السبت، ديسمبر 18، 2010

بين الأرهابي تيمور والسفاح تيمورلنك


قبل بضعة أشهر خرج وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت الى شوارع ستوكهولم وفي يده حصّالة صغيرة لجمع التبرعات لحساب ضحايا الفياضات المدمرة في باكستان.
مشهد قد يبدو غريباً في بلداننا.. أن يخرج وزير، أي وزير، ليشارك في حملة تبرعات للأعمال الخيرية. ففي بلداننا يجلس الوزراء في مكاتبهم الموغلة في الفخامة ويجمعون الأموال لحسابهم الخاص وليس لحساب أحد آخر.
لكن وزير الخارجية السويدي، وهو بالمناسبة قائد سابق لحزب المحافظين السويدي ورئيس وزراء سابق وشخصية دبلوماسية عالمية ذات سجل حافل بالنشاط الدبلوماسي على الصعيد الدولي إذ أسند اليه الإتحاد الأوربي مهمة الوساطة في حرب يوغسلافيا السابقة 1995، ومهمة رئاسة الممثلية الدولية في البوسنة لمدة سنتين، لم يجد ضيراً في الخروج الى الشارع لجمع التبرعات لضحايا كارثة طبيبعية حصلت في بلد مسلم يقع على بُعد آلاف الأميال من بلاده.
فيما كان كارل بيلدت يقف بقامته العالية في ستوكهولم ويتجول بين الشوارع والساحات بين آلاف المارّة الذين لم يستغربوا أو يجدوا غظاظة فيما يحدث أمامهم سوى عدد قليل من الشرق الأوسطيين الذين صدمهم المشهد، كان شاب من أصل – يُقال أنه عراقي – يجلس في الظلام ليخطط لعملية تفجير ارهابية تُنفّذ على مقربة من الشوارع التي كان كارل بيلدت يجمع فيها التبرعات لمسلمي باكستان.
هذا الشاب الذي لم يبلغ الثلاثين من العمر جاء السويد كلاجئ وهو مازال طفلاً. هربت عائلته – التي يُقال أنها عراقية – من جحيم الحروب والحصارات أو لأسباب أخرى لايعلمها سوى الشيطان. فتحت السويد له ذراعيها ومدارسها ومستشفياتها وساحات لعبها وشواطئها وغاباتها ومنحته شعوراً بالآدمية لو شعر به هو أو أهله في وطنهم لما غادروه. درس بالمجّان على حساب السويد وشعبها، عولج بالمجان في مستشفياتها ومراكزها الصحية طوال تلك السنين وكان بإمكانه الدراسة في جامعات السويد التي تُعد من أفضل جامعات العالم مجاناً إلا أنه فضّل السفر والدراسة في بريطانيا فحصل على قرض دراسي من الدولة السويدية ودُفعت له جميع تكاليف الدراسة في الجامعة البريطانية التي اختارها. كل ذلك على حساب السويد وشعبها. والأكثر من ذلك منحته السويد – وعائلته – جنسيتها وجواز سفرها الذي يستطيع السفر به عبر ثلاثة أرباع بلاد هذا الكوكب دون الحاجة لتأشيرات دخول.
