الثلاثاء، مايو 04، 2010

مسعود البرزاني ..حسابات وأحلام قابلة للكسر

بينما يتحدث رئيس أقليم كردستان السيد مسعود البرزاني بنبرة هادئة مسالمة أمام وسائل الإعلام العراقية فأنه يعمد الى تصعيد لهجته عن آفاق تطور الوضع في العراق في مقابلة أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً.

ولايكتفي السيد رئيس الإقليم بتقديم قائمة شروط يضعها قبل الدخول في الحديث عن أية تحالفات مع الكيانات السياسية العراقية الأخرى بل يضع أمام العراقيين خارطة طريق تؤدي بوطننا لامحالة الى التقسيم.

ولاندري من اين أتت للسيد البرزاني تلك القوة التي تجعله يفرض شروطاُ على أحزاب حصل كل منها على ضعف ما حصل عليه "شعب" اقليم السيد البرزاني بأكمله؟ وهل مازال سيادته في وهمه السابق بأن القوائم الكبرى المنتصرة ستمدّ له يد الخصاصة أو هي بحاجة الى مقاعده الأربعين في البرلمان لتستطيع تشكيل حكومة عراقية قادمة؟ فالتحالفات التي ستُبنى على أساسها الحكومة لايمكن أن تخرج على عدد محدود من اسيناريوهات. أما ائتلاف دولة القانون + الإئتلاف الوطني العراقي ولهما ما يكفيهما من أكثربة برلمانية لتشكيل الحكومة أو ائتلاف دولة القانون + القائمة الوطنية العراقية ولديهما أيضاً أغلبية برلمانية مريحة أو حكومة وحدة وطنية حقيقية تضم هذه الكيانات الثلاثة. فأين مكان السيد البرزاني وتحالفه الكردستاني في هذا؟

هذا أولاً، أما ثانياً فليس من حق السيد مسعود البرزاني حتى ولا اقتراح صيغة لما يمكن أن يكون عليه الوضع العراقي فيما يخص آفاق تشكيل كيانات أو اقاليم فدرالية داخل العراق في المستقبل القريب أو البعيد. ولهذا السبب بالذات فأن دعوة السيد رئيس اقليم كردستان لتشكيل أربعة أقاليم فدرالية هي استفزاز غير مبرر لأكثرية العراقيين الذين لايفكرون حتى بإنشاء كيانات فدرالية في وطنهم مع احترامهم الكامل لرغبة الأكراد في تأسيس كيانهم الخاص ضمن إطار الأمة العراقية.

لقد حصل الشعب الكردي في العراق على حقوقة في بناء اقليم الفيدرالي وليس من الصحيح أن يقوم مواطنو الإقليم أو قياداته بدعوة الآخرين للسير على خطاهم. فهذا موضوع لاعلاقة لأحد به، بل يخص كل محافظة وكل منطقة دون سواها. لقد تحققت رغبة الشعب الكردي في العراق وحصل على حق اقامة كيان فيدرالي خاص به فلماذا يدعو الأكراد بقية العراقيين الى اقامة كيانات وصفها السيد البرزاني نفسه في المقابلة مع النيويورك تايمز: كيان شيعي وآخر سني وآخر كردي!

من قال لسيادة رئيس الإقليم بأن عرب العراق لديهم عقدة تشكيل كيانات خاصة بهم؟ وليتفضل السيد البرزاني ليسأل الشيعة أن كانوا راغبين بذلك وبعد ذلك ليتفضل ويلقي بنفس السؤال على السنة. ولا أعتقد أن السيد البرزاني سيخطأ الجواب. فلا أحد من عرب العراق يريد تشكيل كيانات كارتونية هزيلة يتلاعب بها من يريد وقت يريد!!

أخيراً لابدّ للسيد البرزاني أن يعيد حساباته مرة أخرى فيما يخصّ التحالفات الإنتخابية. فالحكومة ستتشكل أن معه أو بغيره وستكون حكومة دستورية تماماً. واذا ما أعترض السيد البرزاني على تشكيلها وهددّ بالإنفصال كما هي عادته فلا يمكن إلا أن نشدّ على اياديه وندعوه أيضاً لإحتلال كركوك وضمهّا بالقوة لأقليمه. فنحن، عرب العراق بحاجة حقاً الى شئ ما نلتف حوله ونتحد من خلاله، وستكون كركوك المغتصبة أفضل ما يوحد العرب العراقيين.

ونرجو أن لا يذهب السيد مسعود البرزاني بعيداً ويعتقد بأن هناك سياسي عربي عراقي يوّقع على تسليم كركوك لأقليم كردستان قبل أن يكتب وصيته ويعدّ الحبل الذي سيتدلى منه، سواء كان هذا القائد سنياً أو شيعياً مسلماً أو مسيحياً، ليس لأن كركوك هي قدس أقداس العراقيين كما هي قدس اقداس الأكراد على حدّ قول السيد رئيس جمهورية العراق السيد جلال الطالباني قبل أن يتولى منصب رئاسة الجمهورية، بل لأنها جزء من الزورق الذي نجلس فيه جميعاً। الزورق العراقي الذي يدعونا السيد مسعود البارزاني الى تقطيعه وجعله أربع خشبات تطفو في بحر الشرق الأوسط المظلم الذي تكثر فيه اسماك القرش التي لا ترحم أحداً.


गेल्गमेश२०००@


الأحد، مايو 02، 2010

وطن القيادات والجنائن ... المُعلّقة

كنّا نعتقد في زمن الديكتاتورية أن مصيبة المصائب في العراق تكمن في شخص صدام حسين وفي نظامه الذي كان يحكم بلادنا بالحديد والنار والإرهاب والسجون وبالإغتيالات ومصادرة الحرّيات السياسية والنقابية والدينية.
وكان ظنّنا، بل ايماننا، أن جميع تلك الظواهر ستختفي ما أن ننجح في اسقاط ذلك النظام الذي أدخل العراق في مغامرات وحروب تتضاءل امامها مسرحيات صاموئيل بيكيت وجان جينيه وهارولد بنتر العبثية.
سقط النظام ولكن شيئاً لم يتغيّر.
صحيح، وعلينا الإعتراف أمام الله الواحد وأمام التاريخ أننا نلنا بعض الحقوق التي طالمنا حلمنا بها وأولها حقّ الإنتخاب، وبأننا ضربنا أرقاماً قياسية في عدد الإنتخابات والإستفتاءات فاقت جميع الدول في منطقتنا. وصحيح أيضاً أن وسائل الإعلام في بلادنا تضخمت عددياً بشكل مهول حتى أصبحنا لانستطيع معرفة العدد الحقيقي للقنوات الفضائية والصحف اليومية والمجلات العراقية، وأصبح كل مليونير ورئيس حزب– أو زوجة رئيس حزب في بعض الحالات - وكل روزخون وشيخ عشيرة أو قائد ميليشيا يملك قناته الفضائية أو على الأقل صحيفته اليومية الخاصة! وصحيح أيضاً أن عدد الأحزاب السياسية فاق عددها في أمريكا أو بريطانيا. وصحيح أن منظمات حقوق الإنسان أصبحت واسعة الإنتشار وضاربة الجذور في واقعنا العراقي حتى أن كل حارة وكل دربونة وكل عائلة تملك الآن منظمتها الخاصة لقضايا وشؤون حقوق الإنسان الناطقة بإسمها.

ولكن... ومع هذا كلّه... بقيت الأوضاع كما هيّ!
ففي زمن الديكتاتورية كنّا نموت بالآف في حروب نخوضها نيابة عن الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة، والآن نموت بأعداد لاتقلّ عن تلك التي في زمن الديكتاتورية في حرب نخوضها نيابة عن العالم – العالم بأسره هذه المرة !!– ضد الإرهاب.

لم نكن نشعر بقيمتنا كمواطنين ولانرى حقوقنا كبشر في زمن الديكتاتورية. والآن؟ هل أصبح لنا أيّما قيمة في عراق الديمقراطية الجديد؟ هل أمست حكومة بلادنا ودولتنا الجديدة تحترمنا مثلما تفعل الحكومات والدول في هولندا أو السويد أو حتى تنزانيا وبوركينافاسو؟

في زمن الديكتاتورية كان رجال الأمن والمخابرات يقتلون المعارضين في سجون النظام وأقبيته السرية فأصبحنا الآن أحراراً في ممارسة تلك الهواية علناً وأمام الكاميرات لابل نفتخر بها ونطلق الهوسات والأناشيد الحماسية فخراً بضربنا أحد المعارضين حتى الموت بينما هو يسحب آخر انفاسه بصعوبة تستطيع معها أن تسمع صوت حشرجته وأنت جالس في بيتك أمام شاشة التلفزيون، وبغض النظر عمّا اذا كان مجرد معرض سياسي مسالم أو ارهابي من أبناء الزواني فأن مصيره يجب أن يحددّه القانون وحده لارجال الأمن والأجهزة الخاصة في دولة نريد لها أن تكون دولة قانون حقيقة وليست بالأسم فقط.

في زمن الديكتاتورية إحتكرَ الحزب القائد الأجهزة الأمنية للمقربين والمحبين والأتباع والأقارب والأعضاء والأنصار والمؤيدين. فهل تغيّر ذلك؟ أنظروا فقط الى الأجهزة الأمنية وعدد أعضاء حزب واحد من احزاب حكومة "الوحدة الوطنية" الحالية الذين تمّ تعيينهم خلال سنوات قليلة في تلك الأجهزة!!

في زمن الديكتاتورية كان القائد الضرورة وعائلته وكبار مسؤولي النظام وأزلامه يحوّلون المليارات من الدولارات من ميزانية الدولة والوزارات والمشاريع الحقيقية والوهمية لحساباتهم الشخصية في مصارف وبنوك خارج العراق. منذ سقوط النظام المقبور قبل سبع سنوات أختفى ما لايقل عن 22 مليار دولار من ميزانية الدولة. أين ذهبت وفي أي مصارف حطّت هذه المليارات رحالها وفي حساب أي من قادة العراق الجديد؟ هذا بغض النظر عن وصول بلادنا الى أعلى المراحل والدرجات في الفساد المالي والإداري ونَيلها الجائزة الأولى في ذلك بين جميع دول العالم.

السؤال الذي لايجب أن نعبره دون ملاحظة هو لماذا مات صدام وبقيت الصدّامية على قيد الحياة؟

رأينا جميعاً كيف تدلّى صدام حسين من حبل المشنقة. فلماذا لم نتمكن من إعدام نهج وأسلوب صدام حسين وطريقة سلوكه وتفكيره؟

السؤال الأكثر أهمية هو هل سقط نظام صدام حسين حقاً؟
لماذا أذن هذا الموت، والدمار والعبث وكلها مازالت مظاهر يومية تلازم حياتنا حين نصبح وحين نمسي؟

وهذا الموت الذي يحصدنا متى وأين شاء، كيف.. لماذا أصبح الحقيقة الوحيدة الأكيدة في تلك البقعة الكسيحة التي نسميها الوطن؟

السؤال الأكثر أهمية من كلّ هذا وذاك... أليست القيادات التي حكمتنا منذ بداية تأسيس ما يسمى بالدولة الوطنية العراقية حتى الآن هي نتاج مجتمعنا العراقي؟ هل جاء نوري السعيد مثلاً من بلجيكا وصالح جبر من كازاخستان؟ وهل كان عبد الكريم قاسم مواطناً في كوكب الزُهرة حطّ في بلادنا على متن مركبة فضائية مصنوعة من معدن مجهول؟ وصدام حسين... هل جاءنا من سنغافورة؟ وهل المالكي وعلاوي والجعفري من رعايا كوريا الجنوبية؟ أليس جميعهم من العراقيين؟

لماذا يجعل كرسي السلطة في بلادنا القادة والمسؤولين يتصرفون وكأنهم آلهة؟ يحيون ويميتون، يهبون ويأخذون؟ يقتلون ويسرقون، ويمارسون أخسّ المؤامرات على بعضهم البعض وعلينا؟ وهل يجب على رجل الدولة والسلطة في عراقنا أن يكون قاتلاً وسارقاً وابن حرام كي ينال اعترافنا بفحولته العسكرية ودهاءه السياسي؟

وهؤلاء الإرهابيون الذين يفتحون كل يوم صندوق الميدوزا ذات الرأس الذي تتدلى منه الأفاعي البشرية؟ لاشكّ أن عدداً منهم تمّ استيراده من دول عربية نعرفها جيداً. ولكن من يفتح لهم بيته ويخفيهم ويسهّل تحركاتهم ويهبهم بنات عشيرته ليصبحن ملك يمين أو زوجات مؤقتات يروحنّ عن القتلة وشذّاذ الآفاق؟ الجواب نعرفه جميعاً.

