الاثنين، يوليو 13، 2009

لنعتذر لضحايا ثورة 14 تموز

عام آخر وتموز قادمٌ جديد، كأنه تموز الذي مضى. ذات الشمس ورمضاء البراري القاحلة، وذات النخيل المزيّن بعذوق الرطب الأصفر، يتدلى ناثراً ضوعاً تحمله الطيور الى شبابيكنا وأسرّة نومنا. من قال إن الزمن يتغير وإن الفصول تجري ونحن نجري وراءها؟
فقد كان الحال ذاته قبل واحد وخمسن عاماً بالضبط. يوم إنطلقت رصاصات ثورة كان يمكن لها أن تكتب فصلاً جديداً في تاريخ العراق منذ فجر السلالات حتى هذا العصر, لولا إنها جاءت في لحظة كان التاريخ فيها يهتز على خيط ٍ أبيضٍ رفيع. فتعثرت منذ أيامها الأولى. كان لها أن تجعل تموز شيئاً آخر وأن تنهض به من عالمه السفليّ وتنصبّه ملكاً على أشهر العام، ولكنها إنكسرت وهي بعدُ صبية.
الثورة، اولاً وأخيراً، هي من قام بها، هي الشعب بجيشه وأحزابه وطبقته الوسطى وفلاحيه الفقراء ومثقفيه وعمّاله الذين لم يكونوا يشكلّوا طبقة واضحة المعالم حينذاك، ومازالو ربما. ويخبرنا التاريخ بأننا لانجيد فن الثورة، لذلك أنقلب تموز من عرس إلى مآتم لم تنته بعد. ربما لأننا كنا خارج لعبة التاريخ لزمن طويل جداً، أو لأن أحلامنا كانت أكبر من أن يحتضنها الواقع وترضعها شروطه القاسية لتصبح فيما بعد حقائق تقف على الأرض. أو ربما لأننا حاولنا السير على طريق الثورة الفرنسية التي إندلعت هي الأخرى في نفس اليوم والشهر ولكن قبل سنين وسنين من ثورتنا!! ما نعرفه هو إننا لم نرَ مشروعاً حضارياً كمشروع الثورة الفرنسية إنتصر في نهاية الأمر ليكون ملهماً لشعوب العالم التي أنتهجته فيما بعد. قلّد الآخرون ثورة 14 تموز الفرنسية في بعدها الحضاري وبناء دولة المواطنة أما نحن فقلدناها في عدد المقاصل التي إنتصبت وقطعت رؤوس المواطنين، وربما تجاوزت تلك التي نصبها رجال الثورة الفرنسية بعضهم لبعض ولغيرهم من أعداء الثورة وأنصارها.

يحدثنا التاريخ بأن أيام الأولى للثورة، والتي يُفترض أن تكون بوابتنا الى عهدٍ جديد تؤدي بنا الى حقبة أفضل من سابقتها، مليئة بصور المشانق التي إنتصبت في شوارع بغداد. الملك الشاب الذي أنقلب عليه جيشه أصبح هدفاً لرصاص لثوار سوية مع أفراد عائلته رجالاً ونساءاً. نسينا إننا أعطينا عهداً لجدّه الشريف حسين ملك الحجاز بأن لانقتل أحداً من العائلة الهاشمية. عندما ذهب وفد العراق الى الحجاز طالبين من الشريف حسين أن يسمح لهم بتتويج إبنه الشاب فيصل ملكاً عليهم، تردد الرجل وأسرّ لهم بأنه يخاف أن يفعل العراقيون بفيصل ما فعلوه بجدّه الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) فأقسموا له أن هذا لن يحصل. أحسب أن ذلك الوعد لا يشمل فيصلاً وحده بل يشمل أبناءه وأحفاده أيضاً. ولكننا أخلفنا بوعدنا. لم نقتل فيصل الأول ولكننا قتلنا فيصل الثاني. هل كان تردد الشريف حسين ملك الحجاز نبوءةً من نوع خاص؟
لم تقتصر مقاطع القصة على قتل الملك الشاب وعائلته بل تجاوزتها الى رجالات ذلك العهد. وعلى رأسهم نوري السعيد وصالح جبر. اليوم بتنا نعرف جيداً أن نوري السعيد كان أكثر شرفاً ووطنية من كثير من رجال الدولة التي تعاقبوا على الحكم بعده مقتله، وكان أكثر مقدرة على تحريك خيوط اللعبة السياسية من جميع رؤوساء الوزارات الذين جلسوا على كرسيه فيما بعد. لم نكتف بقتل هذا السياسي العراقي الذي لم يترك وراءه حساباً مصرفياً ولا قصراً ولا بساتيناً وأملاكاً له أو لأحد أفراد عائلته بل قمنا بالتمثيل بجثته هو وصالح جبر الذي قطعت الجماهير "الثائرة" يده التي وقّع بها على معاهدة بورتسموث مع بريطانيا. المضحك المبكي إننا عدنا بعد ستين عاماً لنعقد معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية لاتختلف كثيراً عن تلك التي وقعهّا صالح جبر مع بريطانيا.