مع كل هذا جلس هذا الشاب الذي أتضح أن أسمه تيمور وليس في رأسه سوى شئ واحد هو أن ينتقم. ولكن ينتقم ممن ولماذا؟ ماذا لو كان هذا التيمور الذي يذّكر أسمه بتيمورلنك أحد أكبر سفاحي التاريخ الذين قتلوا من العراقيين ما عجز المؤرخون عن احصاءه، عاش في بلد لم يمنحه ما منحته له السويد طفلاً ومراهقاً وشاباً؟ ماذا لو عاش في بلده الذي هرب منه مع عائلته في ليلة سوداء وتجرّع مرارة الذلّ وهوان الجلوس على مقاعد المدارس في أيام الشتاء القاسية وهو يترجف برداً؟ كيف كان رد فعله لو تلقى كل أنواع الإهانات من معلميه ومدراءه ورؤسائه في العمل طوال حياته؟ ماذا لو ذاق طعم الجوع المرّ ومدّ يده في شوارع بلاده التي أتى منها ليحصل على لقمة عيشه؟ وماذا كان فعل وهي يتلظى عند انقطاع التيار الكهربائي في عزّ الصيف اللاهب؟
هذا التيمورلنك القزم لم يذق كل هذا ولم يره ولم يشعر به لأنه كان يعيش في واحد من أفضل بلدان العالم في مستوى المعيشة والخدمات واحترام حقوق الانسان. وعندما تزوّج ورزق أطفاله الثلاثة لم يسهر الليالي ليفكر بمستقبلهم لأن الدولة التي عزم على تدميرها ضمنت له ولهم مستقبلاً واعداً كغيرهم ممن يعيشون في هذه البلاد.
بين موقف كارل بيلدت الذي خرج من مكتب وزير الخارجية الى الشارع لجمع تبرعات لمسلمي باكستان وتيمورلنك القزم الذي كان يحسب أنه يتحدث بإسم مسلمي السويد بون أكبر من شاسع. أنه الفرق بين العقل والجنون، بين الشمعة التي تضئ والريح التي تحاول اطفاءها، بين من ينتمي الى الحياة وذلك الذي لايريد سوى الإنتماء الى عالم الموت.
سأشعر بالكثير من الخجل اذا تأكد أن ذلك الإرهابي تيمور عبد الوهاب العبدلي عراقي بالفعل. ولكنني أشك وأشكك بعراقيته فالعراقيين يملؤون بلدان العالم وهم يحملون معهم أينما حلّوا شمس السومريين وينثرون جمال عشتار البابلية على طرقات وبيوت المدن التي إستضافتهم الى حين عودتهم الى وطنهم بسلام ولو بعد حين، ويمنحون لمن حولهم إيمان علي بن أبي طالب (ع) وحكمة فلاسفة العراق عبر العصور وأروع الملاحم والقصائد التي خطتها أقلامهم من يوم أن كُتبت أول الكلمات على رقيم من طين الجنوب العراقي.
أما ظلام تيمور هذا الزمان وتيمورلنك القادم من الحقبة المظلمة وآلهتهما الدموية التي تعشق رائحة الدم البشري ويُسعدها منظر الأجساد المتناثرة على الجدران فبعيد عن ديانات العراقيين ومعتقداتهم وثقافتهم وتفصله عن العراق وشعبه نفس المسافة التي تفصله عن وزير خارجية السويد كارل بيلدت الذي خرج الى الشوارع ليجمع التبرعات لمسلمي باكستان.

