعيد نوروز الذي يمثل لهم أحتفاءاَ بالربيع والحرية، والمسرح البلدي لمدينة مالموالذي أعمل فيه يريد أن يعبر عن فخر المدينة بأحتضانها أكثر من 100 قومية من كل أنحاء العالم، يعكس أنسجامهم الأجتماعي وتنوعهم الثقافي إمكانية الحاضرات المدنية أن تحيل الأختلاف القومي والثقافي الى ثراء حضاري.
المسافة بين مالمو والعراق طويلة جداً، ولانقول بعيدة, ليس على خارطة الجغرافيا وحسب بل ربما أيضاً في خارطة الثقافة. هل يشكّل وجود فرقة مسرحية من كردستان العراق على مسرح مدينة مالمو Malmö Stadsteater محاولة لتقريب تلك المسافة؟
- المسرح هو واحد من بين أهم نشاطات الفكر الإنساني التي أحتضنت الإختلاف الثقافي وفعّلت مشاعية الفكر وحرية التعبير ولهذا فنحن هنا نريد لإستضافتنا للفنانين المسرحيين من كردستان أن تكون جهداً متواضعاً للحوار الثقافي بيننا لا بوصفنا عرباً وأكراداً بل بوصفنا معنيين بأنتاج ثقافة حرة تنتمي للأنسان أينما كان . نحن ندرك أن الفن المسرحي في كردستان يسعى بجدية لتطوير فاعليته الأجتماعية وكذلك تطوير أساليبه الفنية ونريد أن نسهم في مد جسور بين كل من يسعى لإستثمار المسرح كواسطة للحوار بين الثقافات. الفرقة الضيف من كردستان ستتجول أيضا في السويد لتقديم عرضها المسرحي في مدن أخرى مثل غوتنبرغ ولاندسكرونا .
المسرحية باللغة الكردية. الأمر الذي سيحرم العراقيين الذين لايجيدون الكردية من الإستمتاع بها. هل تفكرون يوماً، مثلاً، بإستضافة عمل عراقي باللغتين العربية والكردية، وربما بلغة ثالثة هي السويدية ليجد الجميع مكاناً لهم للتماهي مع العمل المسرحي؟
- نعم هذا صحيح، فأستضافتنا لها جاءت للمساهمة بالإحتفال بعيد نوروز هنا في مالمو والمسرحية المستضافة ((برايموك)) هي عرض موسيقي غنائي، لهذا فهي مناسبة للجمهور الكردي لكن الآخرين أيضا يمكن لهم الإستمتاع بالموسيقى والغناء الكردي .
هناك أكثر من مشروع في هذا الصدد، لعروض مسرحية بأكثر من لغة، وهذا تواصل لجهد إبتدأتُه منذ سنوات حيث قدمت عروضاً باللغة العربية والسويدية والأنكليزية، وقريبا سيكون هناك عرض جديد بأكثر من لغة للجمهور العربي والسويدي . أما بخصوص تقديم عروض عربية كردية فلدينا أفكار ونصوص مناسبة لكن أنتاج مثل هذا العرض يفترض أن يكون داخل العراق أولاً، لكننا نأمل من المؤسسات المعنية صاحبة النفوذ والأمكانية في بغداد وكردستان أن تبدي بعض الأهتمام لدعم هذا المشروع كي نتمكن من تنفيذه .
أعرف أن لك محاولات في أعمال مسرحية قُدّمت على المسرح بأكثر من لغة. هلا حدثتنا عن تجاربك السابقة في هذا المجال. وهل تنوي تعميق هذه التجربة في المستقبل؟ يعني هل ثمّة مشروع يحمل سمات مشابهة في الأفق؟
- نعم تجربتي في هذا الصدد بدأت منذ عدة سنوات وصارت تجد ملامحها الفنية وطورت حلولها التقنية، حيث بدأت عام 2004 بتقديم مسرحية ( كلكامش الرجل الذي رفض الموت ) التي قُدمت باللغة السويدية والأنكليزية وعرضت في عدد من المدن في السويد وأسبانيا ثم قدمت في القدس ورام الله وأريحا وبيت لحم في فلسطين بالعربية والأنكليزية، والعام الماضي قدمت مسرحية ((ستليت)) التي أشترك بتمثيلها ممثلة سويدية وأخرى مصرية. كانت لغة العرض بالسويدية والعربية والأنكليزية، وقُدمت المسرحية في السويد ومصر .
لماذا لايقوم كريم رشيد بالتصدي للبدء بعمل ثقافي يحمل بُعداً سياسياً من بين همومه دمج الحالات الثقافية في العراق، من كردستان الى االبصرة في عمل مسرحي بعدد من لغات العراق المختلفة، العربية والكردية والتركمانية والكلدوآشورية؟
- أمر مؤسف وغريب أن مؤسسات الإنتاج الفني في العراق لم تبد أي أهتمام لجهة أستثمار المسرح كوسيلة لعكس التنوع الثقافي العراقي وتفعيله. وإذا ما أتيحت لي فرصة من هذا النوع - وهذا أمر مستبعد - فسيكون ذلك أول ما أقوم به في العراق. فأنا أرغب فعلاً بنقل هذه التجربة التي أبتدأتها هنا لتكون جزءاً من المشهد المسرحي العراقي الذي نعتز ونفخر به. الكثير من زملائنا الفنانين والمثقفين كانوا سعداء جداً بمد الجسور معي لكن أولئك الذين يديرون تلك المؤسسات يتهربون من إتاحة فرصة لإستعادة فناني العراق المهاجرين الى الساحة المحلية ربما لأنهم مشغلون بما هو أجدى نفعا لمصالحهم الشخصية فهذا ينسجم مع مناخ العمل السياسي السائد في العراق حاليا. أذكر جيدا أنه حصل في مصر في فترة الأنفتاح التي أعقبت أتفاقية السلام فساد أداري كبير لخصه محمد حسنين هيكل بتعبير ساخر هو ((سياسة خذ لك هبرة وإجري )) ويبدو ان هذا هو ما يشغل بال المسؤولين العراقيين اليوم.
يبدو أن الساسة فشلوا في التقريب بيننا. بل هم ربما يرغبون بتأكيد الفوارق أكثر من المشتركات بين العراقيين. ألم يحن الوقت للمثقف العراقي أن يفعل شيئاً للتقريب بين ألوان الفسيفساء الثقافي العراقي؟ واذا كانت الرياضة نجحت في توحيد العراقيين في لحظات معينة أليس المدى مفتوحاً على مصراعيه للثقافة لتجريب أجنحتها في السماء العراقية الرحبة؟
- لقد كنت دائما أكرر أن الثقافة العراقية والفن العراقي هما اللذين حفظا الهوية العراقية التي عبث السياسيون بها وكادوا أن يمزقوها بسبب نزاعهم للأستحواذ عليها. ولهذا السبب أيضا غالبا ما تكون هناك قطيعة بين الذهن الثقافي والذهن السياسي، فالأول معنيّ بالأبداع ويسعى للتجديد والتغيير والإطاحة بكل هالات التقديس التي تحيط بما هو مصطنع وزائف لمصلحة الإحتفاء بالأنسان والفكر. أما الآخر فيسعى للهيمنة والإستحواذ، فهاهو الفكر السياسي يعزز الطائفية ويقود نحو التكتلات والصراعات المفتعلة سواء في العراق أو في المنطقة العربية التي تحتفي اليوم بتهاوي الأصنام السياسية لتأكد أن الثقافة والفن في منطقتنا هما من يمسك بفسيفساء مجتمعاتنا العربية لا جنرالاتها المحاصرين اليوم بخوفهم.
أخيراً هل يفكر كريم رشيد بالتعاون مع مسرح مدينة مالمو Malmö Stadsteater لإستضافة فرق مسرحية من بغداد وبقية مناطق العراق في الفترة القادمة؟ هل ثمّة صعوبات أمام طموح كهذا؟
- بالطبع هذا أمر لن أكف عن السعي لتحقيقه، بل أني أرى صورته جاهزة أمامي. والمشروع حالياً في طور البحث مع إدارة المسرح البلدي لمدينة مالمو الذي أعمل فيه. هذا مشروع إذا تحقق فسيفتح آفاقاً كبيرة لصالح حضور المسرح العراقي في الداخل والخارج ويعزز التعاون مع الفرق الأجنبية. بالطبع هناك الكثير من الصعوبات والتكاليف غير أن إدارة المسرح البلدي في مالمو أبدت أهتماماً بالمشروع وننتظر أن نرى أهتماماً مماثلاً من الجانب العراقي لصالح الفن والفنانين العراقيين.