الآن وبعد كل هذا، هل صحيح أن العراق لايلد سوى قادة من القتلة الذين يقتلون ليُقتلوا فيما بعد؟ ومناضلين ومجاهدين يتلذذون بتفجير ابناء جلدتهم من الأبرياء الذين لايريدون سوى حق العيش بكرامة في وطن وإن كان منكوباً خرِباً؟

وهل علينا أن نعيش هكذا الى أبد الآبدين محكومين بقائد أوحد لاينوي أن يغادر كرسيه إلا جثة هامدة حتى لو كلّف ذلك حياة الملايين من مواطني بلاده، وإرهابيين من الوحوش والقتلة المصابة بداء الكَلَب لايريدون أن يغادرونا إلا جثثاً متفحمّة؟

السؤال أكبر من أن يُجاب عليه بنعم أو لا. والجواب لايعرفه سوى ذلك العراقي الذي زيّن زقورات أور بأحجار الفسيفساء الذهبية، وكتبَ ملحمة جلجامش وأغاني إينانا على ألواح الفخار، ورفعَ برج بابل وحدائقها العالية في محاولة منه للوصول الى آفاق لم يصلها أحد قبله، وأولئك الذين يخرجون كل يوم مع العصافير ليكدحوا في حرّ الشمس اللاهبة ويعودوا عند الغروب حاملين معهم خبزهم...كفاف يومهم، ولايتمنون سوى العيش أحراراً مكرّمين على بقعة الأرض التي تتاخم من جهة أسوار الفردوس الأعلى ومن الأخرى بوّابات جهنم.

الخميس، مارس 04، 2010

صباحُ البنفسجِ أيتُها الإنتخابات

صباحُ البنفسجِ .. أيتها الإنتخاباتْ.
هذا العراقيّ يكتبُ فوق جدار العصورِ بكلّ اللغاتْ:

سأمنح صوتي لهذا العراقِ.. الذي ليس لي غيرهُ،
ملتفعاً بعباءتهِ السومريةِ ..
منتصباً مثلَ تمثالِ غوديا،
ومتجهاً نحو دلمونَ في زورقِ الذاريات..

لبابلَ تمتدُّ فينا شوارعَ واسعةً..
ونواديَّ عامرةً بالقصيدِ،
وأرتالَ جندٍ
ومدرسةً للصغارِ
وبيتاً لمجلسِ قاضي القضاةْ.

لرأسِ الحسينِ على الرمحِ..
للدمِ يقطرُ من شفتيهِ
وللناسِ يختلفونَ الى قِبلةِ الفقراءِ فتُبعثُ فينا حياةْ.

سأمنحُ صوتي الوحيدَ الذي لم ينلهُ الغزاةْ
للعصافيرِ حينَ تنامُ على غصنها، قربَ نافذتي، في ظلامِ الشتاءْ.
لأمي تمشطُ شعرَ أبنتي وتحضّرُ في صمتها طبقاً ساخناً لطعامِ العشاءْ.
لأبي.. طاهرَ الكفِّ والروحِ والقلبِ والإنتماءْ.

سأمنحُ صوتيَّ للشهداءْ...
وأكتبُ في ورقِ الإنتخاباتِ
يا أيها الشهداء إقبلوا دعوةً من صديقٍ قديمْ
وأمنحوا عطرَ أسماءكمْ مرةً لحروفِ النداءْ.

ليوسفَ سلمانَ حينَ لا ينتمي لضبابِ المدى.
لعبد الكريم يخاطبُنا: لم أكنْ قائداً أوحدا.
وللصدرِ – باقرَ - يستنفرُ المؤمنينَ ويصعدُ صوتاً وليسَ صدى.
وللزوبعيَّ يناورُ في سرّهِ الأنجليزَ
ويغزلُ من سيفهِ مسجدا.

سأمنحُ صوتي لحلمِ الصرائفْ
لمن يتحدّى ملوكَ الطوائفْ،
لبغدادَ تغسلُ فستانهَا قبلَ ضوءِ النهارِ
لتنشرهُ في جحيمِ القذائفْ.
للناصريةِ
فلوجةَ النارِ
هورَ الصحين ..
وللبصرةِ .. الحيِّ .. أمِ الربيعينِ.. بعقوبة البرتقالِ
وقلعة سِكَرْ..
لواسطَ ترقصُ تحتَ رذاذِ المطرْ،
ومن يزرعونَ جبالَ العراقِ بضوءِ القمرْ.

سأمنح صوتي .. لهذا العراقِ.. العراقيّ
وأخرجُ منتشياً بهواء الصباحِ،
وصمتِ الرصيفِ وعطرِ الشوارعِ والذكرياتْ،
لأتركَ موتي ورائي
وأكتبُ فوقَ جدارِ السنينِ بكلِّ اللغاتْ
صباحُ البنفسجِ أيتها الإنتخاباتْ.


سعد الشديدي

الأحد، فبراير 14، 2010

حلم ليلة فالانتاين

الليلة، حلمتُ أن آثار أقدامي
تسيلُ على ترابٍ غريب
مرةً ترقصُ في ضوضاءِ البرق
وأخرى تقفُ مندهشة تحت شجرة...
تنصتُ لبراعمها تتهجى سورة التوبة.

رأيتُ أنْ لاسماءَ
ولا أرض.
ليس سوى الماءُ يأخذ آثار أقدامي
الى قيعان غائرة.
حيث لاشمسَ .. ولانجوم.
لاليلَ.... ولانهار.

وحدها الحكايةُ وضعتْ نورَ الخطى في نجمةِ الذاكرة،
ورسمت طريقاً على أصابعِ الماءِ،
شارعاً..
تصطف عليه قناديلُ... مطفأة.
هل كانوا قبيلاً من الجنّ عائدينَ للتو من مهرجانِ ﭬفالانتاين؟
في منعطفِ الظلمة،
يحترقُ عازفُ أوكورديون أعمى،
يعزفُ لحناً مقدونياً حزيناً..
ويغني ...................

كنتُ في جيش الإسكندر ... الأكبر.
جندياً في جيش فيليب وبعده الإسكندر.
جبتُ أفاقاً لم يقرأ عنها أرسطو.
رأيتُ بلاداً أذكرَ أسماءها واحدةً واحدة.
هدمتُ حصوناً ..
وبنيتُ مدناً كتبت على جدرانها أسم سيدي .. الأسكندر.

شربتُ بكفيَّ ماء النيل
وكؤوساً مترعةً بنبيذ الرها.
تنفستُ هواء هضابِ أرمينيا
وأغتسلتُ في حماماتِ بورسيبوليس.
وما وقف بوجهي أحد،
لأنني كنت جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

تزوجتُ نساءاً من الأنسِ،
وصبايا من النار..
رقصتُ عارياً مع الحورِ العين
وسامرتني نساءُ الجزيرةِ التي أغرقها الحزنُ ودموعُ السماءِ الحمراء،
فقد كنت جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

سقطتُ عن صهوةِ جوادي..
وتقاسمَتْ جسدي نسورُ الجبالِ وسيوفٌ تقطرُ السمَّ من معدنها.
ولم أشعرْ بالألمِ ولابالحزنِ،
لأنني كنت جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

أكلتُ الشعيرَ والملح
الشوفانً والرمل،
الحجرَ والماء.

شبَّتْ أبنتي عن طوقِ انوثتها
وتزوجت من رجلٌ لا أعرفه..
ماتتْ أمرأتي ولم ألقِ على قبرِها حفنة تراب ولاوردة سوسن.
ما دمعتْ عينيّ
ولا لمسَ الحزنُ أوتارَ سيفي،
لأنني كنتُ جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

دخلتُ بابل. ضاجعتُ أجملَ نساءها
صببتُ الخمرَ على رؤوسِ كاهناتها،
أحرقتُ حقولها
وأغرقتُ بساتينها.

غضبتْ عليّ السماء
والناسُ .. بصقوا في وجهي
فما أهتزتْ في جسمي شعرة،
لأنني كنت جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

وعلى حدودِ الممالكٍ القصيّة
أخذتُ الريح عينيّ
وأعطتني بدلاً عنها.. ظلاماً لاأرى فيه كيف ترتفعُ السحابةُ
ومتى تفقسُ بيوضَ الطيرٍ على سطوحِ المنازل.

وسارَ جيش الإسكندر.. الأكبر.. الى فتحٍ جديد،
تاركاً جندياً أعمى على قارعةِ طريق .. قريباً من حدود الممالكِ القصية.
حينها بكيتُ،
لأنني كنت يوماً جندياً في جيش الإسكندر .. الأكبر.

.............................
.............................
.............................
.............................
.............................

حلمتُ أن آثار أقدامي
عادت الى مكانها على تراب غريب..
سكنتْ على صدري في هدوءٍ ثقيل،
وهمستْ:
أوكورديونك.. إحمل أوكورديونكَ
وأمضي ॥ قبل أن يأتيك جيش الإسكندر .. الأكبر।

سعد الشديدي
ليلة فالانتاين 2010

السبت، يناير 30، 2010

نهار

وكان نهاراً جميلاً،
يحملُ الريحَ أن تكنسَ الرملَ
من عتباتِ العيونِ.
ويمسحُ في لهفةِ الصبيةِ النزقينَ
زجاجَ الخليقةِ.
يفضحُ أسرارَ أوراقِه للشجراتِ الصديقةِ،
يغسلُها، من ذنوبِ السكونِ.

وكان نهاراً جديداً
حملتْ قبلهُ الأرضُ أثقالَها
أخرجتْ، فيهِ، ترابَ الجذورِ وصلصالَها
ورتّبتِ الأرضُ، فوق رفوفِ السنينِ الأنيقةِ،
اسماءَها ثمَّ أفعالها.


وكان نهاراً
يمرّ كما كلّ يومٍ
ولكنه يولدُ الآنَ.. من لحظةِ الآنِ.. في حبة القمحِ ..
يخرجُ، من ظلمةِ الأبديةِ، أو نورِها.
لامراءَ اذن حين يسرعُ نحو الأعالي
مخضبة وجنتاهُ بلونِ الطميّ الجنوبيّ، مندهشاً، هادئاً، لايبالي.
نهارٌ قريبٌ من القلبْ.
جميلٌ ..
يليق بنا..
كلنا.