ويستمر التاريخ ليحدثنا أن الجماهير قتلت من قتلت. هناك من يقول بأن المشانق كانت تنتشر في شوارع بغداد، ولا ندري إن كان ذلك حقاً أم إفتراءاً على الثورة! ولكن الأكيد أن عدداً من رجال الحكم الملكي تمّ سحلهم في الشوارع. من كانوا وما هي أسماؤهم وكم عددهم؟ هل تصدّى الباحثون لأماطة اللثام عن صفحات من كتاب ثورة تموز في أيامها الأولى لانريد لها أن تظهر الى النور؟ هل نخجل من ذلك كله ولانريد أن نتذكره؟

اليوم يكون قد مرّ واحدٌ وخمسون عاماً على ثورة العراقيين في 14 تموز. ولكي نعيد الثورة الى طريقها الذي كان مقرراً لها أن تسير فيه أعتقد إن علينا أولاً الإعتذار لضحايا الثورة، لملك العراق الشاب فيصل بن غازي بن فيصل بن الحسين (رحمه الله) ولأفراد عائلته من الأطفال والنساء الذين قتلوا معه ذلك اليوم. ولرجال الدولة العراقية، رغم كل إخطاءهم وحماقاتهم، من الذين قتلناهم ومثلنا بجثثهم في شوارع بغداد. ونعتذر لبغداد التي أفاقت على لون الدم ورائحته في شوارعها وساحاتها. للعراق الذي لم يعد كما كان وفاض فيه أكثر من طوفان للدمّ والموت بعد أن أصبح الموت والمشانق وسحل الموتى والأحياء مرادفاً للشعور بالحرية. ولكن هل لنا قبل كلّ ذلك أن نعتذر لأنفسنا لأننا دخلنا في مغارة لم نخرج منها بعد وتعودنا تصفية خصومنا دون أن نشعر حتى بالذنب؟ وأعتذارنا هذا ليس إعتذاراً لأشخاص بل إدانة لنهج دموي أصبح قانوناً يحكم حياتنا السياسية وهاجساً دائماً لايريد أن يفارق نخبنا السياسية، أو ربما لايريدون هم مفارقته، منذ ذلك الحين.
تموز يأتي ككلّ عام، ولكي لانجعله يمرّ كما كان يفعل دائماً قد يكون من الضروري لمن يريد أن يفتح كتاب الثورة، أن يقرأه بتؤدة وببعض من هدوء ويقول بصوت عالٍ، لا بأس أن يسمعه الجيران والمارّة، بأن علينا أن نعتذر للثورة عما فعلنا بإسمها وللضحايا الذين سقطوا فداءاً لها، وللعراق الذي أسئنا إليه ولأنفسنا لإننا إعتقدنا إن الثورة هي المقصلة فحسب ونسينا الإنسان: هدف الثورة ومشروع التغيير، وما زلنا ندفع ثمن ذلك حتى اليوم.

سعد الشديدي

gelgamesh2000@hotmail.com