ثوريون في البحرين.. طغاة في العراق؟






لايستطيع أحدٌ اليوم، حتى لو كان له طاقم كامل من المساعدين وعدد وافٍ من السكرتيرات، اللحاق بأخبار ردود الأفعال التي تصدر في العراق للتنديد بما يحدث في البحرين. فمن الأحزاب الى البرلمان الى الشخصيات العامة. كلهم عطلوا أشغالهم ويمموا وجوههم صوب هذه الجزيرة الصغيرة التي تمرّ بأيام عصيبة لايعلم سوى الله كيف ستمرّ وإلامَ ستؤول.

البرلمان عطّل أعمال جلسته وصبّ أعضاؤه المحترمون جام غضبهم على أولي الأمر في البحرين ومن يواليهم. خطابات طويلة، وشعارات من هنا الى السماء.

أخبارٌ وأخبار تترددّ هذا اليوم منها خبر، لم يتأكد بعد، عن تخصيص العراق خمسة ملايين دولار، نعم 5,000,000 دولار أمريكي عداً ونقداً لدعم ثوار البحرين. ولانعرف من الذي سيدفع هذه الملايين ومن سيستلمها!

كأنه يوم حرب البسوس لسياسي العراق وبرلمانييه، ولبعض من أحزابه ومنظماته.

والسؤال هو: لماذا البحرين؟

قرأنا جميعاً كيف إتصل رئيس جمهورية العراق المفدي جلال الطالباني بالرئيس المصري السابق، في عزّ ثورة شباب ميدان التحرير وكيف واساه بكلمات ستكتب بالقار الأسود في صفحات كتب التاريخ.

ورأينا أيضاً ذلك الصمت الذي لفّ المشهد السياسي العراقي الرسمي، في أحداث الثورة التونسية، وفي ايامنا هذه ثورة ليبيا واليمن.

فيبقى السؤال يعيد نفسه: لماذا تحوّل سياسيو العراق وبرلمانيوه ومسؤولوه في قمة هرم السلطة فجأة الى ثوريين تجاوزوا حدود الصمت وساروا شوطاً بعيداً في تأييدهم لثوار البحرين دون غيرهم؟

الأكثر من هذا لماذا إستشاط قادة المنطقة الخضراء غضباً عند خروج المظاهرات الإحتجاجية في ساحة التحرير, بينما هللوا وكبرّوا للمظاهرات الإحتجاجية في ميدان اللؤلؤة؟

طالما أن الشعارات واحدة والمطاليب متشابهة المحتجون في البلدين ينتمون الى حزب الفيسبوك والتويتر، فلماذا اصبح شباب ميدان اللؤلؤة أبطالاً يجب دعمهم بملايين الدولارات بينما يُطلق الرصاص الحي على متظاهري ساحة التحرير وبقية المدن العراقية؟

أما التيار الصدري، فله وقفة خاصة جداً. فالصدريون خرجوا في مظاهرات تأييد لثوار البحرين يوم أمس بينما أطاعوا فتوى مرجعيتهم الناطقة وفضلوا التخليّ عن أهلهم العراقيين في مظاهرات الغضب العراقي. أتساءل فقط: هل الغضب البحريني حلال والغضب العراقي حرام برأي مرجعيتهم الناطقة؟ أليس الغضب ضد الظالمين مصدره هو الظلم كيف كان واين كان وبأية صورة يظهر؟

لجميع هؤلاء السياسيين وقادة الأحزاب والبرلمانيين نقول: سوف لن ننددّ فقط بما يجري لثوار البحرين الأبطال بل سنخرج معهم وعلى خطاهم لقطع رأس أفعى الطائفية، وهو مايريده ثوار البحرين الشباب، والقضاء على الفساد، وهذا مايريد ثوار البحرين أيضاً، والمطالبة بدولة المواطنة والكرامة والعدالة وهذا مانريده معاً.

سنخرج غداً في ساحة التحرير وجميع مدن العراق لا لنقول بل لنفعل ونرفع شعارات رفاقنا ثوار البحرين للمطالبة بإسقاط الظلم والظلام في كل مكان، ونرفع بأيدينا سوية شمساً تشرق علينا جميعاً من بغداد الى المنامة الى صنعاء الى طرابلس الى القاهرة الى تونس.