الأحد، يناير 17، 2010

لقاء مع الأمين العام للحزب الليبرالي العراقي

تسارع الأحداث في الساحة السياسية العراقية يشير الى إقتراب ساعة الحسم في قضايا كان يجب حسمها منذ زمن ليس بالقصير. ولكن العملية الديمقراطية التي بدأت بعد اسقاط الديكتاتورية شهدت ولادة متعسرة ومضاعفات تعاني منها حتى الآن، ومازال الطريق أمامها وعر وطويل. لذلك لم يكن من السهل ربما مجابهة تلك القضايا وحلّها آنياً, وقد يكون للتأخر في حلّها أثر في فرض شكل المواجهة النهائية التي درات رحاها، وماتزال، في الشارع السياسي العراقي. هل كانت أحداث الأيام القليلة الماضية مواجهة لابدّ من الدخول فيها للوصول الى الحسم النهائي؟ هذا السؤال وأسئلة أخرى أجاب عنها الدكتور هادي نعيم المالكي الأمين العام للحزب الليبرالي العراقي، المنضوي في ائتلاف وحدة العراق الذي يرأسه السيد جواد البولاني. والحزب الليبرالي العراقي أحد الإحزاب العراقية الفتية تأسس في شباط 2009 وطرح برنامجه السياسي لحوار شاركت فيه النخب السياسية الليبرالية في العراق والخارج.
الدكتور هادي نعيم المالكي رجل قانون اضافة الى كونه أميناً عاماً للحزب الليبرالي العراقي لذلك فإن لرأيه وزناً خاصاً ليس من وجهة النظر السياسية فقط ولكن لمناقشة العديد من الشبهات القانونية التي أثارتها الأحزاب والكيانات السياسية المشمولة بقرار هيئة المساءلة والعدالة، وتوقف عندها عدد كبير من العراقيين. فماهو رأيه كرجل قانون عن اجراءات الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة؟ وماذا يقول عن دستورية تلك الإجراءات وتاثيرها على آفاق المرحلة القادمة؟

سؤال: هناك سجال يدور بين أطراف العملية السياسية حول دستورية القرارات الأخيرة التي أصدرتها هيئة المساءلة والعدالة، على أساس أن الهيئة نفسها غير دستورية لأن مجلس النواب العراقي لم يصوّت عليها حتى الآن. ماذا تقول أولاً بصفتك رجل قانون وثانياً كقائد لحزب مشارك في العملية السياسية؟

- الدكتور هادي المالكي: القول بان هيئة المساءلة والعدالة هي هيئة غير دستورية هو قول غير سليم لأنها تعمل بموجب قانونها رقم 10 لسنة 2008 الذي اقره مجلس الرئاسة والمنشور في الوقائع العراقية عدد 4061 بتاريخ 14 شباط 2008 وبالتالي فهي هيئة دستورية وقانونية، ولكن ربما تقصد أن أعضاء هذه الهيئة لم يصوت عليهم مجلس النواب لغرض اختيارهم لعضوية هذه الهيئة؛ فحتى هذا الأمر لا يقدح بدستورية وقانونية عمل هذه الهيئة لان المواد (2 أولاً و28) من قانون الهيئة صريحة بالقول:"تحل تسمية الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة محل تسمية الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث". وعند تغيير تسمية دائرة أو مؤسسة حكومية معنية من تسمية إلى أخرى لا يحتاج الأمر إلى موافقة جديدة من الجهات الحكومية المختصة لغرض استمرار رئيس الدائرة أو المؤسسة التي تم تغير تسميتها أو بقية موظفيها بالعمل، خصوصا أذا عرفنا إن الجهة الحكومية المختصة بالموافقة على تعيين أعضاء هذه الهيئة هو مجلس النواب الذي يؤخر إصدار وإقرار العديد من القوانين المهمة للبلاد، وينبغي التذكير هنا بأن قانون الميزانية العامة لم يقر لحد الآن، وحتى هذا القانون الأخير أراد البعض إدخاله في مساومات وصفقات سياسية من أجل إقراره في مقابل مشاريع قوانين أخرى معروفة.

ولكنّ تسارع الأحداث في الساحة السياسية العراقية في الأيام القليلة الماضية يشير الى أن ثمة من يريد تسديد استحقاقات سابقة، جرى التغاضي عنها لفترة سنوات، قبل أسابيع قليلة من توجّه الناخبين العراقيين الى صناديق الإقتراع لإنتخاب مجلس نيابي جديد. ما هو رأيك بتوقيت قرارات هيئة المساءلة والعدالة الأخيرة؟

- أعتقد أن هذا هو التوقيت الطبيعي لمثل هذا الإجراء فهي عملية تحقق قانونية روتينية وطبيعية من شروط المرشحين لعضوية مجلس النواب بموجب أحكام الدستور، ولا ننسى أن قانون الانتخابات قد جرى التأخر بإقراره كثيرا. وربما كان هذا الإجراء شبه معطل في الفترة السابقة لرغبة القوى السياسية المؤسسة للعملية الديمقراطية في العراق بإشراك أكبر عدد ممكن من السياسيين العراقيين فيها خصوصا في ظل مقاطعة شريحة عراقية أساسية لهذه العملية في البداية، ولكن الأمر قد تغيّر جوهريا الآن، فلم يعد احد يقاطع العملية الديمقراطية في العراق، لذلك يصبح من غير المقبول الاستمرار في السكوت والتغاضي عن الشخصيات التي طالما روجت ومجدت حزب البعث المنحل والمحظور دستوريا والذين حاولوا ويحاولون أن يصورا جرائم البعث بحق الأمة العراقية على أنها منجزات ومكاسب عظيمة لهذه الأمة.

ولكن دكتور هناك من يقول أن قرارات هيئة المساءلة والعدالة ذات طابع سياسي بحت. أقصد أن أغراضها تصبّ في مصلحة بعض الأطراف السياسية دون غيرها، في حين أن قرارات الهيئة يجب أن تُبنى على أسس قانونية بغض النظر عن الجانب السياسي. هل هذا صحيح؟

- الحقيقة أن الموضوع هو ذو طبيعة مختلطة فهو قانوني وسياسي في الوقت نفسه. فهو قانوني لأنه يستند للمادة السابعة من الدستور ولقانون الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008 الذي صدر بموجب المادة 7 من الدستور؛ وهو سياسي أيضاً لأنه يتعلق أصلا بموضوع سياسي وهو مسألة حظر حزب سياسي هو حزب البعث العربي الاشتراكي. فهو موضوع ذو طبيعة مختلطة كما هو واضح. أما القول بأن قرارات الهيئة قد تكون لأغراض سياسية ويجب أن تبنى على أسس قانونية، فيجب أن يفترض ذلك، وبخلافه فستكون هذه القرارات عرضة للنقض من قبل الهيئة التمييزية في محكمة التمييز والمختصة بالنظر في الطعون ضد قرارات هيئة المساءلة والعدالة. ويمكن القول أيضا أن هذه الإجراءات ستصب قطعا في مصلحة وفائدة الائتلافات الأخرى إذ ما جرى اجتثاث شخصيات قيادية في ائتلاف أو ائتلافات معينة. ولكن من الصعب الإنكار أن الشخصيات البارزة التي يجري تداول أسمائها في وسائل الإعلام والتي جرى شمولها بهذه الإجراءات لم تكن تمجد وتروج لحزب البعث المذكور، فهم قاموا بذلك علنا وصراحة من على شاشات بعض الفضائيات مؤخرا، وبالتالي فمن يقوم متعمدا بعمل مخالف للدستور والقانون فعليه أن يتحمل النتائج، وإذا ما كانت هذه النتائج في غير صالحه فلا يلومنْ إلا نفسه.


من المؤكد أن قرارات هيئة المساءلة الأخيرة سيكون لها بعض التبعات على مستقبل العملية السياسية الفتية. ماهي أهم هذه التبعات برأيكم؟ وهل ستعمق تلك القرارات الأفق الديمقراطي للعملية السياسية أم أنها ستلقي بظلال قاتمة عليها أم ان التبعات ستكون ذات طابع مؤقت تنتهي بإنتهاء موسم الإنتخابات النيابية القادمة؟

- الدكتور المالكي: هذه التبعات ستكون ايجابية من ناحية الالتزام بالحظر الدستوري والقانوني ضد حزب البعث، فلن نسمع بعد اليوم من يتجرأ على الإساءة إلى مشاعر الأمة العراقية ويأخذ بالإشادة والتمجيد والترويج علنا لحزب البعث، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فسيجري تحصين الديمقراطية العراقية الناشئة من مخاطر عودة حزب البعث. وكنا قد نبهنا قبل شهر تقريبا من على شاشة إحدى الفضائيات إلى أن هنالك أحد الائتلافات فيه الكثير من البعثيين وهم يتخذون من هذا الائتلاف بمثابة حصان طروادة للدخول إلى البرلمان لتعطيل عمل الحكومة برمته. فالديمقراطية العراقية هي ديمقراطية ناشئة وهنالك خطر محدق بها يتمثل بمحاولة البعثيين العودة إلى السلطة لنسف الديمقراطية من أساسها، وهذه الديمقراطية لكونها ما زالت ناشئة فهي ديمقراطية مشوهة وذلك لسيطرة الإسلاميين على الحكم. لذلك فنحن ندعو، في حقيقة الأمر، إلى إقامة ما يمكن أن أسميه بـ" سياسة الحائط الناري Fire Wall Policy" لمنع عودة البعثيين إلى السلطة من خلال تفعيل النصوص الدستورية والقانونية الخاصة بحظر حزب البعث وقمع هذه المحاولات في مهدها وبكل حسم وجدية ومن دون أدنى تهاون. وتبعات هذه الإجراءات ستكون ذات طابع مؤقت تنتهي بانتهاء المجرى القانوني للعملية وسرعان ما سينسى الإعلام والعراقيون كل هذه الضجة التي تدور الآن وسيلحق السياسيون الذين جرى شمولهم بالاجتثاث بغيرهم من السياسيين العراقيين الذين لمع وسطع نجمهم في بداية سقوط الدكتاتورية ولكنهم الآن اختفوا وبالكاد يستطيع العراقيون تذكرهم في الوقت الحاضر.

التجمع الجمهوري العراقي هو أحد الكيانات المشمولة بقرار منع 15 حزب وكيان سياسي من المشاركة في الإنتخابات. التجمع الجمهوري جزء من ائتلاف وحدة العراق الذي يقوده السيد جواد البولاني الذي ينضوي فيه حزبكم أيضاً. ما هو تأثير ذلك على ائتلاف وحدة العراق؟ أصابع هيئة المساءلة والعدالة تشير الى "تساهل" ائتلاف وحدة العراق أو عدم تدقيقه جيداً في الأحزاب والكيانات السياسية المنضوية فيه. هذا ما يريد قرار هيئة المساءلة أن يقوله على الأقل. أم تراني أذهب بعيداً في هذا التحليل؟

- لن يؤثر ذلك كثيرا على ائتلاف وحدة العراق ولا حتى على التجمع الجمهوري، لان أسماء المرشحين المشمولة بمثل هذه الإجراءات سيتم استبدالها بغيرها. أما قولكم بأن ائتلافنا كان متساهلا في هذه المسالة، فهذا القول يمكن أن يصح حتى على ائتلاف رئيس الوزراء وهو ائتلاف دولة القانون لان الأخبار اليوم تُشير إلى أن سبعة من مرشحي ائتلاف دولة القانون مشمولين بهذا الإجراء ومنهم وزير الدفاع عبد القادر العبيدي.

