الثلاثاء، مايو 04، 2010

مسعود البرزاني ..حسابات وأحلام قابلة للكسر

بينما يتحدث رئيس أقليم كردستان السيد مسعود البرزاني بنبرة هادئة مسالمة أمام وسائل الإعلام العراقية فأنه يعمد الى تصعيد لهجته عن آفاق تطور الوضع في العراق في مقابلة أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً.
ولايكتفي السيد رئيس الإقليم بتقديم قائمة شروط يضعها قبل الدخول في الحديث عن أية تحالفات مع الكيانات السياسية العراقية الأخرى بل يضع أمام العراقيين خارطة طريق تؤدي بوطننا لامحالة الى التقسيم.
ولاندري من اين أتت للسيد البرزاني تلك القوة التي تجعله يفرض شروطاُ على أحزاب حصل كل منها على ضعف ما حصل عليه "شعب" اقليم السيد البرزاني بأكمله؟ وهل مازال سيادته في وهمه السابق بأن القوائم الكبرى المنتصرة ستمدّ له يد الخصاصة أو هي بحاجة الى مقاعده الأربعين في البرلمان لتستطيع تشكيل حكومة عراقية قادمة؟ فالتحالفات التي ستُبنى على أساسها الحكومة لايمكن أن تخرج على عدد محدود من السيناريوهات. أما ائتلاف دولة القانون + الإئتلاف الوطني العراقي ولهما ما يكفيهما من أكثربة برلمانية لتشكيل الحكومة أو ائتلاف دولة القانون + القائمة الوطنية العراقية ولديهما أيضاً أغلبية برلمانية مريحة أو حكومة وحدة وطنية حقيقية تضم هذه الكيانات الثلاثة. فأين مكان السيد البرزاني وتحالفه الكردستاني في هذا؟
هذا أولاً، أما ثانياً فليس من حق السيد مسعود البرزاني حتى ولا اقتراح صيغة لما يمكن أن يكون عليه الوضع العراقي فيما يخص آفاق تشكيل كيانات أو اقاليم فدرالية داخل العراق في المستقبل القريب أو البعيد. ولذلك السبب بالذات فأن دعوة السيد رئيس اقليم كردستان لتشكيل ثلاثة أقاليم فدرالية هي استفزاز غير مبرر لأكثرية العراقيين الذين لايفكرون بإنشاء كيانات فدرالية في وطنهم مع احترامهم الكامل لرغبة الأكراد في تأسيس كيانهم الخاص ضمن إطار الأمة العراقية.
لقد حصل الشعب الكردي في العراق على حقوقة في بناء اقليمه الفيدرالي وليس من الصحيح أن يقوم مواطنوا الإقليم أو قياداته بدعوة الآخرين للسير على خطاهم. فهذا موضوع لاعلاقة لأحد به، بل يخص كل محافظة وكل منطقة دون سواها. لقد تحققت رغبة الشعب الكردي في العراق وحصل على حق اقامة كيان فيدرالي خاص به فلماذا يدعو الأكراد بقية العراقيين الى اقامة كيانات وصفها السيد البرزاني نفسه في المقابلة مع النيويورك تايمز: كيان شيعي وآخر سني وآخر كردي!
من قال لسيادة رئيس الإقليم بأن عرب العراق لديهم عقدة تشكيل كيانات خاصة بهم؟ وليتفضل السيد البرزاني ليسأل الشيعة أن كانوا راغبين بذلك وبعد ذلك ليتفضل ويلقي بنفس السؤال على السنة. ولا أعتقد أن السيد البرزاني سيخطأ الجواب. فلا أحد من عرب العراق يريد تشكيل كيانات كارتونية هزيلة يتلاعب بها من يريد وقت يريد!!
أخيراً لابدّ للسيد البرزاني أن يعيد حساباته مرة أخرى فيما يخصّ التحالفات الإنتخابية. فالحكومة ستتشكل أن معه أو بغيره وستكون حكومة دستورية تماماً. واذا ما أعترض السيد البرزاني على تشكيلها وهددّ بالإنفصال كما هي عادته فلا يمكن إلا أن نشدّ على اياديه وندعوه أيضاً لإحتلال كركوك وضمهّا بالقوة لأقليمه. فنحن، عرب العراق بحاجة حقاً الى شئ ما نلتف حوله ونتحد من خلاله، وستكون كركوك المغتصبة أفضل ما يوحد العرب العراقيين.
ونرجو أن لا يذهب السيد مسعود البرزاني بعيداً ويعتقد بأن هناك سياسي عربي عراقي يوّقع على تسليم كركوك لأقليم كردستان قبل أن يكتب وصيته ويعدّ الحبل الذي سيتدلى منه، سواء كان هذا القائد سنياً أو شيعياً مسلماً أو مسيحياً، ليس لأن كركوك هي قدس أقداس العراقيين كما هي قدس اقداس الأكراد على حدّ قول السيد رئيس جمهورية العراق السيد جلال الطالباني قبل أن يتولى منصب رئاسة الجمهورية، بل لأنها جزء من الزورق الذي نجلس فيه جميعاً. الزورق العراقي الذي يدعونا السيد مسعود البارزاني الى تقطيعه وجعله أربع خشبات تطفو في بحر الشرق الأوسط المظلم الذي تكثر فيه اسماك القرش التي لا ترحم أحداً.