فالأرض أرضنا والشمس لنا، وسنقضي معاً على كل أشكال الطائفية والفساد وإحتكار السلطة.

وهذا يشمل ملك البحرين تماماً كما يشمل ملوك الطوائف في عراق لانريد له أن يكون بلداً تقسّمه حدود الطوائف والأثنيات.

غداً سيتوّحد ثوار العراق مع ثوّار البحرين في حالة من الإستمرار والتصاعد، وسنريكم أن الشعارات الطائفية لامكان لها سوى في أعماق براميل القمامة سواء في بغداد والبصرة أو في المنامة والمحرق.

الشكل الأفضل لإبداء التضامن والوفاء لثوار ميدان اللؤلؤة هو الخروج غداً في ساحة التحرير وساحات مدننا العراقية، وأن نرفع شعاراتهم ونؤكد أننا معهم في ذات الخندق.

أما من يقبع في الخندق الطائفي سواء هنا أو هناك.. فستكنسهم شعوبنا في وقت لن يطول.

غداً... نرفع أصواتنا وهتافنا بشعارات رفاقنا من ثوار البحرين... وسيسمع ميدان اللؤلؤة صدى الهتاف القادم من ساحة التحرير ويعلو ليصل سوية الى حيث يرقبنا شهداؤنا الذين قتلتهم بنادق الطغاة في بغداد و المنامة.

سعد الشديدي

الأحد، مارس 13، 2011

أهل ساحة التحرير.. وأهل الكهف



خرجوا الى الشوارع والساحات حاملين جراحاً تنزّ دماً وأملاً، فكانوا أول من سلكوا طريق الإحتجاج الشعبي بعد أن إنقطع منذ عقود طويلة.
كان العراقيون منذ العشرينات حتى أواخر الخمسينات، يخرجون الى الشوارع للإعلان عن غضبهم أو مطالبهم. أسقطوا وزارات وأجهضوا مشاريع استعمارية وقدموا شهداء أصبحوا اليوم في زوايا الظلّ والنسيان. ولكنهم كانوا يخرجون حاملين معهم أغصان الزيتون وحمامات السلام. لم يحرقوا دائرة رسمية، أو يعتدوا على مستطرقٍ أو حتى رجل شرطة أو أمن.
في تلك الأيام كان العالم يشهد تغيرات قلبت موازين الحياة وكان للعراقيين حصتهم في المشهد العالمي الذي ضجّ بالحركات الإحتجاجية.
بعد حقبة العشرينات وصولاً الى 14 تموز 1958 إنتهت حالة الإحتجاج العراقي. وبدأت مرحلة مظاهرات التأييد. تأييد الزعيم الأوحد، تأييد الأخوين عارف وأخيراً تأييد البكر وصدام ومرحلتهما.
يبحث المراقب طويلاً عن مظاهرات احتجاجية ضمت عشرات أو مئات الآلاف من المتظاهرين خلال هذه الفترة التي امتدت قرابة نصف قرن من الزمن فلا يجدّ.
ثمّ حدث زلزال عام 2003 الذي قلب المعادلات والمشاهد رأسها على عقبها. وكان للزلزال أن يعقبه هزات أرضية تابعة قد تأتي بعد زمن يطول أو يقصر. وجاءت أولها في شباط الماضي. قال البعض أنه ضربَ الساحة السياسية العراقية بفعل العدوى التي عبرت الحدود قادمة من تونس ومصر. ولكن كيف نسى هؤلاء أن بداية المرحلة الجديدة في منطقتنا كانت في العراق؟
فهنا بدأ انهيار قطع دومينو النظام الرسمي العربي، وهنا حصل أول تغيير في المعادلة الجيوسياسية العربية.
كانت احلام العراقيين، بالخلاص من الديكتاتورية الى الأبد وبناء نظام ديمقراطي، أكبر من أن يستطيعوا هم أنفسهم تصورّها. ثم جاءت الصفعات تترى، واحدة بعد أخرى حتى لم يعد "القفا" العراقي يتحمل كل هذه الصفعات. فمن بداية مسيرة الخط الطائفي الى سيطرة احزاب بعينها على الدولة ومقدراتها، مروراً بالفساد وسرقة عشرات المليارات من أموال العراقيين وخبزهم، الى العمليات الإرهابية التي ما فتأت تحصدنا كل يوم، والبطالة، ثم الفقر ثم تردّي الخدمات البلدية والقائمة تطول.
صحى العراقي يوماً فرآى أن احلامه أكلها العثّ، وكانت آخر ما يملكه واذا فقدها مات. لذا رفض أن يواريها الثرى أو يرميها في أقرب صندوق قمامة وخرج بعضهم الى ساحة التحرير وساحات المدن العراقية يحملون ماتبقى منها مصرّين على أن لهم الحق في الحلم، والحياة كباقي البشر.
خرجوا وسبقهم تسويق باقات من الإتهامات الظالمة ضدّهم بأنهم من أذناب النظام السابق، أو ربما من القاعدة!
ولكنهم خرجوا غير عابئين بشئ، أرادوا فقط أن ينفخوا بعضاً من الروح بأحلامهم قبل أن تتفسخ ويأكلها دود الطائفية والمحاصصة والفساد.
كانوا فتية آمنوا بوطنهم، وازدادوا عزماً.
أما البقية الباقية من العراقيين، فظلوا في بيوتهم مختارين الجلوس على تلّ عقيل بن أبي طالب، أو الوقوف في طابور الإنتظار. ولكن إنتظار ماذا ومَن؟
منهم من يقول: تعبنا، ومنهم من يصرخ: إنطوا الجماعة شوية وقت، خلّوهم يشتغلون. وهؤلاء كانوا الأكثر اثارة للسخرية من غيرهم. فهاهي سنوات ثمان عجفاء تجاوزت سنين سيدنا يوصف السبع العجاف، ولايوسف في الأفق.
هؤلاء هم ذاتهم الذين كانوا يدافعون عن الأنظمة السابقة في كل مراحلها. أنطوا الزعيم شوية وقت! أنطوا عبد السلام وقت ياناس خللي نشوف شيريد يسوي! أنطوا للبعثيين وقت.. أنطوا لصدام وقت، مبين هالمرّة جايين بنوايا مختلفة تماماً وشوفوهم شلون ديبنون العراق!!!
وأعطينا كل هؤلاء وقتاً إمتد لخمسن عاماً. ورأينا ماذا حصدنا من تلك الأعوام الطويلة! لاشئ، سوى المزيد من الموت والفقر والجوع والتهميش. المزيد من الظلم والظلام.
فهل سنعطي فرسان هذه المرحلة خمسين عاماً أخرى لنجربهم ونرى ماذا هم فاعلون؟
يبدو أن أكثرية من العراقيين يفضلون الجلوس واضعين ساقاً على ساق بإنتظار أن تأتي ماما أمريكا مرة أخرى لتقتلع النظام ويحلّ بريمر بيننا ضيفاً ثقيلاً ليشرّع لنا دستوراً من جديد ويعلم الله مالذي سيفعله هذا البريمر اذا جاءنا على متن أول طائرة جمبو "لمساعدتنا" في حلّ مشاكلنا.
المواطنون الذين خرجوا في المظاهرات الإحتجاجية هم تاج رأس العراقيين وهم شمس العراق التي اشرقت ولن تغيب، لأنهم خرجوا بالنيابة عن جميع العراقيين حتى أولئك الخائفين والمنافقين والمتخاذلين والمترددين، ولم يكونوا يحملوا مطالبهم الشخصية، بل مطالبنا نحن جميعاً.
أما أولئك الواقفين بينَ بين من أعضاء حزب عقيل بن أبي طالب، ومن جماعة "تعبنا"، أو "أنطوهم شوية وقت وخللي نشوف" أو من أعضاء حزب الأكثرية الساحقة " حزب ماكو فايدة" فلابدّ أنهم سيخرجون يوماً ما للشارع مطالبين بحقوقهم الشخصية المستباحة، ولكنهم سيكونون يومئذ لوحدهم لأن إجهاض هذه التظاهرات الإحتجاجية، لو تمّ تحت أية ذريعة، سيُسكت الى أمد طويل أي صوت مطالبٍ بالعدالة وإسترجاع الحقوق.
قلنا لهم: لنكتب على الجدران وفي أوراق الصحف وعلى قمصان التيشرت أنْ آنَ الوقت لينهض أهل الكهف من كهفهم فقد مات الطاغية وجاء زمن القيامة.
فعلّق كثيرون بسخرية: أنتم تحلمون. فكان جوابنا: نعم نحن نحلم، ولنا الشرف بأننا نحمل أينما ذهبنا حلم العراقيين ونعمل من أجل تحقيقه من خلال المظاهرات أو بأساليب أخرى يضمنها لنا الدستور.
وسنبقى نحلم، لأن العراق إصطفانا من بين أبناءه وبناته لنكون شعاع الشمس ونجمة الصباح وزقورات العبادة وجنائن بابل المعلقة. هذه أمانة في أعناقنا. فهل تريدون أن نخون أمانة العراق كما فعل البعض؟
شئ واحد نعرف إننا لن نفعله: لن ندخل في الكهف مرة أخرى لننام خمسين عاماً قادمة، ومكاننا من الآن فصاعداً هو ساحات العراق من ساحة التحرير في بغداد الى أصغر قرية عراقية لايعرف أحد أسمها. ومن له آذان للسمع فليسمع!