أغلب الأحزاب التي شملها قرار المنع هي أحزاب وكيانات ذات "صبغة" علمانية. وهناك العديد من الكيانات والأحزاب الدينية التي إن دققنا جيداً في السيرة الشخصية لقياداتها السياسية سنجد أنهم لابدّ أن يكونوا في قائمة المنع. لماذا يتمّ برأيكم توجيه الأنظار الى العلمانيين واستثناء الأحزاب الدينية من قرارات الهيئة؟

- يجيب الدكتور المالكي قائلاً: لا نعرف ذلك بالضبط. فأسماء المشمولين بهذا الإجراء كثيرة، فالقائمة الأولى من الأسماء هي بحدود خمسمائة اسم، ومع القوائم الأخرى فمن المتوقع أن يصل عدد المشمولين بهذا الإجراء إلى أكثر من إلف ومائتين اسم، ومع عدد كبير كهذا سيكون من الصعب تصنيف المشمولين بهذا الإجراء إلى علمانيين أو إسلاميين أو إنهم من هذه الطائفة أو تلك. ولن يمكن معرفة انتماءات المشمولين بهذا الإجراء على نحو دقيق حتى يتم نشر القوائم النهائية للأسماء. ولكن الأسماء البارزة التي تداولها الإعلام مؤخرا كانت علمانية وهما اسمان فقط، وهم لم يتورعوا مؤخرا عن الإشادة بحزب البعث علنا.

ما هو موقف الحزب الليبرالي العراقي مما يجري هذه الأيام في العراق. بدءاً من قرارات هيئة المساءلة والعدالة مروراً بالتحرك الأمني الواسع الذي شهدته بعض مناطق العاصمة العراقية قبل أيام قليلة؟ لماذا يجري كلّ هذا في هذه الأيام بالذات؟

- الدكتور هادي نعيم المالكي: أما موقفنا من إجراءات الاجتثاث فقد أصبح واضحا، فنحن نؤيدها بالكامل، لا بل ندعو إلى ما نسميه بـ" سياسة الحائط الناري" لمنع عودة حزب البعث إلى السلطة من خلال تفعيل النصوص الدستورية والقانونية في هذا الشأن كما ذكرنا تواً. وأما عن التحركات الأمنية التي تقوم بها القوات الأمنية التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع فهي مفهومة تماما وخصوصا أن الجميع يتوقع أن تسعى الجماعات الإرهابية إلى تعكير صفو الأجواء الأمنية قبيل الانتخابات للتشويش على رؤية و قناعة الناخب العراقي، فالانتخابات القادمة هي انتخابات حاسمة ومهمة لمستقبل العراق في كثير من المعاني.

سعد الشديدي
gelgamesh2000@hotmail.com

الأحد، يناير 10، 2010

المطلك ليس هو المعني بمناورة الساعات الأخيرة؟!

قرار هيئة المساءلة والعدالة بشطب 15 كياناً سياسياً ومنعها من المشاركة في الإنتخابات النيابية القادمة أصاب المحللين السياسيين المتتبعين للشأن العراقي بالكثير من الدوار. فمن جهة كانت بعض فقرات القرار متوقعة أعلنت عنها الهيئة على لسان مديرها العام التنفيذي علي فيصل اللامي في نهاية شهر تشرين ثاني الماضي ومنها منع التجمع الجمهوري العراقي برئاسة سعد عاصم الجنابي وقائمة الحل، بزعامة جمال الكربولي، وتجمع الوحدة الوطنية، بزعامة نهرو عبد الكريم، من المشاركة في الإنتخابات، ولم تشكّل أية مفاجئة رغم أنها أثارت علامات استفهام عديدة وقتها وتساؤلات موجعة عمّا اذا كان قرار منع التجمع الجمهوري العراقي المنضوي في إئتلاف وحدة العراق يقصد به الإساءة الى الإئتلاف الذي يرأسه وزير الداخلية السيد جواد البولاني وتنضوي تحته مجموعة مهمة من الأحزاب الوطنية العراقية التي تشكّل تحدياً كبيراً للأحزاب المتأسلمة قد يفقدها الكثير من الأصوات المضمونة في الإنتخابات القادمة.
أما المفاجأة الأكثر تأثيراً فكانت شطب الجبهة العراقية للحوار برئاسة صالح المطلك! والحقيقة أن ذلك شكلّ عنصراً سبّب الدوار لبعض المحللين السياسيين المطلّعين على الشأن العراقي خصوصاً أن السيد علي فيصل اللامي نفى في تصريح له لوسائل الإعلام العراقية في 18 تشرين الثاني 2009 تقارير أكدّت شمول صالح المطلك وظافر العاني بقانون المساءلة والعدالة قائلاً:"الهيئة لا تستند إلى معلومات بل تتأكد من الوثائق التي تشير إلى عدم شمول الشخصيتين بالقانون".
فما الذي تغيّر وجعل هيئة المساءلة والعدالة تشمل صالح المطلك بقانون المساءلة خصوصاً وأن هناك وثائق تؤكد "وتشير الى عدم شموله بالقانون"؟
الأكيد أن صالح المطلك كان بعثياً، رغم أن سيرته الشخصية على موقع قناة العربية تشيرالى أنه فُصل من حزب البعث المنحلّ عام 1977، دون ذكر لأسباب فصله من الحزب المذكور. والأكيد أيضاً أنه ينحى في سلوكه السياسي منحى قوموياً يقترب في ملامحه من ذلك الذي عهدناه لدى حزب البعث المنحلّ.
ولكنّ المشكلة هنا تكمن في تأكيد السيد المدير التنفيذي لهيئة المساءلة والعدالة منذ ستة أسابيع فقط بأن المطلك لن يُشمل بالقانون الذي تسهر هيئة المساءلة على تنفيذه!
مصادر مقرّبة من بعض القيادات السياسية في بغداد أفادت بأن الأحزاب المكوّنة للحكومة الحالية بدأت تلعب "لعبة سياسية ذكية". وأن مايؤكد ذلك هو أن أسم صالح المطلك قد تمّ دسّه بين الأسماء ليثير أكبر كمية من اللغط وردود الأفعال، وأن المطلك ليس هو المعني بالدرجة الأولى بهذه اللعبة.
وتقول تلك المصادر بأن" القيادات الكردية طلبت شطب كيان سياسي آخر أضافة الى تجمع الوحدة الوطنية بزعامة نهرو عبد الكريم هو حزب العدالة الكردستاني الذي يقوده أرشد الزيباري وهذا حزب كردي صغير تخشى بعض القيادات الكردية أن يحققّ مفاجئات غير متوقعة تُضعف موقف الجبهة الكردستانية وتقوّي موقف الأحزاب العربية في الموصل وكركوك خصوصاً وأن لهذا الحزب اسناد من دول ذات وزن اقليمي."
مايؤكد قلق القيادات الكردية هو أن أرشد الزيباري الذي كان في الأصل ضابطاً في الجيش العراقي ومحافظاً للسليمانية من 1977 حتى 1980 ووزيراً للدولة مرتيّن في فترة الحكم الديكتاتوري لم يكن يتردد بالتحالف مع أحزاب ذات توجهات قومية عربية كما حدث عند تحالفه مع أسامة النجيفي في تجمع الحدباء الموّحد 2005 ثمّ قائمة الحدباء الوطنية 2008، وأن توجهاته العروبية كثيراً ما أزعجت القيادات الكردية.
أذن والحال هكذا فإن النجيفي وعرب الموصل سيخسرون حليفاً كردياً مهماً ومخلصاً لهم ولايمكن تعويضه في معركتهم في الموصل وكركوك. ولأجل إلهاء الكيانات السياسية ذات التوجّه العروبي عن هذا عمدت أحزاب الحكومة، بطلب كردي، الى وضع أسم ثقيل من وزن صالح المطلك في قائمة الكيانات الممنوعة من المشاركة في الإنتخابات القادمة.
ولم تخفِ تلك المصادر بأن ما أسمته "باللعبة السياسية الذكية" هي في الحقيقة ذات أهداف مزدوجة: "هذا الى جانب أن تجمع الوحدة الوطنية، بزعامة نهرو عبد الكريم يضم في صفوفه مجلس الحوار الوطني الذي يتزعمه خلف العليان وهو أحد الأسماء التي لها ثُقل ما في لدى بعض الشرائح الإنتخابية. صحيح أنه لايشكلّ ثقلاً سياسياً ما ولكن استبعاد شخصيات كهذه من الإنتخابات هو اجراء وقائي لا أكثر".
ويبدو أن الأهداف المزدوجة لتلك اللعبة لاتتوقف عند هذا فإحراج وزير الداخلية العراقي السيد جواد البولاني الذي يتزعم إئتلاف وحدة العراق ينطوي تحت بنودها. فمن المؤكد أنه تمّ وضع علامة ما في ذهن الناخب العراقي بأن جواد البولاني مستعد للتعاون مع "بقايا البعثيين" اذا ما حقق نتائج ايجابية في الإنتخابات.
وما لايعرفه الكثيرون أن هناك من يقول بأن ثمة صفقة قد جرت بين بعض الأحزاب المتنفذة في الحكومة وهيئة المساءلة والعدالة تقضي بأن تقوم هيئة المساءلة بإدراج بعض الأسماء في قائمة المنع من المشاركة في الإنتخابات، رغم عدم وجود اثباتات دامغة لشمولها بقانون المساءلة والعدالة، مقابل عدم ترشيح الحكومة لبعض الأسماء التي لم توافق عليها الهيئة لشغل بعض المناصب فيها.
هذا وتشير أخبار مؤكدة الى أن هيئة المساءلة والعدالة لم تقم بتليغ الكيانات السياسية والشخصيات المشمولة بقرار المنع بشكل رسمي حتى هذه اللحظة، الأمر الذي يُشكل لغزاً في حدّ ذاته. فهل يمكننا والحال هذا أن نتحدث عن قرار رسمي صادر وموّقع ومختوم من قبل هيئة رسمية ذات صلاحيات قانونية أم أن كل ما جرى لايعدو أن يكون مجرد بالون إختبار؟!
ولكن رغم ما كُتب وقيل للدفاع عن - أو الهجوم على تلك الكيانات المشطوبة فأن تصريح السيد أياد علاّوي اليوم في برنامج "ضيف المنتصف" الذي عُرضته قناة الجزيرة والذي يؤكد أن السيد علاوي يشعر بالقلق بأن الأمور لو سارت كما هي عليه الآن فأن العملية السياسية قد تتعرض لطريق مسدود وأن العراق سيشهد الكثير من الدمار بعد الإنتخابات (لاسمح الله) على حدّ قوله، يُعد اشارة هامة على ما يمكن أن تؤول اليه الأمور بعد الإنتخابات، فيما لو أستمرت الحكومة "بلعبتها الذكية".
فهل ستصر هيئة المساءلة والعدالة على قرارها أم ستنسحب هي والحكومة الى قواعدها سالمة؟
سعد الشديدي