سعد الشديدي

الخميس، ديسمبر 16، 2010

الهجرة الى الحسين


مباركة أيامك كلها. من لحظة خُلقتَ في أحشاء الغيب الى ساعة سقطتَ مضرجاً بدم تلوّنتْ به صفحة سماواتنا حتى يومنا هذا. ومباركة كلماتك. تلك التي حملناها بعدك في وديان الأزمنة وعبرنا بها حدود الوجود بإنتظار عودة الراية-الفكرة.
أنت الأسم، الصرخة والوعد.. ويد النور التي أعادت الحقيقة الى نصابها ومنحتها روحها وعنوان صيرورتها.
قبل أن تشرق شمس هذا اليوم ستسيقظ طيور المدن والبراري لتنشدَ بصمت غامر أغاني عزاءك، وتخبر غابات النخيل وشطآن القصب أنك أرتفعت في علياءك كما كل عام وأن زمن الهجرة اليك باقٍ ما بقيتْ أرض تدور وبشرٌ يخرجون من الغياب وإليه يعودون.
التراب الذي نسير عليه اليوم، هو ذات التراب الذي سارت عليه أقدامك المباركة وأقدام أخوتك وبنيك وصحبك، سيعود في رحلة الزمن وربما ستأخذه دهشة اللحظة المستوية بأن وقع أقدامنا ليس بثبات أقدامك وسيسأل إن كنّا سائرين من أجلك وتحت رايتك أم من أجل ووراء رايات وغايات أخرى!
الظلام الذي يلّف مواكبنا سيطيل النظر ويحاول أن يكون أكثر رأفة بالسائرين، من أجلك أنت لا من أجلنا، لأننا تعودنا الظلمة التي أنفتَ أنت الحياة فيها، حتى أننا لم نعد نفرّق بينها وبين نور شهادتك. لم نعد نفرّق ونحن في غيهب العتمة بين رايتك ورايات غيرك. وفي ضوضاء عصرنا لم نعد نسمع صوتك الذي أخفته بحنكة ودراية ومكر أصوات المتسلقين على صدرك الذي هشمته سنابك الخيل وجنازير الدبابات.
صوتك أمسى راية وأصواتنا قصاصات ورق.
لكنّ دمك، ذلك الذي حملَ شعار مجدك، لما يزل برهانٌ على حضورك المتأصل بيننا. فيالهُ من دمّ لم يجفّ تحت شمسٍ حارقةٍ نشفَ من صيهودها فراتٌ ودجلة. ويالهُ من لون تتصاغر في حضرته ألوان قوس قزح في أسمى بهاءه.
رايتك صارت اُفقاً مستعراً بكل احتمالات الإنتصار، وراياتنا تتوزعها رياح المشاريع الملتبسة وأعلام الأحزاب والطوائف
التي تتناسل كالكائنات البدائية في أعماق البحر، وفي كل خطوة نخطوها تنآى أقدامنا أميالاً عن سبيلك، فهلا لك مولاي وأبي أن تعيد لنا البوصلة التي أضعناها في عراقك الذي توجهتَ اليه موكباً وفكراً وحضوراً وثورة.
كل عام نسير الى كربلاءك.. لنستحضر كربلاءاتنا. مسيراتٌ موشّاة بلون حزنك وغامرة بشعاع أملٍ أطلقته شرارات خطواتك الواعدة. أي جبل أنت؟ وأي كوكب دريّ يتألق أبداً في سماواتنا؟ وأي أنفاس زرعتَها في صدورنا فإستعصى على شياطين الحقبِ والعصور حصادها؟ وأي عراقٍ هذا الذي باركتَه حين سقطتَ على ترابه فإرتفع بك واليك؟
أأنت العراق أم هو أنت؟ أم أنت كلاكما؟
السيوف والخناجر والطائرات والمجنزرات تدوس صدر عراقك كما داست صدرك من قبل. وعالم كامل العديد والعدّة يقف صامتاً بإنتظار سقوطه تماماً كما كان واقفاً بإنتظار سقوطك عن ظهر جوادك أيها الفارس، القائد، الشبلُ والطوفان المُنتظر. السكين جاهزة لذبحه كما ذبحتك مولاي. وعبيد الله بن زياد تناسخ في أشكالٍ وصور وأسماء. وهو جاهز بدنانيره ودولاراته لينثرها على الرؤوس فينفضّ الجمع كما أنفّضوا عنك.
لكنه ويزيده، الجالس في قصره المحميّ جيداً، يعرفان أن صوتك واصل لامحالة وأن صلاتك المعمّدة بالدم العابرِ أوردةَ الرجال وقلوبَ النساء والأطفال - من وُلدوا منهم ومن سيولدُ غداً أو بعده - ستُتلوها الشفاه المتطلعة الى آية مجدك وقدوم رايتك. وأن هناك من سيقول لا لمن يريدون أن يحولوا رايتك الى شراشف لموائدهم، وحقائب أنيقة لشهاداتهم المزوّرة وصفقاتهم النتنة، وأربطة لأعناقهم وحمالات لصدور نساءهم.
هذا اليوم، نسير نحوك مولاي وأبي ولاندري أن كنّا في طريقنا اليك أم اليهم!
كن شمسنا وخارطتنا وكتابنا الذي نتلوه في صلواتنا بل كن صلاتنا وِتراً وشفعاً. كن طريقنا الذي لا نحيد عنه وغايتنا. كن وطننا.. وليكن وطننا أنت. فماذا سنفعل أن غبت عن العراق أو غاب العراق عنك؟

سعد الشديدي

الأحد، ديسمبر 12، 2010

الثورة الإيرانية تدّق أبواب العراقيين؟!