الأحد، مايو 02، 2010

وطن القيادات والجنائن ... المُعلّقة

كنّا نعتقد في زمن الديكتاتورية أن مصيبة المصائب في العراق تكمن في شخص صدام حسين وفي نظامه الذي كان يحكم بلادنا بالحديد والنار والإرهاب والسجون وبالإغتيالات ومصادرة الحرّيات السياسية والنقابية والدينية.
وكان ظنّنا، بل ايماننا، أن جميع تلك الظواهر ستختفي ما أن ننجح في اسقاط ذلك النظام الذي أدخل العراق في مغامرات وحروب تتضاءل امامها مسرحيات صاموئيل بيكيت وجان جينيه وهارولد بنتر العبثية.
سقط النظام ولكن شيئاً لم يتغيّر.
صحيح، وعلينا الإعتراف أمام الله الواحد وأمام التاريخ أننا نلنا بعض الحقوق التي طالمنا حلمنا بها وأولها حقّ الإنتخاب، وبأننا ضربنا أرقاماً قياسية في عدد الإنتخابات والإستفتاءات فاقت جميع الدول في منطقتنا. وصحيح أيضاً أن وسائل الإعلام في بلادنا تضخمت عددياً بشكل مهول حتى أصبحنا لانستطيع معرفة العدد الحقيقي للقنوات الفضائية والصحف اليومية والمجلات العراقية، وأصبح كل مليونير ورئيس حزب– أو زوجة رئيس حزب في بعض الحالات - وكل روزخون وشيخ عشيرة أو قائد ميليشيا يملك قناته الفضائية أو على الأقل صحيفته اليومية الخاصة! وصحيح أيضاً أن عدد الأحزاب السياسية فاق عددها في أمريكا أو بريطانيا. وصحيح أن منظمات حقوق الإنسان أصبحت واسعة الإنتشار وضاربة الجذور في واقعنا العراقي حتى أن كل حارة وكل دربونة وكل عائلة تملك الآن منظمتها الخاصة لقضايا وشؤون حقوق الإنسان الناطقة بإسمها.

ولكن... ومع هذا كلّه... بقيت الأوضاع كما هيّ!
ففي زمن الديكتاتورية كنّا نموت بالآف في حروب نخوضها نيابة عن الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة، والآن نموت بأعداد لاتقلّ عن تلك التي في زمن الديكتاتورية في حرب نخوضها نيابة عن العالم – العالم بأسره هذه المرة !!– ضد الإرهاب.

لم نكن نشعر بقيمتنا كمواطنين ولانرى حقوقنا كبشر في زمن الديكتاتورية. والآن؟ هل أصبح لنا أيّما قيمة في عراق الديمقراطية الجديد؟ هل أمست حكومة بلادنا ودولتنا الجديدة تحترمنا مثلما تفعل الحكومات والدول في هولندا أو السويد أو حتى تنزانيا وبوركينافاسو؟

في زمن الديكتاتورية كان رجال الأمن والمخابرات يقتلون المعارضين في سجون النظام وأقبيته السرية فأصبحنا الآن أحراراً في ممارسة تلك الهواية علناً وأمام الكاميرات لابل نفتخر بها ونطلق الهوسات والأناشيد الحماسية فخراً بضربنا أحد المعارضين حتى الموت بينما هو يسحب آخر انفاسه بصعوبة تستطيع معها أن تسمع صوت حشرجته وأنت جالس في بيتك أمام شاشة التلفزيون، وبغض النظر عمّا اذا كان مجرد معرض سياسي مسالم أو ارهابي من أبناء الزواني فأن مصيره يجب أن يحددّه القانون وحده لارجال الأمن والأجهزة الخاصة في دولة نريد لها أن تكون دولة قانون حقيقة وليست بالأسم فقط.

في زمن الديكتاتورية إحتكرَ الحزب القائد الأجهزة الأمنية للمقربين والمحبين والأتباع والأقارب والأعضاء والأنصار والمؤيدين. فهل تغيّر ذلك؟ أنظروا فقط الى الأجهزة الأمنية وعدد أعضاء حزب واحد من احزاب حكومة "الوحدة الوطنية" الحالية الذين تمّ تعيينهم خلال سنوات قليلة في تلك الأجهزة!!