الأحد، ديسمبر 27، 2009

مسيحيو العراق ودرس الوحدة الوطنية




في خطوة رائعة تنسجم تماماً مع روح الأمة العراقية المؤسسة على احترام العقائد والأديان و التمازج الإستثنائي بين أعضاء الجسد العراقي الذي نريد له أن يكون واحداً، اذا أشتكى منه عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى، قررت المرجعيات المسيحية إلغاء الإحتفال باليوم الثالث من أعياد ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) لمصادفته يوم العاشر من محرم، ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).
الى جانب هذا غطّت قناة آشور الفضائية الناطقة باسم المسيحيين العراقيين الشعائر الحسينية في مدينة كربلاء وقدمت برنامجاً خاصّاً عن استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام).
أي تحليل أو تفسير أو محاولة لمعرفة بواعث هذه الخطوة المعبرّة لن يكون مجدياً، دون الإلمام بتاريخ الترابط والتلاحم بين ابناء الأمة العراقية منذ سومر حتى يومنا هذا. لذلك فات على الكثيرين مغزى إلغاء مسيحيي العراق الإحتفال بأفراحهم بولادة المخلّص يسوع المسيح لإبداء تعاطفهم مع شيعة آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في هذا اليوم الحزين.
ومن بين اولئك الذين لم يستطيعوا فهم ذلك كان السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني الذي يبدو أنه فهم خطوة أهلنا المسيحيين فهماً خاطئاً فأدعى أن مسيحيي العراق لم يكونوا قادرين على الذهاب الى كنائسهم للإحتفال بأعياد الميلاد.
نحن العراقيين نفهم لماذا ذهب السيد بعيداً دون أن يتعلم الدرس، فهوَ وبقية القادة السياسيين اللبنانيين دائمي التباهي بالنموذج اللبناني "المتسامح" والمتعدد الطوائف لم يشهدوا يوماً من الأيام، عبر تاريخ بلدهم، عملاً تضامنياً رائعاً كالذي قدّمة مسيحيو العراق، ولا نعتقد أن لبنان أو غير لبنان عاش يوماً مجيداً للتضامن كيوم 27 كانون أول 2009، ولذلك فمن الطبيعي ان لايفهم السيد نصر الله ما حدث في العراق في هذا اليوم على وجه التحديد، ولن يفهمه على الإطلاق.
ولكن هذا هو العراق. وربما لذلك تأتيه السكاكين من كل جانب وتتداعى عليه الأمم بينما هو يشهد ولادة جديدة يرسمها ابناؤه وبناته في لحظات عابرة لحدود الأديان والطوائف والمعتقدات والإنتماءات.
وقد لايعجب هذا الكثيرين ومنهم"أخواننا" في التشيّع من رعايا الوليّ الفقيه في ايران الذين طعنوا العراق بشيعته وسنته، بمسلميه ومسيحييه وصابئته المندائيين وأيزيدييه، حين وجهوا حرسهم الثوري لإحتلال حقل الفكة النفطي. وذلك لايعجب الخوارج التكفيريين الذين قاموا بتفجير عبوات ناسفة ضد المواكب الحسينية السائرة الى كربلاء الحسين.
فياللمفارقة! مسيحيو العراق يتضامنون من مسلميه بينما يهاجم مسلمون من بلدان أخرى مسلمي العراق.
ما قدمّه أهلنا المسيحيون اليوم على طبق المحبة واحترام مشاعر الآخر يقول أن الوطن مازال بخير وأن شمس الوحدة الوطنية العراقية تجدل أولى ظفائرها على أيدي الشرفاء، مسلمين ومسيحيين وصابئة مندائيين وأيزيديين وشبك، وأن طيفاً كبيراً منهم بات يعرف أن الدين لله والعراق لهم جميعاً ولن يسمحوا لأحد أن يقاسمهم إياه، فهو لهم وحدهم.
سعد الشديدي

السبت، ديسمبر 26، 2009

كربلاء الحسين.. الوردة والقلعة والراية


اغلق الباب وراءك! فالشوارع يغمرها السواد، سواد الرايات المنضوية على حزنها، والعيون الباحثة عن الشهيد الحاضر الذي اُحتز رأسة ورُفع على الرماح منذ أكثر من ألف عام، وسواد شيلات امهاتنا وعباءاتهن المكتحلة بتعب السنين، والدمعة التي يخالطها الكحل فتنزل من علياء القلب لتحترق على شموع نون النسوة بهدوء متواضع، وسواد الليل الذي أغدق ستائره الشتائية القاتمة.. كعادته في كانون.
هل أغلقت الباب؟ أذن أحكم قفلها جيداً. فالشوارع مليئة بالسواد. سواد الأشباح الباحثة عن ضحية، وسواد آثار أقدام الغزاة وجنازير دبابتهم، والقلوب العمياء المجتمعة على جسد الوطن تنهش منه ما أستطاعت متى ما أستطاعت، وسواد النوايا الحارقة المتصاعد منها دخان البغضاء والجريمة في كل مجزرة تحتفل بها السيارات المفخخة وترقص حولها الذئاب الإنتحارية المصابة بداء الكَلَب.
هل مازلت تسمع صوت عاشوراء؟ أنه يدخل من الشبابيك ومن بين أحجار الآجُر ومسام الجدران! ولكن لمَ تتعبّ نفسك وتريد غلقَ شبابيك البيوت. فلافرق أن أغلقتها أم تركتها على مصاريعها. فهذا الصوت عبرَ أزمنة أرادت له أن يختنق ودولاً حفرت له خنادق وأسواراً وجيّشت له الجيوش فمرّ بها وصوته يتعالى:
أنا حتفُهم ألجُ البيوتَ عليهمُ ....... أغري الوليدَ بشتمِهم والحاجبا
وهاهيَ كربلاء ترددّ من جديد صرخة سيد الشهداء الواضعة أساس عالم متجدد، عادل يسعُ في ساحاته الضعفاء والمهمشين والمظلومين والفقراء الملاحقين بكسرة الخبز الذي يؤّرق البحث عنها أيامهم ولياليهم. في صدر هذا العالم يقف الحسين الشهيد الحيّ مادّاً يداه لمن لامكان له في عالم يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد وشمر بن ذي الجوشن.
يتسعّ المشهد ليصبح دنيا بكاملها تصغر أمام جموع الزاحفين نحو قلبٍ يخفق بالعدالة والحرية والمساواة، وجسد مهشّم تحت سنابك خيول الأمويين ودباباتهم واصابعه التي كسرّتها سيوفهم وأخامص بنادقهم. يقترب السائرون وتتصاعد راياتهم، فتنخفض السماء لترى ما إذا كانت النبوءة قد تحققت أم أن مايحدث مجرد خدعة بصرية.
ولكنها كربلاء، الصرخة والقلعة والراية والوردة المتألقة بنور الله، السابحة ابداً مابين عالمي الغيب والشهادة، الواقفة بيقظة على حدود صحارى الروح وواحات اليقين.
تعود أمس لتردد صوت الحسين وأبناء الحسين وأصحاب الحسين والسائرين على طريق الحسين الصعب.
تتحدى يزيد.. يزيد كل العصور وكل الأزمنة، كائناً ما كان أسمه ورسمه.
كربلاء تحتفي اليوم بنصر الحسين وتبكي هزائمنا. ترفع أسم الحسين في سماواتها وبين نجومها وتُنزل الى التراب أسماء من خانوا أمانة الحسين. تنظر بعينين ثاقبتين الى من يدّعون موالاتهم للحسين بينما هم يسيرون في طريق يزيد وجند يزيد وذئابه.
تتعالى أصواتنا لتنضّم الى طوفان هادر بدأ بقطرات دم، ففتحت له الأرض فيافيها ليحلّ على رمالها أهلاً وينزل في صخورها سهلاً، وهاهو نخيل كربلاء يلّوح لنا لندخل تحت عباءاته الحسينية الخضراء.
صوتنا صوت الحسين، رايتنا رايته ومطالبنا مطالبه. ودعائنا أن يختلط دمنا ولو بالتراب الذي سال عليه دم الحسين.
اليوم أصبحت كربلاء هي دنيا أحتملت جراحها ودخلت بين نهرين أسمهما الفرات ودجلة. فطلع، من براعم الأشجار وريش العصافير وأول الحروف التي تخطّها أنامل طفل، وطنٌ أسمه العراق. يسير هو الآخر ذبيحاً ملاحقاً من جيش يزيد. وطن يسير نحو سيد الشهداء الذي لم يترجل عن فرسه وما سقطت عن رأسه خوذة حربه ولا أنتكست رايته.
فمرحى يا كربلاء الحسين، مرحى يا فمَ العراق الصارخ بالحرية والعدالة والمساواة. ومرحى يا جيش الحسين الناهض من جديد. مرحى لمن ينادي بالخبز للجياع والحرية لمن أستعبدهم أبناء جلدتهم. مرحى لمن يريدون طرد اللصوص والكلاب الضارية التي لم تتعب من نهش لحمنا بل هي تريد المزيد، سواء ممن يشرب دمنا على موائد التكفير أو أولئك المتربعين على عروش منحناهم أياها فخانونا، أم ممن أتوا من خلف الحدود ليحتلوا الفكّة وبعدها يبتلعوا عراقنا بأكمله.
ويا كربلاء يا من كنتِ كرباً وبلاءاً على من أحبّ الحسين، ها أنت تصبحين كرباً وبلاءاً على أعداء الحسين ومن حادوا عن طريقه وخانوا رسالته.
مرحى ثانية لراية الحسين وصوته ومبادئه وهي تصعد في الفجر الكربلائي ॥ العراقي.. لتجعل منه فجراً جديداً تسبّح في ضوءه قطرات الندى المختلطة بالدمّ، الدم المتفجّر منذ يوم الطف الى آخر مجزرة يرتكبها أعداء الحسين.. وأعداء العراق الذي يسير هو الآخر مذبوحاً يلاحقه جند يزيد ومن يواليه بالقول أو بالفعل।