سعد الشديدي

السبت، فبراير 26، 2011

شتاء الغضب العراقي.. والبقية تأتي


ما فعله نظام المالكي وأجهزته الأمنية يوم أمس في بغداد وباقي المدن العراقية يقول شيئين لاثالث لهما: هو أن نوري المالكي وأعمدة حكمه يشعرون بالرعب من تصاعد المدّ الشعبي العراقي، وأن انتفاضة العراقيين السلمية تمتلك بالفعل مقومات الإنتصار على أعداء الشعب من رموز الفساد والطائفية واللصوصية المقننة دستورياً بحكم نظام المحاصصة السائد في الحياة السياسية.
وإلا فلماذا هذا التحريض المسبق على المتظاهرين قبل ايام من إنطلاق التظاهرات يوم أمس 25 شباط/فبراير؟
لقد حرص المالكي شخصياً على اكتساح وسائل الإعلام بمؤتمراته الصحفية المتواصلة والإدلاء بتصريحات تُذكّر كثيراً بتلك التي ادلى بها الرئيسين المخلوعين زين العابدين بن علي وحسني مبارك قبل اقتلاعهم من عروشهم. كان المالكي حريصاً جداً وأكدّ مراراً على "قلقه" من اختراق بقايا النظام البائد من البعثيين لهذه التظاهرات.
وهذا بحدّ ذاته من أخطر التصريحات التي أدلى بها رئيس وزراء العراق المنتخب مرتّين متتاليتين ويحمل في ثناياه كمّاً هائلاً من الإدانة للمالكي شخصياً ولحكومتيه، السابقة والحالية، ولمجمل العملية السياسية. فكيف أستطاع أذناب النظام السابق من البقاء على قيد الحياة بعد ثماني سنوات من القضاء على نظامهم وكيف استطاعوا الإستمرار في التأثير على الحياة السياسية في العراق والأكثر من هذا من أين جاءتهم تلك القدرة الإستثنائية على استدعاء مئات الآلاف من المواطنين في 15 محافظة عراقية؟
يعرف السيد المالكي جيداً أن استخدامه شمّاعة البعث تارةً والإرهاب تارةً أخرى لستر عورات نظامه كان اسلوباً فاعلاً في اثارة عطف العراقيين الطيبيين الرافضين لعودة البعث شكلاً ومضموناً، فإستخدمه كعادته، ولكن فشله كان ذريعاً هذه المرّة.
لأن ادعاءه ذاك أصبح إدانة سوداء في وجه عملية سياسية، يقودها المالكي نفسه، كان أحد أهم أهدافها القضاء على البعث نظاماً وتنظيمات وفكراً. ويؤكد هذا إن المالكي وحكومتيه ونظامه فشل بالكامل في القضاء على البعث! الأمر الذي يُضاف الى سلسلة هزائمه في أكثر الملفات المطروحة أمامه ابتداءاً من الملّف الأمني مروراً بملف فضائح الفساد والتبديد المقننّ للمال العام وإنتهاءاً بملّف الخدمات.
كنّا نريد القضاء على نظام صدام حسين ومازلنا. ولكننا رأينا أمس كيف إنتصب صدام حسين من قبره وهو يقود جيوشه الزاحفة لقمع متظاهرين عزّل بنفس الطريقة الهمجية التي تعامل بها هو وجنوده مع أبطال الإنتفاضة الشعبانية المباركة عام 1991 ومع جميع التحركات الشعبية منذ أحداث خان النص حتى إلقاء القبض عليه في حفرته السيئة الصيت.
كان على دولة الرئيس المالكي أن يقوم بدلاّ من ذلك بالتأكيد على قواته المسلّحة بأن لاتكررّ ممارسات نظام صدام حسين المقبور، وأن يحافظ على جيش العراق ليكون مظلّة للعراقيين وجيشاً للدولة لالنظام القائد الضرورة الجديد كما فعل يوم أمس. فماذا فعل السيد رئيس الوزراء؟ لقد فعل العكس تماماً.
إذ أنزل الى شوارع وساحات المدن العراقية البطلة عشرات الآلاف من أفراد قوات الأمن والشرطة والجيش. وهنا يأتي مربط الفرس. فلو لم يكن السيد المالكي وأساطين حكمه يشعرون بالرعب من رياح الشعب القادمة لتكنس العصافير البليدة والغصون المتيبسة، وتبني عراقاً جديداً حقاً، لما تعكّز على الرصاص الحي وخراطيم المياه وسلاح الجوّ والقنابل الصوتية والسجون والمعتقلات والمخبرين السريين؟!
كنّا نتمنى أن يموت البعث وتتهاوى بقاياه في عراق ديمقراطي متحررّ يتقدّم بثبات دوماً الى أمام. ولكن يبدو أن أركان النظام الحالي لايريدون له ذلك. فمن جهة ينشرون الخوف من عودته ومن جهة أخرى يسلكون طريق البعث في القمع والإرهاب وتدجين القوى المعارضة والرأي الآخر وفرض سيطرة الحزب الواحد على الحكومة والدولة والمجتمع بأكمله.
يوم أمس كان الكثير من البعثيين في الشارع العراقي. ولكنهم لم يكونوا بين المتظاهرين السلميين المطالبين بحقوق الشعب المشروعة، بل بين صفوف من أطلق النار والغازات المسيلة للدموع على المتظاهرين وأمر بحرمانهم من حقوقهم الدستورية بالتعبير السلمي عن آراءهم.
في يوم الإنتفاضة العراقية المظفرة، ضد الفساد والمحاصصة والنهب والسرقة والمحسوبية وتعاطى الرشاوى، إرتفع خندق الشعب لا ليكون جزءاً من نصب الحرية فقط بل ليكون أسمى وأرقى من ذلك. ونزل أعداء الحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة والتقدم أول درجات السلّم الذي يؤدي الى الحفرة التي عثروا فيها على الدكتاتور المقبور.
قد لايرَون ذلك! وقد يكابرون، وربما سيفكرون، وهم يقترفون أكبر الخطايا إن فعلوا ذلك، أن الشعب إختارهم ليكون قادته الأبديين.
أما نحن فنراهم وهم يتهاوون كتماثيل الخزف، قطعة تلوّ قطعة وجزءاً بعد آخر، في عاصفة الغضب الشتائي العراقيّ الذي لم نرَ يوم 25 شباط سوى بدايته.


