الخميس، مايو 28، 2009

عمو بابا ... عراقٌ لوحده

سعد الشديدي

مات عمو بابا، وكلنا نموت فالبقاء لله وحده.
ولكنه مات وفي قلبه حسرة. حسرة العاشق الذي يشعر بخيبة أمل حارقة نحو محبوبته التي منحها كل شئ فبخلت عليه ولم يرَ منها حتى ولاإبتسامة أو يطرق سمعه منها كلمة شكر. فهذا الرجل، الذي تعرفه ملاعب كرة القدم منذ عقود طويلة أختار أن يكون العراق مكانه، وملاعب كرة القدم لأن تكون ميدان فروسيته. كان يستطيع أن يغادر العراق الذي يراه ينهار يوماً بعد يوم، وأن يطلب اللجوء السياسي في أول دولة يصلها من دول اللجوء، فيعيش حياة هادئة وادعة لاصخب فيها ولانصب. ولكنه لم يفعل. كان العراق إختياره الأول والأخير. ولم يكن راغباً في تبديل وطنه بوطن آخر ولاجنسيته بإخرى، كما فعل أكثرنا. كان تماماً كالسمكة التي لاتريد مغادرة ماء النهر الذي أحبته الى نهر آخر. فبقيّ واحة تتنقل بين الملاعب تتفيؤ بظلالها أجيالٌ جديدة من لاعبي كرة القدم الشباب والفتيان.

غادرنا عمو بابا وفي عينيه نظرة عتاب وليس نظرة غضب، فهو لم يكن يريد حتى أن ينظر بغضب الى وطنه وجمهوره الذي منح حياته له، وكان على حق في عتابه لنا. فقد خذله العراق، بدولته وحكومته وشعبه. وهو الذي أدخل في قلوبنا الفرحة تلو الفرحة. ومنحنا النصر بعد النصر في ملاعب الكرة لاعباً ومدرباً.

دقّ أبواباً عديدة راجياً أن تحتضنه الدولة أو الحكومة أو كائناً من يكن برعايته. فما فتح له أحدٌ باباً. كان مريضاً وكل طلبه كان فيزا للخروج الى دولة قد يجد فيها العلاج لمرضه العضال.وشعر باليأس منهم جميعاً فإنزوى جانباً، فهذا الرجل ينتمي الى جيل العراقيين الذين يعرفون الشهامة وتسكنهم الأنفة، ولم يكن يريد الإستجداء من أحد. كل ما أراده كان الحصول على حقه في بلده الذي أعطاه كل شئ وأختار راضياً أن يبقى فيه رغم قدرته على مغادرته. ومات ولم تصله فيزا الى دولة قد يجد فيها علاجاً لمرضه.

لو كان عمو بابا عضواً في برلماننا الذي صحى من موته متأخراً، فربما كان بإمكانه السفر بجواز سفره الدبلوماسي الأحمر للعلاج في أي بلد يشاء على نفقة الناخبين. ولو كان وزيراً يتعاطى الرشوة ويختلس موارد الدولة ويتلاعب بقوت الشعب لأرسلته الدولة بطائرة خاصة الى أفضل مستشفيات العالم. ولو كان قائداً لواحدة من الميليشيات التي برسم الإيجار لمن يدفع لوجد من يرسله الى الولايات المتحدة للعلاج حتى لو كان ذلك للعلاج من زيادة الوزن!! ولو كان عمو بابا من الكاوليه المطبّلين، وحاشاه فما كان كذلك، لسارع أسياده الى إحتضانه ونثروا على رأسه الدولارات.
ولكن عمو بابا لم يكن واحداً من هؤلاء. لذلك مات قبل أن تعالجه الدولة في أحدى مستشفيات وزارة الصحة وقبل أن تأتيه فيزا السفر للعلاج.

ربما لم يكن هناك علاج ما لمرض الراحل الكبير، هذا لايعرفه سوى الله والأطباء المعالجون، ولكن كان يكفينا مجرد أن تُبدي الجهات المختصة إهتماماً ما بشخصية عراقية كبيرة يحبها العراقيون، وكنّا سنعرف حينذاك إن تلك الجهات تحترم من نحترم ونوقن إن تلك الجهات تحترم شعبها وتحسب حسابه. فمن لايبدي إحتراماً للناس الذي نحبهم.. لايحترمنا.

فهل حقاً هذا هو العراق الذي ناضلنا من أجله لسنوات طويلة؟ عديدون من عظماء العراق كالجواهري والبياتي وبلند الحيدري وآخرون ماتوا خارج العراق إبّان الحقبة الديكتاتورية البغيضة، وكان من الطبيعي ألاّ تمتد يدّ الديكتاتور، الملطخة بدماء العراقيين، لنجدتهم في مرضهم ووحدتهم. وبعد سقوط الديكتاتور مات فنانون ومفكرون ومبدعون في بلدان الجوار ولكن يدّ الحكومة التي إنتخبها شعبنا لم تمتدّ هي الأخرى لتقوم بواجبها تجاههم. لانريد المقارنة بين تلك الحقبة الظالمة وهذه التي نعيشها الآن والتي نريد لها أن تكون حقاً فترة مضيئة من حياة العراق. ولكن ألاترون أن الكثير من الأمور مازال كما هو ولم يتغير بعد؟

هناك من يدعو إلى إطلاق أسم عمو بابا على أحد شوارع بغداد، أو على إحد ملاعب كرة القدم أو تكريمه بتمثال. أما كان الأجدى أن نكرّمه بإعطاءه العلاج الذي كان هو بأمسّ الحاجة إليه. ماذا سيأخذ الراحلون من تكريمنا إياهم وقد رحلوا ولم يعودوا معنا؟! أليس ذلك بعينه هو الشعور بالذنب تجاههم؟ ألم يحن الوقت لنتعلم إحترام مبدعينا وهم معنا ونكمل طقوس إلحب والتقدير حتى بعد رحيلهم؟
أسئلة كثيرة ولكن ما عليك يا عمو بابا فالعراق مثلك وهو بحاجة الى الكثير ولم يحصل حتى هذه اللحظة إلا على أقل من القليل. العراق هو الآخر مصابٌ بمرض عضال وهو الآخر بإنتظار فيزا للسفر والعلاج ولكن ليس فيزا للسفر الى خارجه.. بل الى مستقبله الواعد.
مات عم بابا، وكلنا نموت والبقاء للعراق وحده.


gelgamesh2000@hotmail.com