في زمن الديكتاتورية كان القائد الضرورة وعائلته وكبار مسؤولي النظام وأزلامه يحوّلون المليارات من الدولارات من ميزانية الدولة والوزارات والمشاريع الحقيقية والوهمية لحساباتهم الشخصية في مصارف وبنوك خارج العراق. منذ سقوط النظام المقبور قبل سبع سنوات أختفى ما لايقل عن 22 مليار دولار من ميزانية الدولة. أين ذهبت وفي أي مصارف حطّت هذه المليارات رحالها وفي حساب أي من قادة العراق الجديد؟ هذا بغض النظر عن وصول بلادنا الى أعلى المراحل والدرجات في الفساد المالي والإداري ونَيلها الجائزة الأولى في ذلك بين جميع دول العالم.

السؤال الذي لايجب أن نعبره دون ملاحظة هو لماذا مات صدام وبقيت الصدّامية على قيد الحياة؟

رأينا جميعاً كيف تدلّى صدام حسين من حبل المشنقة. فلماذا لم نتمكن من إعدام نهج وأسلوب صدام حسين وطريقة سلوكه وتفكيره؟

السؤال الأكثر أهمية هو هل سقط نظام صدام حسين حقاً؟
لماذا أذن هذا الموت، والدمار والعبث وكلها مازالت مظاهر يومية تلازم حياتنا حين نصبح وحين نمسي؟

وهذا الموت الذي يحصدنا متى وأين شاء، كيف.. لماذا أصبح الحقيقة الوحيدة الأكيدة في تلك البقعة الكسيحة التي نسميها الوطن؟

السؤال الأكثر أهمية من كلّ هذا وذاك... أليست القيادات التي حكمتنا منذ بداية تأسيس ما يسمى بالدولة الوطنية العراقية حتى الآن هي نتاج مجتمعنا العراقي؟ هل جاء نوري السعيد مثلاً من بلجيكا وصالح جبر من كازاخستان؟ وهل كان عبد الكريم قاسم مواطناً في كوكب الزُهرة حطّ في بلادنا على متن مركبة فضائية مصنوعة من معدن مجهول؟ وصدام حسين... هل جاءنا من سنغافورة؟ وهل المالكي وعلاوي والجعفري من رعايا كوريا الجنوبية؟ أليس جميعهم من العراقيين؟

لماذا يجعل كرسي السلطة في بلادنا القادة والمسؤولين يتصرفون وكأنهم آلهة؟ يحيون ويميتون، يهبون ويأخذون؟ يقتلون ويسرقون، ويمارسون أخسّ المؤامرات على بعضهم البعض وعلينا؟ وهل يجب على رجل الدولة والسلطة في عراقنا أن يكون قاتلاً وسارقاً وابن حرام كي ينال اعترافنا بفحولته العسكرية ودهاءه السياسي؟

وهؤلاء الإرهابيون الذين يفتحون كل يوم صندوق الميدوزا ذات الرأس الذي تتدلى منه الأفاعي البشرية؟ لاشكّ أن عدداً منهم تمّ استيراده من دول عربية نعرفها جيداً. ولكن من يفتح لهم بيته ويخفيهم ويسهّل تحركاتهم ويهبهم بنات عشيرته ليصبحن ملك يمين أو زوجات مؤقتات يروحنّ عن القتلة وشذّاذ الآفاق؟ الجواب نعرفه جميعاً.

الآن وبعد كل هذا، هل صحيح أن العراق لايلد سوى قادة من القتلة الذين يقتلون ليُقتلوا فيما بعد؟ ومناضلين ومجاهدين يتلذذون بتفجير ابناء جلدتهم من الأبرياء الذين لايريدون سوى حق العيش بكرامة في وطن وإن كان منكوباً خرِباً؟

وهل علينا أن نعيش هكذا الى أبد الآبدين محكومين بقائد أوحد لاينوي أن يغادر كرسيه إلا جثة هامدة حتى لو كلّف ذلك حياة الملايين من مواطني بلاده، وإرهابيين من الوحوش والقتلة المصابة بداء الكَلَب لايريدون أن يغادرونا إلا جثثاً متفحمّة؟

السؤال أكبر من أن يُجاب عليه بنعم أو لا. والجواب لايعرفه سوى ذلك العراقي الذي زيّن زقورات أور بأحجار الفسيفساء الذهبية، وكتبَ ملحمة جلجامش وأغاني إينانا على ألواح الفخار، ورفعَ برج بابل وحدائقها العالية في محاولة منه للوصول الى آفاق لم يصلها أحد قبله، وأولئك الذين يخرجون كل يوم مع العصافير ليكدحوا في حرّ الشمس اللاهبة ويعودوا عند الغروب حاملين معهم خبزهم...كفاف يومهم، ولايتمنون سوى العيش أحراراً مكرّمين على بقعة الأرض التي تتاخم من جهة أسوار الفردوس الأعلى ومن الأخرى بوّابات جهنم.