سعد الشديدي

السبت، ديسمبر 18، 2010

بين الأرهابي تيمور والسفاح تيمورلنك


قبل بضعة أشهر خرج وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت الى شوارع ستوكهولم وفي يده حصّالة صغيرة لجمع التبرعات لحساب ضحايا الفياضات المدمرة في باكستان.
مشهد قد يبدو غريباً في بلداننا.. أن يخرج وزير، أي وزير، ليشارك في حملة تبرعات للأعمال الخيرية. ففي بلداننا يجلس الوزراء في مكاتبهم الموغلة في الفخامة ويجمعون الأموال لحسابهم الخاص وليس لحساب أحد آخر.
لكن وزير الخارجية السويدي، وهو بالمناسبة قائد سابق لحزب المحافظين السويدي ورئيس وزراء سابق وشخصية دبلوماسية عالمية ذات سجل حافل بالنشاط الدبلوماسي على الصعيد الدولي إذ أسند اليه الإتحاد الأوربي مهمة الوساطة في حرب يوغسلافيا السابقة 1995، ومهمة رئاسة الممثلية الدولية في البوسنة لمدة سنتين، لم يجد ضيراً في الخروج الى الشارع لجمع التبرعات لضحايا كارثة طبيبعية حصلت في بلد مسلم يقع على بُعد آلاف الأميال من بلاده.
فيما كان كارل بيلدت يقف بقامته العالية في ستوكهولم ويتجول بين الشوارع والساحات بين آلاف المارّة الذين لم يستغربوا أو يجدوا غظاظة فيما يحدث أمامهم سوى عدد قليل من الشرق الأوسطيين الذين صدمهم المشهد، كان شاب من أصل – يُقال أنه عراقي – يجلس في الظلام ليخطط لعملية تفجير ارهابية تُنفّذ على مقربة من الشوارع التي كان كارل بيلدت يجمع فيها التبرعات لمسلمي باكستان.
هذا الشاب الذي لم يبلغ الثلاثين من العمر جاء السويد كلاجئ وهو مازال طفلاً. هربت عائلته – التي يُقال أنها عراقية – من جحيم الحروب والحصارات أو لأسباب أخرى لايعلمها سوى الشيطان. فتحت السويد له ذراعيها ومدارسها ومستشفياتها وساحات لعبها وشواطئها وغاباتها ومنحته شعوراً بالآدمية لو شعر به هو أو أهله في وطنهم لما غادروه. درس بالمجّان على حساب السويد وشعبها، عولج بالمجان في مستشفياتها ومراكزها الصحية طوال تلك السنين وكان بإمكانه الدراسة في جامعات السويد التي تُعد من أفضل جامعات العالم مجاناً إلا أنه فضّل السفر والدراسة في بريطانيا فحصل على قرض دراسي من الدولة السويدية ودُفعت له جميع تكاليف الدراسة في الجامعة البريطانية التي اختارها. كل ذلك على حساب السويد وشعبها. والأكثر من ذلك منحته السويد – وعائلته – جنسيتها وجواز سفرها الذي يستطيع السفر به عبر ثلاثة أرباع بلاد هذا الكوكب دون الحاجة لتأشيرات دخول.
مع كل هذا جلس هذا الشاب الذي أتضح أن أسمه تيمور وليس في رأسه سوى شئ واحد هو أن ينتقم. ولكن ينتقم ممن ولماذا؟ ماذا لو كان هذا التيمور الذي يذّكر أسمه بتيمورلنك أحد أكبر سفاحي التاريخ الذين قتلوا من العراقيين ما عجز المؤرخون عن احصاءه، عاش في بلد لم يمنحه ما منحته له السويد طفلاً ومراهقاً وشاباً؟ ماذا لو عاش في بلده الذي هرب منه مع عائلته في ليلة سوداء وتجرّع مرارة الذلّ وهوان الجلوس على مقاعد المدارس في أيام الشتاء القاسية وهو يترجف برداً؟ كيف كان رد فعله لو تلقى كل أنواع الإهانات من معلميه ومدراءه ورؤسائه في العمل طوال حياته؟ ماذا لو ذاق طعم الجوع المرّ ومدّ يده في شوارع بلاده التي أتى منها ليحصل على لقمة عيشه؟ وماذا كان فعل وهي يتلظى عند انقطاع التيار الكهربائي في عزّ الصيف اللاهب؟
هذا التيمورلنك القزم لم يذق كل هذا ولم يره ولم يشعر به لأنه كان يعيش في واحد من أفضل بلدان العالم في مستوى المعيشة والخدمات واحترام حقوق الانسان. وعندما تزوّج ورزق أطفاله الثلاثة لم يسهر الليالي ليفكر بمستقبلهم لأن الدولة التي عزم على تدميرها ضمنت له ولهم مستقبلاً واعداً كغيرهم ممن يعيشون في هذه البلاد.
بين موقف كارل بيلدت الذي خرج من مكتب وزير الخارجية الى الشارع لجمع تبرعات لمسلمي باكستان وتيمورلنك القزم الذي كان يحسب أنه يتحدث بإسم مسلمي السويد بون أكبر من شاسع. أنه الفرق بين العقل والجنون، بين الشمعة التي تضئ والريح التي تحاول اطفاءها، بين من ينتمي الى الحياة وذلك الذي لايريد سوى الإنتماء الى عالم الموت.
سأشعر بالكثير من الخجل اذا تأكد أن ذلك الإرهابي تيمور عبد الوهاب العبدلي عراقي بالفعل. ولكنني أشك وأشكك بعراقيته فالعراقيين يملؤون بلدان العالم وهم يحملون معهم أينما حلّوا شمس السومريين وينثرون جمال عشتار البابلية على طرقات وبيوت المدن التي إستضافتهم الى حين عودتهم الى وطنهم بسلام ولو بعد حين، ويمنحون لمن حولهم إيمان علي بن أبي طالب (ع) وحكمة فلاسفة العراق عبر العصور وأروع الملاحم والقصائد التي خطتها أقلامهم من يوم أن كُتبت أول الكلمات على رقيم من طين الجنوب العراقي.