سعد الشديدي

الاثنين، ديسمبر 21، 2009

هل يريد الايرانيون أن نُعيد صدام التكريتي؟

من يقول أن القيادة الإيرانية تتحرك بذكاء إما أن يكون مأجوراُ أو واهماً أو يتمتع بقدر كبير من الغباء.
فالخطوة الإيرانية الأخيرة بإحتلال حقل الفكّة النفطي العراقي في محافظة ميسان هي إستمرار لنهج الغباء الذي تمتاز به هذه القيادة.
فبدلاً من إسناد شيعة العراق الذين وصلوا الى سدة الحكم لأول مرة في تاريخ يمتدّ لأكثر من ألف عام، تقوم القيادة الإيرانية بوضع العصي في دواليب الحكومة التي يشارك فيها الشيعة بأكثرية مريحة.
وبدلاً من إبداء حسن النوايا تجاه الأمة العراقية، تتجاوز قيادة مايسمى بالثورة الإسلامية كافة الخطوط الحمراء وتتصرف وكأن شيعة العراق عبيد لها وعليهم أن يقولوا سمعاً وطاعة للأخ الشيعي الأكبر.
وبدلاً من مساعدة العراقيين في تضميد جراحهم يضع نظام أحمدي نجاد والولي الفقية الملح في الجراح العراقية التي تنزّ دماً وقيحاً.
ويريدوننا بعد كل هذا أن نصمت ونعتبرهم إخوانناً لنا في المذهب!؟
اي مذهب هذا الذي يقول بأن علينا تجرّعَ المهانة من أجله؟ بل أي دين ذلك الذي يطلب من أتباعه أن يقفوا وقوف العبد الذليل أمام من يدعيّ الأخوّة في الدين؟
ولكن المشكلة ليست في القيادة الإيرانية بل في قياداتنا العراقية التي لبست ثياب السلطة وأعتبرت نفسها أقوى من سوبرمان وغراندايزر والرجل والوطواط مجتمعين، في حين إنها غير قادرة على إكتشاف عشرات من السيارات المفخخة التي تجوب شوارع بغداد باحثة عن ضحايا من المدنيين العراقيين.
ماذا يريد الإيرانيون من العراقيين؟ هل يريدوننا أن نخرج صدام حسين من القبر وننصبه من جديد رئيساً علينا كي يعيد جيشه ومخابراته وسجونه وأرهابه ويعلن حرباً جديدة عليهم نكون نحن حطبها؟ هل يريدوننا أن نترك مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لأننا لانرى في الدولة التي ترفع رايات آل البيت (عليهم السلام) سوى معتدياً أثيماً ينقّض علينا ما أن تسنح له فرصة؟ هل يريدوننا أن نرتمي بشكل كامل في أحضان أمريكا وأسرائيل التي قد تستطيع الدفاع عن حدودنا لأننا لانستطيع ذلك الآن؟
ماذا يريد أحمدي نجاد ومن ورائه سماحة الوليّ الفقيه؟
هل يرغبون بالتحرش بأمريكا لأنهم يجلسون على خازوق يخرج من رؤوسهم منذ الإنتخابات الأخيرة ويريدون النفخ على نار الحرب بينهم وبين الشيطان الأكبر علّ الحرب توّحد أمة فارس الممزقة؟ لم لا؟؟ هذا من حقهم اذا ما أرادوا الإنتحار مثل تلك البهائم الإنتحارية التي يرسلون بها إلينا، ولكن ليفعلوا ذلك على أرض أخرى غير العراق. إن أرادوها حرباً فليدخلوها مع من شاؤوا ولكن ليس على أرضنا ولافي سمائنا وعليهم أن لايحسبوا حساب دخول شيعة العراق الى جنبهم في تلك الحرب لأننا كشفنا لعبة التشيع الإيراني ولم نعد نؤمن سوى بالتشيع العلوي المحمدي الذي قام على أجساد أبائنا وتعفر بتراب العراق الطاهر.
ايران تلعب لعبتها بغباء ما بعده غباء فهاهي تفقد ثقة شيعة العراق، ولم تعد لشعارات التشيع السياسي، بعد كل المصائب التي أنزلتها ايران بنا، تلك الهالة التي كانت تحيط بها منذ سنين قلائل. وربما نسيّ الإيرانيون أن العراقيين كانوا أول من سمع ورددّ صرخة سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام): هيهات منّا الذلة.
وهيهات من العراقيين الذلّه، نقولها بوجه يزيد أم بوجه أحمدي نجاد، الأمر سيّان، فذلك أحتز رأس سيد الشهداء ورفعه على الرماح وهذا يحتزّ راس العراق ويرفعه هو الآخر على مدافع الدبابات الإيرانية التي أحتلت حقل الفكّة النفطي في ميسان।
سعد الشديدي

الأحد، ديسمبر 13، 2009

المالكي كان يعرف أذن!


تصريح السيد وزير الداخلية العراقي في مجلس النواب بأن القوات الأمنية العراقية كانت تعرف "على وجه التقريب" زمان ومكان تفجيرات يوم الثلاثاء المفجع جاء ليسند تصريحات النائب العراقي السيد مثال الآلوسي بأن الأمريكيين أبلغوا حكومة السيد المالكي معلومات إستخبارية عن عمليات الثلاثاء المفجع الإجرامية، ومعلومات تسربت من نوّاب آخرين بأن الأمريكيين كانوا قد أبلغوا الحكومة العراقية قبل ذلك معلومات عن تفجيرات الأربعاء الدامي خصوصاً ذلك الذي إستهدف وزارة الخارجية العراقية.
إذن حكومتنا كانت تعرف مسبقاً بإحتمال وقوع تفجيرات ارهابية في أوقات وأماكن محددة، ولم تحرّك ساكناً لا في الثلاثاء ولا في الأربعاء!
ولم تكتفِ حكومتنا المنتخبة بذلك بل ذهب وزراؤها الأمنيون شوطاً أبعد عندما أجمعوا على حقيقة، ربما أتفقوا عليها قبل الدخول الى البرلمان، بأن الإرهاب ظاهرة عالمية يصيب الكثير من الدول وأن حظنا العاثر هو وحده الذي جعلنا من بين أكثر شعوب العالم تضرراً بتلك الظاهرة السرطانية التي لايمكن الحدّ منه بشكل كامل.
ماذا يعني هذا؟ ببساطة شديدة يعني هذا اعلاناً واضحاً بان حكومتنا المنتخبة غير قادرة على ايقاف موجات الإرهاب المدمر التي لم نعد نعرف مصدرها. فبين قائل بأنها من عمل القاعدة، وآخر يسخر من هذه النظرية مؤكداً ان الأمريكيين هم من يقف وراءها، يذهب البعض ليحمّل ايران وزر تلك الجرائم، وفي خضم بحر الإتهامات تصرّح مصادر مقربّة من مجلس الوزراء بأن سوريا هي من تحرك خيوط لعبة الموت المصطبغ بلون الدم والجثث المتفحمة فيعترض آخرون قائلين: لا باباتي لا.. السعودية هي المتهم الأول فينبري لهم من يقول وبمعادلة يعرضها هو الآخر بشكل منطقي مفادها أن الأحزاب الكردية هي الرابح الأكبر من الفوضى السائدة في الشارع العراقي فيدور أصبع الإتهام – طبقاً لتلك المعادلة – متجهاً نحو الأحزاب الكردية، ولكن علينا أيضاً أن لاننسى البعثيين وهم لاعبون أساسيون دائمون ويمكنهم هم الآخرون أن يفعلوا كل شئ واي شئ للعودة الى السلطة وقد رأينا وعانينا مما فعلوا طوال فترة حكمهم التي أمتدت لثلاثة عقود ونصف، يقول آخر.
الموضوع أصبح يشبه لعبة الأستغماية، التي نسميها في العراق "بالختيبلّه". فعلى المواطن العراقي أن يغمض عينيه بينما ينتشر اللاعبون لإخفاء أنفسهم في أماكن وخنادق شتّى وهم واثقون بأنه لن يستطيع العثور عليهم في زحمة الفوضى. وأياه أن يفتح عينيه فالمطلوب في هذه اللعبة أن يبقى العراقي أعمى لايرى طوابير الموتى وهي تصعد الى بارئها، وأصم لايسمع أصوات الإنفجارات وأخرس لايفتح فمه للإحتجاج أو الإعتراض وإلا اُتهم بأنه من أعداء الديمقراطية والعملية السياسية وفي أفضل الحالات يُختم أعتراضه أو إحتجاجه على العجز المستمر للإداء الحكومي الأمني بختم ديوان مجلس الوزراء تحت عنوان: نقد غير بنّاء!!
خمسة ايام كاملة مرّت على فقداننا لثقتنا بحكومتنا المنتخبة، عرفنا فيها أن الحكومة كانت تعرف زمان ومكان التفجيرات وبأنها لسبب من الأسباب أخفقت بشكل كامل في درء أخطار تلك العمليات الإجرامية عن مواطنيها الذين انتخبوها. وعرفنا أيضاً أن المسؤولية الميدانية عن العجز الكبير في الإداء الأمني تقع على عاتق قائد عمليات بغداد الذي تم نقله من منصبه وترقيته ليصبح نائباً لرئيس أركان الجيش.
وعرفنا أيضاً بأن الحكومة، رغم معرفتها المسبقة بتفاصيل أمنية مهمة، فشلت في إجهاض العمليات الإرهابية في الثلاثاء والأربعاء الداميين وبأنها، والحال هكذا، لن تستطيع أن تحمينا من عمليات الإرهاب الأسود في أيام الخميس أو الجمعة أو السبت الدامية.
أليس الأجدى لحكومة كهذه أن تحترم نفسها ومواطنيها ومصداقية العملية السياسية واصول اللعبة الديمقراطية وتقدم إستقالتها، أم أنها ستسير على نهج الخليفة الثالث عثمان بن عفّان حين رفض التنحي عن الخلافة قائلاً: والله لن أنزع ثوباً ألبسني إياه الله، ولن تنزع ثوباً البسها إياه العراقيون وليذهب العراق والعراقيون الى جهنم؟


سعد الشديدي

الأربعاء، ديسمبر 09، 2009

من أجل العراق.. لنطلب من الأمريكان إعادة إحتلال بغداد


حكومة الدلالين والكشوانية وصبيان باعة الكباب.. حكومة القتلة الموبوئين ودكاترة سوق مريدي.. حكومة لصوص الحصّة التموينية وسارقي قوت الشعب ونفطه ودمه ومستقبله.. حكومة الطائفة والعشيرة والإقطاع الجديد، هذه الحكومة أعلنت موتها بعد ثوانٍ من تصاعد أصوات التفجيرات الإجرامية في دار السلام التي أمست داراً للحرب والخراب.
وعليك أيها العراقي أنت الآخر أن تعلن أمام نفسك وابناء جلدتك موت هذه الحكومة الفاقدة لكل مصداقية وشرعية. وأياك أن تقرأ عليها سورة الفاتحة، لأنها لاتستحق الرحمة ولا الترحم.
تفجيرات يوم الثلاثاء الذي أسميناه هو الآخر بالدامي تيمناً بالأحد والأربعاء الداميين وإنتظاراً لمزيد من ايام الإسبوع الدامية لم تكن سوى صرخات سمع دويّها حتى الذين في آذانهم صمم، أعلنت بالدم والنار فقدان هذه الحكومة لكل شرعية. فهي لم توفر لك شيئاً واحداً يجعلك تعطيها صوتك في إنتخاباتهم التي يقرعون لها الطبول ويرقصون لها بالدفوف.
بعد هذا الثلاثاء لايستطيع أحد أن يستثير همتك يا أبن إنليل, يا سليل السماء العراقية العالية ونور خيط الدم المتدفق من رأس الحسين وشهداء كلّ العصور والحقب قديمها وجديدها. لا تسمح لتجار السياسة والموت اليومي أن يقنعوك بمنحهم ثقتك ليرتقوا مرة أخرى أكتافك ثم يدوسك أصغرهم بحذاء سرق ثمنه من دمك.
بعد سقوط شهداء لا أسماء لهم على أرصفة لم تجفّ بعدُ من دماء أحبتك الذين قضوا في جرائم سابقة وإنتظاراً لمن سيسقطون في جرائم لاحقة، لم يبق لك عذر ولالصمتك مبّرر.
حكومة قوى الطائفية والعنصرية تحتضر منذ ولادتها الإصطناعية وتصارع الموت المكتوب عليها رافضة إعلانه قبل أن يملأ قادتها جيوبهم بدولارات السحت وأحزابها بالإيغال في تدمير وطننا، هذه الحكومة اصبحت عارية أمامك. حتى ورقة التوت التي منحناها إياها سقطت وظهرت عوراتها.
ماذ نريد اكثر من مما رأينا لنقف على قدمين ثابتتين ونقول لهم لانريدكم، أذهبوا الى أقرب جحيم يصادفكم فقد أريتمونا الجحيم لأعوام كانت أطول من دهور علينا؟
هل نريد رؤية المزيد من الدم والفوضى لنصدّق أن هذه الحكومة مجرد ضرس أكلها السوس .. وجدار ينخر نفسه بنفسه وهو ساقط أمام أعيننا؟
لم يبقَ أمامنا سوى الخروج لحماية أنفسنا أو طلب الحماية من حكومات أخرى غير هذه الحكومة ولتكن حكومة أمريكا أو الشيطان، لافرق، فكوابيس الموت التي كانت تطلّ علينا في نومنا أصبحت حقيقة تلاحقنا في يقظتنا أينما ذهبنا.
الخيارات أقل من قليلة أمامنا. فإما الإستمرار بالهرولة وراء نهر الدم الذي نعرف مصدره ونتائجه، أو الخلاص من حكومة الرجل المريض الموشك على الموت وبناء حكومة وحدة وطنية حقيقية لامكان فيها للطوائف والقوميات التي لايثق قادتها بأمتهم العراقية ولابأنفسهم ولاببعضهم البعض.
وعلينا أن نختار.
سعد الشديدي

