السبت، فبراير 26، 2011

شتاء الغضب العراقي.. والبقية تأتي


ما فعله نظام المالكي وأجهزته الأمنية يوم أمس في بغداد وباقي المدن العراقية يقول شيئين لاثالث لهما: هو أن نوري المالكي وأعمدة حكمه يشعرون بالرعب من تصاعد المدّ الشعبي العراقي، وأن انتفاضة العراقيين السلمية تمتلك بالفعل مقومات الإنتصار على أعداء الشعب من رموز الفساد والطائفية واللصوصية المقننة دستورياً بحكم نظام المحاصصة السائد في الحياة السياسية.
وإلا فلماذا هذا التحريض المسبق على المتظاهرين قبل ايام من إنطلاق التظاهرات يوم أمس 25 شباط/فبراير؟
لقد حرص المالكي شخصياً على اكتساح وسائل الإعلام بمؤتمراته الصحفية المتواصلة والإدلاء بتصريحات تُذكّر كثيراً بتلك التي ادلى بها الرئيسين المخلوعين زين العابدين بن علي وحسني مبارك قبل اقتلاعهم من عروشهم. كان المالكي حريصاً جداً وأكدّ مراراً على "قلقه" من اختراق بقايا النظام البائد من البعثيين لهذه التظاهرات.
وهذا بحدّ ذاته من أخطر التصريحات التي أدلى بها رئيس وزراء العراق المنتخب مرتّين متتاليتين ويحمل في ثناياه كمّاً هائلاً من الإدانة للمالكي شخصياً ولحكومتيه، السابقة والحالية، ولمجمل العملية السياسية. فكيف أستطاع أذناب النظام السابق من البقاء على قيد الحياة بعد ثماني سنوات من القضاء على نظامهم وكيف استطاعوا الإستمرار في التأثير على الحياة السياسية في العراق والأكثر من هذا من أين جاءتهم تلك القدرة الإستثنائية على استدعاء مئات الآلاف من المواطنين في 15 محافظة عراقية؟
يعرف السيد المالكي جيداً أن استخدامه شمّاعة البعث تارةً والإرهاب تارةً أخرى لستر عورات نظامه كان اسلوباً فاعلاً في اثارة عطف العراقيين الطيبيين الرافضين لعودة البعث شكلاً ومضموناً، فإستخدمه كعادته، ولكن فشله كان ذريعاً هذه المرّة.
لأن ادعاءه ذاك أصبح إدانة سوداء في وجه عملية سياسية، يقودها المالكي نفسه، كان أحد أهم أهدافها القضاء على البعث نظاماً وتنظيمات وفكراً. ويؤكد هذا إن المالكي وحكومتيه ونظامه فشل بالكامل في القضاء على البعث! الأمر الذي يُضاف الى سلسلة هزائمه في أكثر الملفات المطروحة أمامه ابتداءاً من الملّف الأمني مروراً بملف فضائح الفساد والتبديد المقننّ للمال العام وإنتهاءاً بملّف الخدمات.
كنّا نريد القضاء على نظام صدام حسين ومازلنا. ولكننا رأينا أمس كيف إنتصب صدام حسين من قبره وهو يقود جيوشه الزاحفة لقمع متظاهرين عزّل بنفس الطريقة الهمجية التي تعامل بها هو وجنوده مع أبطال الإنتفاضة الشعبانية المباركة عام 1991 ومع جميع التحركات الشعبية منذ أحداث خان النص حتى إلقاء القبض عليه في حفرته السيئة الصيت.
كان على دولة الرئيس المالكي أن يقوم بدلاّ من ذلك بالتأكيد على قواته المسلّحة بأن لاتكررّ ممارسات نظام صدام حسين المقبور، وأن يحافظ على جيش العراق ليكون مظلّة للعراقيين وجيشاً للدولة لالنظام القائد الضرورة الجديد كما فعل يوم أمس. فماذا فعل السيد رئيس الوزراء؟ لقد فعل العكس تماماً.
إذ أنزل الى شوارع وساحات المدن العراقية البطلة عشرات الآلاف من أفراد قوات الأمن والشرطة والجيش. وهنا يأتي مربط الفرس. فلو لم يكن السيد المالكي وأساطين حكمه يشعرون بالرعب من رياح الشعب القادمة لتكنس العصافير البليدة والغصون المتيبسة، وتبني عراقاً جديداً حقاً، لما تعكّز على الرصاص الحي وخراطيم المياه وسلاح الجوّ والقنابل الصوتية والسجون والمعتقلات والمخبرين السريين؟!
كنّا نتمنى أن يموت البعث وتتهاوى بقاياه في عراق ديمقراطي متحررّ يتقدّم بثبات دوماً الى أمام. ولكن يبدو أن أركان النظام الحالي لايريدون له ذلك. فمن جهة ينشرون الخوف من عودته ومن جهة أخرى يسلكون طريق البعث في القمع والإرهاب وتدجين القوى المعارضة والرأي الآخر وفرض سيطرة الحزب الواحد على الحكومة والدولة والمجتمع بأكمله.
يوم أمس كان الكثير من البعثيين في الشارع العراقي. ولكنهم لم يكونوا بين المتظاهرين السلميين المطالبين بحقوق الشعب المشروعة، بل بين صفوف من أطلق النار والغازات المسيلة للدموع على المتظاهرين وأمر بحرمانهم من حقوقهم الدستورية بالتعبير السلمي عن آراءهم.
في يوم الإنتفاضة العراقية المظفرة، ضد الفساد والمحاصصة والنهب والسرقة والمحسوبية وتعاطى الرشاوى، إرتفع خندق الشعب لا ليكون جزءاً من نصب الحرية فقط بل ليكون أسمى وأرقى من ذلك. ونزل أعداء الحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة والتقدم أول درجات السلّم الذي يؤدي الى الحفرة التي عثروا فيها على الدكتاتور المقبور.
قد لايرَون ذلك! وقد يكابرون، وربما سيفكرون، وهم يقترفون أكبر الخطايا إن فعلوا ذلك، أن الشعب إختارهم ليكون قادته الأبديين.
أما نحن فنراهم وهم يتهاوون كتماثيل الخزف، قطعة تلوّ قطعة وجزءاً بعد آخر، في عاصفة الغضب الشتائي العراقيّ الذي لم نرَ يوم 25 شباط سوى بدايته.


سعد الشديدي