أما ظلام تيمور هذا الزمان وتيمورلنك القادم من الحقبة المظلمة وآلهتهما الدموية التي تعشق رائحة الدم البشري ويُسعدها منظر الأجساد المتناثرة على الجدران فبعيد عن ديانات العراقيين ومعتقداتهم وثقافتهم وتفصله عن العراق وشعبه نفس المسافة التي تفصله عن وزير خارجية السويد كارل بيلدت الذي خرج الى الشوارع ليجمع التبرعات لمسلمي باكستان.

سعد الشديدي

الخميس، ديسمبر 16، 2010

الهجرة الى الحسين


مباركة أيامك كلها. من لحظة خُلقتَ في أحشاء الغيب الى ساعة سقطتَ مضرجاً بدم تلوّنتْ به صفحة سماواتنا حتى يومنا هذا. ومباركة كلماتك. تلك التي حملناها بعدك في وديان الأزمنة وعبرنا بها حدود الوجود بإنتظار عودة الراية-الفكرة.
أنت الأسم، الصرخة والوعد.. ويد النور التي أعادت الحقيقة الى نصابها ومنحتها روحها وعنوان صيرورتها.
قبل أن تشرق شمس هذا اليوم ستسيقظ طيور المدن والبراري لتنشدَ بصمت غامر أغاني عزاءك، وتخبر غابات النخيل وشطآن القصب أنك أرتفعت في علياءك كما كل عام وأن زمن الهجرة اليك باقٍ ما بقيتْ أرض تدور وبشرٌ يخرجون من الغياب وإليه يعودون.
التراب الذي نسير عليه اليوم، هو ذات التراب الذي سارت عليه أقدامك المباركة وأقدام أخوتك وبنيك وصحبك، سيعود في رحلة الزمن وربما ستأخذه دهشة اللحظة المستوية بأن وقع أقدامنا ليس بثبات أقدامك وسيسأل إن كنّا سائرين من أجلك وتحت رايتك أم من أجل ووراء رايات وغايات أخرى!
الظلام الذي يلّف مواكبنا سيطيل النظر ويحاول أن يكون أكثر رأفة بالسائرين، من أجلك أنت لا من أجلنا، لأننا تعودنا الظلمة التي أنفتَ أنت الحياة فيها، حتى أننا لم نعد نفرّق بينها وبين نور شهادتك. لم نعد نفرّق ونحن في غيهب العتمة بين رايتك ورايات غيرك. وفي ضوضاء عصرنا لم نعد نسمع صوتك الذي أخفته بحنكة ودراية ومكر أصوات المتسلقين على صدرك الذي هشمته سنابك الخيل وجنازير الدبابات.
صوتك أمسى راية وأصواتنا قصاصات ورق.
لكنّ دمك، ذلك الذي حملَ شعار مجدك، لما يزل برهانٌ على حضورك المتأصل بيننا. فيالهُ من دمّ لم يجفّ تحت شمسٍ حارقةٍ نشفَ من صيهودها فراتٌ ودجلة. ويالهُ من لون تتصاغر في حضرته ألوان قوس قزح في أسمى بهاءه.
رايتك صارت اُفقاً مستعراً بكل احتمالات الإنتصار، وراياتنا تتوزعها رياح المشاريع الملتبسة وأعلام الأحزاب والطوائف
التي تتناسل كالكائنات البدائية في أعماق البحر، وفي كل خطوة نخطوها تنآى أقدامنا أميالاً عن سبيلك، فهلا لك مولاي وأبي أن تعيد لنا البوصلة التي أضعناها في عراقك الذي توجهتَ اليه موكباً وفكراً وحضوراً وثورة.
كل عام نسير الى كربلاءك.. لنستحضر كربلاءاتنا. مسيراتٌ موشّاة بلون حزنك وغامرة بشعاع أملٍ أطلقته شرارات خطواتك الواعدة. أي جبل أنت؟ وأي كوكب دريّ يتألق أبداً في سماواتنا؟ وأي أنفاس زرعتَها في صدورنا فإستعصى على شياطين الحقبِ والعصور حصادها؟ وأي عراقٍ هذا الذي باركتَه حين سقطتَ على ترابه فإرتفع بك واليك؟
أأنت العراق أم هو أنت؟ أم أنت كلاكما؟
السيوف والخناجر والطائرات والمجنزرات تدوس صدر عراقك كما داست صدرك من قبل. وعالم كامل العديد والعدّة يقف صامتاً بإنتظار سقوطه تماماً كما كان واقفاً بإنتظار سقوطك عن ظهر جوادك أيها الفارس، القائد، الشبلُ والطوفان المُنتظر. السكين جاهزة لذبحه كما ذبحتك مولاي. وعبيد الله بن زياد تناسخ في أشكالٍ وصور وأسماء. وهو جاهز بدنانيره ودولاراته لينثرها على الرؤوس فينفضّ الجمع كما أنفّضوا عنك.
لكنه ويزيده، الجالس في قصره المحميّ جيداً، يعرفان أن صوتك واصل لامحالة وأن صلاتك المعمّدة بالدم العابرِ أوردةَ الرجال وقلوبَ النساء والأطفال - من وُلدوا منهم ومن سيولدُ غداً أو بعده - ستُتلوها الشفاه المتطلعة الى آية مجدك وقدوم رايتك. وأن هناك من سيقول لا لمن يريدون أن يحولوا رايتك الى شراشف لموائدهم، وحقائب أنيقة لشهاداتهم المزوّرة وصفقاتهم النتنة، وأربطة لأعناقهم وحمالات لصدور نساءهم.
هذا اليوم، نسير نحوك مولاي وأبي ولاندري أن كنّا في طريقنا اليك أم اليهم!
كن شمسنا وخارطتنا وكتابنا الذي نتلوه في صلواتنا بل كن صلاتنا وِتراً وشفعاً. كن طريقنا الذي لا نحيد عنه وغايتنا. كن وطننا.. وليكن وطننا أنت. فماذا سنفعل أن غبت عن العراق أو غاب العراق عنك؟