الخميس، أكتوبر 29، 2009

بغدادنا.. أحياؤها شهداء

بالأمس حلمنا، نحنُ وأنتم، بغدٍّ لايشبه بقية الأيام. شمسه، التي لاتشبهها شمسٌ في مجرّةٍ أخرى، تضئُ لتغسل بفورةِ نورها أشجارَ نخيلٍ كانت ستظللّنا بقلبٍ أين منه ظلال الدنيا كلّها. كنّا أنتظرنا أن تخرج مدننا رافعة شوارعها عالياً لترقص به وبنا على حوّاف النهرين العظيمين.
كان حلمنا فيما وراء الزمن والحلم .. أن تصحو الزقّورة من نومها لتعود طيورُ الشقّراقِ تبني أعشاشها في ضفائرِ القمح وفي حبرِ كلماتِ القراءة الخلدونية. حلمٌ راوَدنا، أن ترمحَ خطواتُنا في وطن لا نعرفه ولكنه يعرفُ أسماءنا واحداً واحدا ويحفظُ أسماءَ حبيباتنا عن ظهرِ قلب. كنّا حلمنا طويلاً بيومِ غدّ، الذي جاء.
جاءنا ولكن ليس كما إنتظرنا. فهو حقّاً لايشبه بقية الأيام التي وُلدت وغابت على سهول أور وأكد وصحت عليها حانات بابل ومعابدها الغائبة في رائحة البخور والماوَرد، وليس كالأيام المشتعلة ناراً حيناً والنافخة ثلجاً حيناً آخر وطوت بستائرها الضافية مآذن مدينة السلام، ولايحمل ملامح الأيام التي كانت تُدفأُ قدميها قرب مواقد الرعاة وتختبأ في أكواخ الفلاحين لترى بفضول ما يفعله أبناء إنليل وبنات إينانا بعد أن تنطفئ قناديل المساء.
لم يكن غدُنا كما تلك الأيام. جاء أصفر اغبر يجرّ ورائه عربة خيبته.. خيبتنا. حاملاً معه وعداً بموتٍ لاتسعهُ حتى عباءة أرشيجكال ونجومٍ ستنطفئ تاركةً لنا سماءً سوداءَ نكتبُ عليها بالطباشير قصائدَ رثاء.
أكان غدُنا هكذا لأننا ماخرجنا باحثين عنه كما خرجَ جلجامش ينشدُ الأبدية؟ هل كان هكذا لأننا مافعلنا من أجله شيئاً سوى إننا إنتظرنا ولم نخلقه ولابنيناه كما بنى نوحُ العراقيّ فُلكه لينقذ به سلالة البشر؟
قال كتاب التاريخ: الغدّ الذي لاتصنعه يصنعك.. وإقبل به أنّى يكون.
فمن يقبل بيومٍ بعد يومٍ بعد يوم مليئة كلها بغمام الدم؟
هل نعتذر لشهداء الصالحية وقبلهم شهداء الأربعاء الدامي وقبلهم شهداء الكاظمية وقبلهم شهداء الألف مجزة ومجزرة أم نحرسُ قبور من بقيّ في قيد الأحياء؟
* * *
هكذا ترحلونَ، كما يرحلُ الغيمُ فوقَ سطوحِ المدينةِ. ما أسرع الغيم حين يمرُّ على شارعٍ ميّتٍ يحتفي بعصافيرهِ الباقية. أشرقتِ الشمسُ فوق السبيلِ وفوقَ حبالِ الغسيلِ. ولكّنكم لم تعودوا هنا! لهذا تحوّلَ شارُعنا نخلةً كتبتْ إسمها في سجلِّ الوفيّاتِ.. وانكسرتْ.
أيفاجئنا أن هذا الصباح انزوى في دخانِ الحقول، وبعضُ الوجوهِ ارتمتْ في نظامٍ جميلٍ على الناصية؟
* * *
يحقّ لنا أن نقول بعد غيابكم أن الغدّ الذي أنتظرناه سيأتي؟ ربما! فهانحن، رغم رحيلكم، نتهجى أول حروفه، نضع أحجار بناءه الأولى، نختار حتى ألوان فساتين نسائنا التي سيخرجن بها للقائه، ونخبأُ بعناية العاشق وشوقه بذوره في أرض بدت كما لو إنها ضجرت من عجزنا ولاأُباليتنا. ربما سيطلع ورقةَ آس، أو شمعة تطفو على موجِ النهر، غابةُ طرفاء أو صوت أبوذيّة يسافر بعيداً الى أوتار عود إسحق الموصليّ.
ربما سيكون له لون الورد ورائحة المسك والقهوة والهال, وسيكون هذه المرّة لنا ولكم. لن نستعيره من أحد ولن نفاخر به أحدا لإننا نصنعه لنا ولكم أنتم. وسترونه
من غرفةٍ أو شرفةٍ في السماءْ.
فأخرجوا حيث كنتم، وأجمعوا العشبَ في زورقِ الشهداءْ.
وإزرعوا شجرَ البرتقالِ الذي تعرفون، وغنّوا النشيدَ الذي تعرفون.
ربما يسمعُ الأنبياءْ،
ويقتربون
من اللهِ في نومهم.
لتعودوا إلينا.
------------------
سعد الشديدي

بغداد.. أحياءُها شهداء


بالأمس حلمنا، نحنُ وأنتم، بغدٍّ لايشبه بقية الأيام. شمسه، التي لاتشبهها شمسٌ في مجرّةٍ أخرى، تضئُ لتغسل بفورةِ نورها أشجارَ نخيلٍ كانت ستظللُنا بظلٍّ أين منه ظلال الدنيا كلّها. كنّا أنتظرنا أن تخرج مدننا رافعة شوارعها عالياً لترقص به وبنا على حوّاف النهرين العظيمين.

كان حلمنا فيما وراء الزمن والحلم .. أن تصحو الزقّورة من نومها لتعود طيورُ الشقّراقِ تبني أعشاشها في ضفائرِ القمح وفي حبرِ كلماتِ القراءة الخلدونية. حلمٌ راوَدنا، أن ترمحَ خطواتُنا في وطن لا نعرفه ولكنه يعرفُ أسماءنا واحداً واحدا ويحفظُ أسماءَ حبيباتنا عن ظهرِ قلب. كنّا حلمنا طويلاً بيومِ غدّ، الذي جاء.

جاءنا ولكن ليس كما إنتظرنا. فهو حقّاً لايشبه بقية الأيام التي وُلدت وغابت على سهول أور وأكد وصحت عليها حانات بابل ومعابدها الغائبة في رائحة البخور والماوَرد، وليس كالأيام المشتعلة ناراً حيناً والنافخة ثلجاً حيناً آخر وطوت بستائرها الضافية مآذن مدينة السلام، ولايحمل ملامح الأيام التي كانت تُدفأُ قدميها قرب مواقد الرعاة وتختبأ في أكواخ الفلاحين لترى بفضول ما يفعله أبناء إنليل وبنات إينانا بعد أن تنطفئ قناديل المساء.

لم يكن غدُنا كما تلك الأيام. جاء أصفر اغبر يجرّ ورائه عربة خيبته.. خيبتنا. حاملاً معه وعداً بموتٍ لاتسعه حتى عباءة أرشيجكال ونجومٍ ستنطفئ لتترك لنا سماءاً سوداءَ نكتبُ عليها بالطباشير قصائدَ رثاء.

أكان غدُنا هكذا لأننا ماخرجنا باحثين عنه كما خرجَ جلجامش ينشدُ الأبدية؟ هل كان هكذا لأننا مافعلنا من أجله شيئاً سوى إننا إنتظرنا ولم نخلقه ولابنيناه كما بنى نوحُ العراقيّ فُلكه لينقذ به سلالة البشر؟

قال كتاب التاريخ: الغدّ الذي لاتصنعه يصنعك.. وإقبل به أنّى يكون.

فمن يقبل بيومٍ بعد يومٍ بعد يوم مليئة كلها بغمام الدم؟

هل نعتذر لشهداء الصالحية وقبلهم شهداء الأربعاء الدامي وقبلهم شهداء الكاظمية وقبلهم شهداء الألف مجزة ومجزرة أم نحرس قبور من بقيّ في قيد الأحياء؟

* * *

هكذا ترحلونَ، كما يرحلُ الغيمُ فوقَ سطوحِ المدينةِ. ما أسرعَ الغيمُ حين يمرُّ على شارعٍ ميّتٍ يحتفي بعصافيرهِ الباقية. أشرقتِ الشمسُ فوق السبيلِ وفوقَ حبالِ الغسيلِ. ولكّنكم لم تعودوا هنا! لهذا تحوّلَ شارُعنا نخلةً كتبتْ إسمها في سجلِّ الوفيّاتِ.. وانكسرتْ.

أيفاجئنا أن هذا الصباح انزوى في دخانِ الحقول، وبعضُ الوجوهِ ارتمتْ في نظامٍ جميلٍ على الناصية؟

* * *

أيحقّ لنا أن نقول أن الغدّ الذي أنتظرناه سيأتي؟ ربما، فهانحن نتهجى أول حروفه، نضع أحجار بناءه الأولى، نختار حتى ألوان فساتين نسائنا التي سيخرجن بها للقائه، ونخبأُ بعناية العاشق وشوقه بذوره في أرض بدت كما لو إنها ضجرت من عجزنا ولاأُباليتنا. ربما سيطلع ورقةَ آس، أو شمعة تطفو على موج النهر، غابةُ طرفاء أو صوت أبوذيّة يسافر بعيداً الى أوتار عود إسحق الموصليّ.

ربما سيكون له لون الورد ورائحة المسك والقهوة والهال, وسيكون هذه المرّة لنا ولكم. لن نستعيره من أحد ولن نفاخر به أحد لإننا نصنعه لنا ولكم أنتم. وسترونه

من غرفةٍ أو شرفةٍ في السماءْ.

فأخرجوا حيث كنتم، وأجمعوا العشبَ في زورقِ الشهداءْ.

وازرعوا شجرَ البرتقالِ الذي تعرفون، وغنّوا النشيدَ الذي تعرفون.

ربما يسمعُ الأنبياءْ،

ويقتربون

من اللهِ في نومهم.

لتعودوا إلينا.

سعد الشديدي

gelgamesh2000@hotmail.com

الاثنين، أكتوبر 26، 2009

وزير الداخلية: ماكو مفخّخة تفوت.. والحبال موجودة؟؟!!