مايجري اليوم في بغداد وبقية المدن العراقية يذكّر كثيراً بالأشهر الأولى التي تلت انتصار الثورة الإسلامية في ايران نهاية سبعينات القرن الماضي.
فالحراك الواسع من قبل قوى سياسية عراقية ترفع راية الإسلام لفرض بعض المفاهيم والممارسات وإقتلاع أخرى، يشبه ذلك الذي رأيناه عشية انتصار الثورة الإسلامية في ايران. ومحاولات فرض الشعار والممارسة الدينية لايختلف عن ذلك الذي تمّ قبل أكثر من ثلاثين عاماً ليس في ايران وحسب بل في دول المنطقة الأخرى.
في تلك الأيام كنت قد حللت لتويّ ضيفاً على مدينة بيروت الغربية هارباً من حملة ابادة منظمة قامت بها الأجهزة الأمنية والحزبية التابعة لنظام صدام حسين المقبور استهدفت قوى يسارية واسلامية عراقية.
مأخوذاً بالهامش الكبير الذي تمنحه بيروت للثقافة بكل أشكالها وبالصدمة التي أحدثته الحرية الواسعة للخارج من سجن نظام الحزب الواحد انكببتُ على قراءة كل ما وقع بيدي من صحف ومجلات وكتب ومنشورات وفتحتُ عينيّ على أوسع المساحات التي يمكن للعين البشرية أن تغطيها.
كنت شاهداً على ايام عصفت بالثورة وكادت أن تودي بها، وعلى الدعم الشعبي الكبير الذي لاقته آنذاك في صفوف القوى والأحزاب السياسية حتى أكثرها يسارية وعلمانية، ناهيك عن القوى الإسلامية - الشيعية والسنية على حدّ سواء - التي كانت تبحث عن موطئ قدم لها في غابة السياسة العربية آنذاك.
عشت، بمساعدة الصحافة اللبنانية والكم الهائل من الصور والأخبار المنشورة، أيام انتصار الثورة وعودة آية الله الخميني من منفاه الباريسي والاستقبال الذي حضيّ به في طهران، والحركة السياسية المحمومة التي شهدتها شوارع وساحات المدن الإيرانية في الأسابيع التالية. ثمّ الأشهر التي أعقبت ذلك كلّه.
القوى الشيعية في لبنان رأت في الثورة مصباح أمل لها وتحركت بسرعة وفعالية لإعادة تشكيل صفوفها من خلال حركة المستضعفين التي اسسها الإمام موسى الصدر قبل إختفاءه الغامض. وبدأتْ وفي تنظيم عالي المستوى بمهاجمة الحانات والبارات والمقاصف وبيوت اللهو في بيروت الغربية والمدن اللبنانية الأخرى، في محاولة جادّة لتطبيق الشريعة الإسلامية في مناطق تواجدها. وأستمرت تلك الحملة لأسابيع ثم خفتت فجأة وعادت الأمور الى نصابها الأول.
ولم يكن مرّد ذلك تخلّي القوى الإسلامية اللبنانية عن شعار تطبيق الشريعة بل الى أسباب أخرى منها أن الأمر والنهي في مناطق ما كان يسمى حينذاك بالحركة الوطنية اللبنانية كان لمنظمة التحرير الفلسطينية وقوى علمانية لبنانية ربما شعرت بخطورة تنامي الحركات والأحزاب الاسلامية فعملت مابوسعها وبطريقتها الخاصة لصدّ المدّ الإسلامي الآتي من ايران.
أعود الى تلك الأيام لأرى أيضاً أن جميع دول المنطقة تأثرت بشكل أو آخر بالزلزال الذي أحدثته الثورة الايرانية، سوى دولة واحدة هي العراق. رغم أن العراق كان لسنوات طويلة الحاضنة الرئيسية لقيادة تلك الثورة. وكانت مدن النجف وكربلاء ربما هي المدن التي انطلقت منها أولى نداءات الثورة الإسلامية مخترقة الحدود نحو ايران، وعلى أرضها تمّ تصفية بعض قيادات الثورة عن طريق الإغتيالات والتصفيات المنظمة.
رغم هذا كلّه بقيّ العراق خارج حدود التأثير الكبير الذي أحدثته الثورة الإسلامية وطال جميع دول المنطقة حتى أكثرها بُعداً من الناحية الجغرافية.
حاول نظام الطاغية صدام حسين، بشكل وحشي كعادته، كسر أولى أمواج البحر الغاضب التي وصلت الى العراق، عند اعتقاله آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر ومناصريه ومن ثمّ أعدام الشهيد الصدر الأول وعدد كبير من مناصريه وتلامذته ومؤيديه. في نفس التوقيت بدأ أزلام المقبور صدام حسين حملة واسعة لتصفية كل من يُشكّ بتأييده للثورة الايرانية في العراق. ثمّ سرعان ما اندلع لهيب الحرب العراقية الإيرانية التي إستمرت على امتداد ثماني سنوات وأتت على الأخضر واليابس في البلدين.