سعد الشديدي

الأحد، ديسمبر 12، 2010

الثورة الإيرانية تدّق أبواب العراقيين؟!



مايجري اليوم في بغداد وبقية المدن العراقية يذكّر كثيراً بالأشهر الأولى التي تلت انتصار الثورة الإسلامية في ايران نهاية سبعينات القرن الماضي.
فالحراك الواسع من قبل قوى سياسية عراقية ترفع راية الإسلام لفرض بعض المفاهيم والممارسات وإقتلاع أخرى، يشبه ذلك الذي رأيناه عشية انتصار الثورة الإسلامية في ايران. ومحاولات فرض الشعار والممارسة الدينية لايختلف عن ذلك الذي تمّ قبل أكثر من ثلاثين عاماً ليس في ايران وحسب بل في دول المنطقة الأخرى.
في تلك الأيام كنت قد حللت لتويّ ضيفاً على مدينة بيروت الغربية هارباً من حملة ابادة منظمة قامت بها الأجهزة الأمنية والحزبية التابعة لنظام صدام حسين المقبور استهدفت قوى يسارية واسلامية عراقية.
مأخوذاً بالهامش الكبير الذي تمنحه بيروت للثقافة بكل أشكالها وبالصدمة التي أحدثته الحرية الواسعة للخارج من سجن نظام الحزب الواحد انكببتُ على قراءة كل ما وقع بيدي من صحف ومجلات وكتب ومنشورات وفتحتُ عينيّ على أوسع المساحات التي يمكن للعين البشرية أن تغطيها.
كنت شاهداً على ايام عصفت بالثورة وكادت أن تودي بها، وعلى الدعم الشعبي الكبير الذي لاقته آنذاك في صفوف القوى والأحزاب السياسية حتى أكثرها يسارية وعلمانية، ناهيك عن القوى الإسلامية - الشيعية والسنية على حدّ سواء - التي كانت تبحث عن موطئ قدم لها في غابة السياسة العربية آنذاك.
عشت، بمساعدة الصحافة اللبنانية والكم الهائل من الصور والأخبار المنشورة، أيام انتصار الثورة وعودة آية الله الخميني من منفاه الباريسي والاستقبال الذي حضيّ به في طهران، والحركة السياسية المحمومة التي شهدتها شوارع وساحات المدن الإيرانية في الأسابيع التالية. ثمّ الأشهر التي أعقبت ذلك كلّه.
القوى الشيعية في لبنان رأت في الثورة مصباح أمل لها وتحركت بسرعة وفعالية لإعادة تشكيل صفوفها من خلال حركة المستضعفين التي اسسها الإمام موسى الصدر قبل إختفاءه الغامض. وبدأتْ وفي تنظيم عالي المستوى بمهاجمة الحانات والبارات والمقاصف وبيوت اللهو في بيروت الغربية والمدن اللبنانية الأخرى، في محاولة جادّة لتطبيق الشريعة الإسلامية في مناطق تواجدها. وأستمرت تلك الحملة لأسابيع ثم خفتت فجأة وعادت الأمور الى نصابها الأول.
ولم يكن مرّد ذلك تخلّي القوى الإسلامية اللبنانية عن شعار تطبيق الشريعة بل الى أسباب أخرى منها أن الأمر والنهي في مناطق ما كان يسمى حينذاك بالحركة الوطنية اللبنانية كان لمنظمة التحرير الفلسطينية وقوى علمانية لبنانية ربما شعرت بخطورة تنامي الحركات والأحزاب الاسلامية فعملت مابوسعها وبطريقتها الخاصة لصدّ المدّ الإسلامي الآتي من ايران.
أعود الى تلك الأيام لأرى أيضاً أن جميع دول المنطقة تأثرت بشكل أو آخر بالزلزال الذي أحدثته الثورة الايرانية، سوى دولة واحدة هي العراق. رغم أن العراق كان لسنوات طويلة الحاضنة الرئيسية لقيادة تلك الثورة. وكانت مدن النجف وكربلاء ربما هي المدن التي انطلقت منها أولى نداءات الثورة الإسلامية مخترقة الحدود نحو ايران، وعلى أرضها تمّ تصفية بعض قيادات الثورة عن طريق الإغتيالات والتصفيات المنظمة.
رغم هذا كلّه بقيّ العراق خارج حدود التأثير الكبير الذي أحدثته الثورة الإسلامية وطال جميع دول المنطقة حتى أكثرها بُعداً من الناحية الجغرافية.
حاول نظام الطاغية صدام حسين، بشكل وحشي كعادته، كسر أولى أمواج البحر الغاضب التي وصلت الى العراق، عند اعتقاله آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر ومناصريه ومن ثمّ أعدام الشهيد الصدر الأول وعدد كبير من مناصريه وتلامذته ومؤيديه. في نفس التوقيت بدأ أزلام المقبور صدام حسين حملة واسعة لتصفية كل من يُشكّ بتأييده للثورة الايرانية في العراق. ثمّ سرعان ما اندلع لهيب الحرب العراقية الإيرانية التي إستمرت على امتداد ثماني سنوات وأتت على الأخضر واليابس في البلدين.