خلال سنوات الحرب كان من الممنوعات – بل من المحرمات - الحديث عن ايران وثورتها إلا بالشكل الذي يُرضى نظام العفالقة المقبور وكانت أجهزة إعلام النظام تفعل ما بوسعها لعزل العراقيين عن التطورات التي شهدتها المنطقة بأسرها وطالت من بين ما طالت البنى السياسية في ما يسمى بمنظومة الأمن العربي، وأفرزت رؤى وتحالفات جديدة.
كانت وسائل اعلام النظام الصدّامي تسوّق صورة كاريكاتيرية عن إيران وقياداتها، معبأة بالكثير من الأكاذيب وأنصاف الحقائق. حتى الحقائق التي لم يكن من البدّ الحديث عنها كانت وسائل اعلام النظام المقبور تعمد الى قلبها أو وضعها في سياقات غريبة عنها. لقد حاول النظام المقبور منع كل التأثيرات القادمة من وراء الحدود الشرقية للبلاد وكأنه يحاول اخراج العراق من دائرة الحدث والتفاعلات التاريخية معه. ولكن يبدو أن الوضع كان أكثر تعقيداً مما تصورته قيادات ذلك العهد الساذجة ولهذا باءت تلك المحاولات بالفشل.
ففي تلك الفترة على وجه التحديد تفاعلت مجتمعات ودول المنطقة، كلّ بطريقته الخاصة، مع الثورة الايرانية والنتائج التي تمخضت عنها.. سوى مجتمع واحد ودولة واحدة هي العراق. إذ تمّ تحريم ومنع أي حوارات أو دراسات أو تحليلات تتعلق بالثورة الإيرانية إلا من باب واحد هو الباب الذي كان النظام المقبور يسمح به. وفي الحين الذي أمتصت جميع المجتمعات والدول ما جاءها من ايران وأخذت ما أرادت ولفضت ما رفضت وتحصنت أو تفاعلت ايجابياً ضدّ أو مع أفكار الثورة الإيرانية، بقيّ المجتمع العراقي في كرسي المتفرج. فلاهو تفاعل إيجابياً وبشكل طبيعي مع أفكار الثورة ومبادءها وأحداثها ولا هو حصل على اللقاح الذي قد يجنبه "عدوى" الإصابة المحظورة.
هكذا أصبح المجتمع العراقي – بجميع بناه وهياكله – مشلولاً في جانب تحديد موقف صحيح من حدث كبير كان له تأثيرات هائلة على جميع دول المنطقة والتفاعل معه سلباً أو ايجاباً. وربما لهذا السبب مازال المجتمع العراقي يتعامل مع شعارات الثورة الإسلامية من زاوية العواطف وليس من الزاوية الواقعية وبذات المستوى الذي تتعامل به بقية دول المنطقة مع شعارات ورؤى ودولة الثورة الإسلامية في ايران. فالحواضن المؤيدة للثورة الإيرانية في العراق تسعى جاهدة، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على انتصار الثورة، الى اعادة تجربة الثورة في ايامها الأولى ناسية أن ايران نفسها تجاوزت الكثير من تلك الشعارات والرؤى وتركت البعض الآخر وراءها لإستحالة التوفيق بين الديني والسياسي في بعض الأحيان، ومازالت ترى في الدولة الإسلامية في ايران دولة ذات طبيعة مقدسّة واجبة الطاعة.
ما يجري اليوم في العراق قد يكون طبيعياً طبقاً لهذا السياق ويذكّر بمحاولات الحركات الاسلامية اللبنانية، مثلاً، بُعيد انتصار الثورة الايرانية عندما عمدت الى اغلاق الحانات ومحلات اللهو في بيروت. ما يلفت الانتباه هنا هو أن أكثر الحركات والأحزاب اللبنانية الشيعية تشدداَ لم تعدّ تضع الآن هكذا ممنوعات في سلّم أولوياتها.
مايحدث الآن في العراق لايخلو من خطورة على العملية السياسية الوليدة، التي مازالت تسير على حبل رفيع وموازنات دقيقة وعلى الوضع الديمقراطي الهشّ الذي أنتج هذه العملية السياسية.
في وضع ملتبس كهذا لابدّ للعراقيين أن يختاروا بين دولة اسلامية محافظة أو ديمقراطية تتبنى التعددية والإنفتاح على الآخر. الإيرانيون سبقونا في هذا منذ ثلاثين عاماً وقرروا في استفتاء شعبي عام شكل دولتهم التي يرغبون. أليس من الواجب علينا نحن أيضاً أن نفكر بالمرور بتجربة الإستفتاء الشعبي لنحدد شكل ومحتوى الدولة العراقية الجديدة؟
هل نريد: جمهورية العراق الإسلامية أم جمهورية العراق الديمقراطية؟
سؤال علينا أن نجيب عليه بسرعة دفعاً لأي احتقانات ومواجهات نحن في العراق لسنا بحاجة اليها الآن على وجه التحديد.

سعد الشديدي