خلال سنوات الحرب كان من الممنوعات – بل من المحرمات - الحديث عن ايران وثورتها إلا بالشكل الذي يُرضى نظام العفالقة المقبور وكانت أجهزة إعلام النظام تفعل ما بوسعها لعزل العراقيين عن التطورات التي شهدتها المنطقة بأسرها وطالت من بين ما طالت البنى السياسية في ما يسمى بمنظومة الأمن العربي، وأفرزت رؤى وتحالفات جديدة.
كانت وسائل اعلام النظام الصدّامي تسوّق صورة كاريكاتيرية عن إيران وقياداتها، معبأة بالكثير من الأكاذيب وأنصاف الحقائق. حتى الحقائق التي لم يكن من البدّ الحديث عنها كانت وسائل اعلام النظام المقبور تعمد الى قلبها أو وضعها في سياقات غريبة عنها. لقد حاول النظام المقبور منع كل التأثيرات القادمة من وراء الحدود الشرقية للبلاد وكأنه يحاول اخراج العراق من دائرة الحدث والتفاعلات التاريخية معه. ولكن يبدو أن الوضع كان أكثر تعقيداً مما تصورته قيادات ذلك العهد الساذجة ولهذا باءت تلك المحاولات بالفشل.
ففي تلك الفترة على وجه التحديد تفاعلت مجتمعات ودول المنطقة، كلّ بطريقته الخاصة، مع الثورة الايرانية والنتائج التي تمخضت عنها.. سوى مجتمع واحد ودولة واحدة هي العراق. إذ تمّ تحريم ومنع أي حوارات أو دراسات أو تحليلات تتعلق بالثورة الإيرانية إلا من باب واحد هو الباب الذي كان النظام المقبور يسمح به. وفي الحين الذي أمتصت جميع المجتمعات والدول ما جاءها من ايران وأخذت ما أرادت ولفضت ما رفضت وتحصنت أو تفاعلت ايجابياً ضدّ أو مع أفكار الثورة الإيرانية، بقيّ المجتمع العراقي في كرسي المتفرج. فلاهو تفاعل إيجابياً وبشكل طبيعي مع أفكار الثورة ومبادءها وأحداثها ولا هو حصل على اللقاح الذي قد يجنبه "عدوى" الإصابة المحظورة.
هكذا أصبح المجتمع العراقي – بجميع بناه وهياكله – مشلولاً في جانب تحديد موقف صحيح من حدث كبير كان له تأثيرات هائلة على جميع دول المنطقة والتفاعل معه سلباً أو ايجاباً. وربما لهذا السبب مازال المجتمع العراقي يتعامل مع شعارات الثورة الإسلامية من زاوية العواطف وليس من الزاوية الواقعية وبذات المستوى الذي تتعامل به بقية دول المنطقة مع شعارات ورؤى ودولة الثورة الإسلامية في ايران. فالحواضن المؤيدة للثورة الإيرانية في العراق تسعى جاهدة، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على انتصار الثورة، الى اعادة تجربة الثورة في ايامها الأولى ناسية أن ايران نفسها تجاوزت الكثير من تلك الشعارات والرؤى وتركت البعض الآخر وراءها لإستحالة التوفيق بين الديني والسياسي في بعض الأحيان، ومازالت ترى في الدولة الإسلامية في ايران دولة ذات طبيعة مقدسّة واجبة الطاعة.
ما يجري اليوم في العراق قد يكون طبيعياً طبقاً لهذا السياق ويذكّر بمحاولات الحركات الاسلامية اللبنانية، مثلاً، بُعيد انتصار الثورة الايرانية عندما عمدت الى اغلاق الحانات ومحلات اللهو في بيروت. ما يلفت الانتباه هنا هو أن أكثر الحركات والأحزاب اللبنانية الشيعية تشدداَ لم تعدّ تضع الآن هكذا ممنوعات في سلّم أولوياتها.
مايحدث الآن في العراق لايخلو من خطورة على العملية السياسية الوليدة، التي مازالت تسير على حبل رفيع وموازنات دقيقة وعلى الوضع الديمقراطي الهشّ الذي أنتج هذه العملية السياسية.
في وضع ملتبس كهذا لابدّ للعراقيين أن يختاروا بين دولة اسلامية محافظة أو ديمقراطية تتبنى التعددية والإنفتاح على الآخر. الإيرانيون سبقونا في هذا منذ ثلاثين عاماً وقرروا في استفتاء شعبي عام شكل دولتهم التي يرغبون. أليس من الواجب علينا نحن أيضاً أن نفكر بالمرور بتجربة الإستفتاء الشعبي لنحدد شكل ومحتوى الدولة العراقية الجديدة؟
هل نريد: جمهورية العراق الإسلامية أم جمهورية العراق الديمقراطية؟
سؤال علينا أن نجيب عليه بسرعة دفعاً لأي احتقانات ومواجهات نحن في العراق لسنا بحاجة اليها الآن على وجه التحديد.

سعد الشديدي