تصريح السيد وزير الداخلية بأن تهاون القضاء العراقي مع المحكومين بجرائم الإرهاب هو من أهم أسباب الفوضى الأمنية التي تندلع بين فترة وأخرى مسببّة مقتل المئات من العراقيين ومنها جرائم الأربعاء الدامي وتفجيرات يوم الأحد الأسود، هذا التصريح يثير الأستغراب. ربما كنّا سنهز رؤوسنا لنثّني على ما قاله السيد جواد البولاني في بث مباشر مع قناة العراقية يوم أمس لولا إننا جميعاً نعرف بأن الموضوع أكبر وأعقد من ذلك بكثير.
فقد تحوّل الإرهاب الى صناعة متكاملة، لها أصولها "الحرفية" وتمويلها المالي الضخم الذي يُعتقد إنه يتجاوز ميزانيات دولة من دول الجوار، ومساجده وأئمته الداعون علناً الى إبادة الآخر، ودعاته وأحزابه التي تدعمه من داخل العملية السياسية ومن تحت قبة البرلمان ومن مواقع عليا تصل الى ما لا يستطيع المواطن تصورّه، وعلى عينك يا تاجر. وهذا يعرفه السيد وزير الداخلية.
وله أيضاً ضحاياه الذين يتساقطون كأوراق الأشجار الصفراء في عاصفة خريفية ظالمة. هم أبناء العراق ونسائه وأطفاله، ولايهتز جفنُ أحد لموتهم الشنيع.
وله المستفيدين منه من خارج دائرة الأحزاب والتكتلات التي تسانده، في الأحزاب التي تطارد الإرهاب في العلن وتستفيد منه أقصى إستفادة في الخفاء لتحصد أرباحاً سياسية وأمتيازات وعوائد مالية على حساب جثث العراقيين المتفحمة.
أما دول الجوار التي تجنّب السيد البولاني الإشارة إليها بدبلوماسية يحسد عليها فهي الأخرى لها نصيبها في السيرك-المأتم.
وإذا كان السيد وزير الداخلية لايرى هذا كلّه ولايحسب حسابه فالأفضل إذن أن نردد معه الشعار الشهير الذي كان الثوريون بعد 14تموز1958 يرددونه مطالبين بتنفيذ عقوبة الإعدام بأعداء الثورة: ماكو مؤامرة تفوت والحبال موجودة.
الحقيقة التي عرفها الثوريون وشاهدوها بأم عيونهم فيما بعد إن الحبال والمشانق لم تُنجِ 14 تموز ورجالاتها وأنصارها من السقوط.
الحل لايكمن في عدد الحبال المرفوعة وطول تلك الحبال التي ستجلب معها حبالاً أكثر طولاً وأشدّ وحشية، بل فيما هو أكثر من ذلك ياسيادةالوزير: أن تعترف الحكومة بعجزها وتعلن تنحيّها عن السلطة وأن يُصار الى تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية بلا طائفية أوعنصريةومحاصصة مقيتة، حكومة تتكون من المخلصين من أبناء العراق وبناته لا من حملة شهادات الدكتوراه المزورة في سوق مريدي، حكومة تثق بها الأمة وتعرف إنها تضع حياة العراقيين بالدرجة الأولى في سلّم أولوياتها..
هذا هو الحبل الذي سيلتّف على رقبة الإرهابيين والمفسدين وبائعي الكباب والفجل الذين أصبحوا قادة سياسيين في وطن يموت أبنائه كل يوم تحت سمع وبصر قادة المرحلة وأبطال دوامة العملية السياسية وفرسان الصولات الفارغة، والنواب في روضة زعاطيط البرلمان العراقي الذين لم ينجحوا، حتى بعد مشاهدتهم للدم العراقي الرخيص وهو يسيل بخجل في شوارع الصالحية، في الإتفاق على قانون جديد للإنتخابات.
قد نتفّق جدلاً مع السيد وزير الداخلية جواد البولاني ونعترف إن الحلّ يكمن في تفعيل أحكام الإعدام ولكن السؤال هنا هو: إعدام مَنْ يا معالي الوزير ؟؟
سعد الشديدي

الأحد، أكتوبر 11، 2009

حجرٌ.. شمعةٌ..وجنوب

تمنيتُ لو أنني رملةٌ في ترابِ السماوةِ،
لو أنني حجرٌ ضائعٌ في براري الجنوب.
تمنيتُ لو أنَّ كفي بحيرةَ ماءٍ يغافلُها الوحشُ عندَ الغروب،
ولو كانَ قلبي دثاراً لغابةِ نخلٍ.. لأيقظتُه حينَ تغفو القلوب.

تمنيتُ لو أنني شهرزادُ لأحكي.. وأحكي..
ولاأنتهي من حكايا النساءِ.
وآخذُ من سجنِ روحي مرايا
أخبّئُها في حروفِ الهجاءِ.

تمنّيتُ لو إنني هوَ هذا العراق
لطاردتُ موتي،
وأطلقتُ غيظي سفينةَ نوحٍ
وأرسلتُ غمراً من الأنبياءِ.

ولو كنتُ طيراً، لهاجرتُ - منذُ زمانٍ - الى ثوبِ أمي..
واطفأتُ شمعةَ نفسي.. بنفسي، على راحتيها،
لكي لاتراني إذا ما أذوب.

سعد الشديدي
6 أيلول 2009

الاثنين، سبتمبر 14، 2009

مسكينٌ هذا الفتى.. مسكينٌ منتظر الزيدي

اليوم يخرج الصحفيّ العراقي منتظر الزيدي الى الحرية بعد أن كان من المقرر أن يتم الإفراج عنه يوم أمس 14 أيلول/سبتمبر 2009. هذا ما صرّح به شقيق الزيدي لوسائل الإعلام صباح اليوم، مؤكداً إنّ تأخير خروج شقيقه من السجن كان لأسبابٍ إجرائيةٍ... لا أكثر.
ومنتظر الزيدي، الصحفيّ العراقي الذي قذف َ رئيسَ الولايات المتحدة الأمريكية، جورج بوش الإبن، بحذائين متتاليين في مؤتمر صحفيٍّ عقده مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في بغداد في 14 كانون أول/ديسمبر 2008، قضى تسعة اشهر ويوم واحد في التوقيف والسجن، هذا على إفتراض الإفراج عنه اليوم.
إذن فإجراءات الإفراج عن الزيدي على قدم وساق وستسمر حتى يخرج السجين ليسير بحريةٍ في شوارع بغداد محاطاً بإفراد عائلته وعددٍ، نعتقد جميعاً انه سيكون كبيراً، من المواطنين الذين ألهبَ منتظر الزيدي.. والأصح حذاءاه الشهيران... مشاعرهم الوطنية ومنحهم إحساساً بآدميتهم لأول مرةٍ منذ زمن طويل.
ودون الدخول بالمعركة الأبدية التي يتخندق فيها طرفان من العراقيين يرى أحدهما بأن منتظراً بطلٌ وطني أبرَدَ بما فعله غليلَ الكثيرين من أبناء وطنه بينما يراه الطرف الآخر أبن شوارع - زقاقي دخل العمل الصحفي من باب جحا الخلفي - ولايعرف سوى لغة الأحذية، ودون رثاءٍ مُبكر لهذا الفتى الجنوبي الذي وُلد وأشتدّ عوده في مناطق الغيتو المحيطة بالعاصمة العراقية بغداد (المناطق التي تقع قريباُ من المدينة ولكنها لم تنتمِ ولن تنتمي اليها بأي شكل من الأشكال ولا في أي زمن من الأزمنة سواءٌ كان ذلك بفعل فاعل من خارجها أو بإختيارها الخاص ومع سبق الإصرار)، ودون دخول في تفاصيل حياة الزيدي قبل إنهيار النظام الدكتاتوري والمتراسِ الذي كان يقف فيه آنذاك، مع أو ضدّ النظام أو بينَ بينْ في المنطقة الغائمة التي ينتصبُ فيها التلّ الذي جلس عليه عقيل بن أبي طالب محايداً بين ثريد معاوية والصلاة وراء عليّ، وأخيراً دون محاولة قراءة كفّ الزيدي أو فنجان قهوته التي لم ربما لم يذقها منذ دخل عالم ما وراء القضبان، دون هذا كلّه يجب تقييم ما فعله الزيدي وسرّ التأييد الواسع الذي حاز عليه حتى إن شاعرنا الكبير سعدي يوسف حيّا منتظراً في قصيدة نُشرت أمس أهان فيها علمنا الوطني وجعل منه حذاءاً " يحلّق مقذوفاً ليصيب" فهنيئاً لأبي حيدر علمه الجديد بقياس 44 وهو مقياس حذاء الزيدي "الشهير".
الأكيد أن حذاء منتظر الزيدي الذي وجد من يجعله علمنا الوطني وربما القومي الذي سنناجز به أعداء الأمة العربية الواحدة.... ذات الـ..... كان تعبيراً عن حالة العجز التي يعاني منها قطاع واسع من العراقيين الذين اُخذوا على حين غرّة بدخول قوات الإحتلال الأمريكي الى بلدهم ولم يحددوا موقفاً من ذلك حتى الآن فهم اليوم مع أمريكا وغداً ضدّها، وهم ذات القطاع الذي كان هدفاً لأحذية الأنظمة التي تركت آثارها واضحة على ظهورهم ووجوههم وأدمغتهم منذ عشرات السنين وإمتازوا بالعجز عن مواجهة تلك الأنظمة والآن العجز عن مواجهة الإحتلال بأساليب فاعلة تستطيع إجباره على الهرب كما فعل مثلاً في فيتنام. لذلك فلابدّ إن قائد القوات الأمريكية في العراق شعر بإرتياح كبير وهو يشاهد على شاشة التلفزيون إنطلاق حذائَي الزيدي نحو رئيسه المبجل جورج دبليو بوش، لأنه شعر بالتأكيد أن هذاالشعب غير جادّ إطلاقاً في موضوع المقاومة فلو كان جادّاً ومتيقناً من قدرته على المواجهة بأساليب أخرى غير حذائية لفعل.
الغريب أن أهالي تكريت، تكريت وليس غيرها، أقاموا نصباً لحذاء الزيدي. أما كانوا هُم مَن أشبع العراق شعباً وتراباً وسماءاً وماءاً ضرباً بالأحذية طوال أكثر من ثلاثين عاماً؟
ولكن مافعله الزيدي أصبح جزءاً من التاريخ، رضيَّ من رضيَّ ورفضَ من رفضَ، وسيخرج اليومَ الى الحرية فما الذي ينتظره؟
ويبدو أن الخطوة القادمة ستكون مغادرته الى خارج العراق ليعيش منفياً بإرادته، وهذا ما لايتمناه له أحد. فالمصادر المقرّبه من عائلته تشير أن العائلة تعدّ العدّة له لأن يغادر العراق بعد الإفراج عنه بفترة قصيرة بسبب التهديدات التي تلقتها العائلة بالإنتقام منه حال خروجه. والحقيقة إن تلك التهديدات هي مجرد وهمٌ، فتصفيه منتظر في سجنه الذي مكث فيه أشهر عديدة كان أمراً ولا أسهل منه، على عكس ما قاله الشاعر سعدي يوسف في قصيدته. ولكن العراقيين المعتادين على أساليب صدام حسين في الإغتيالات للتخلص من أعدائه لم يعرفوا بعد كيف يفكر الأمريكان وكيف يسلكون مع أعدائهم أو أصدقائهم. فالتخلص من منتظر الزيدي عن طريق القتل أو موته بصورة غامضة سيجعل منه شهيداً وهذا لايريده الأمريكان ولاغيرهم. لذلك فإن خطر إغتياله خارج لسجن هو مسألة مبالغ فيها. لذلك فما معنى التلويح بخطر إغتياله الذي أعلنت عنه عائلته وأصدقائه؟
أما التخطيط لسفره الى خارج العراق فمسألة يمكن فهمها. ذلك أنه لن يستطيع التحرك كإعلامي داخل العراق ولن يستطيع الوصول في مهماته الصحفية الى مراكز صنع وإعلان القرار كما كان يفعل من قبل. لذلك فإن مغادرة العراق أمر طبيعي ومحفوفٌ بالكثير من الآفاق والمخاطر، وأكثر تلك المخاطر جديةً هو إكتشافه أنه دخل في لعبة أكبر منه، إنْ بمبادرته الخاصة أو مدفوعاً إليها دفعاً، وأن لاطاقة له بها وإنه لن يكون قادراً على الإستمرار فيها حتى النهاية. فمن يخطو الخطوة الأولى يجب أن يخطو بعدها خطوات أخرى في نفس الإتجاه وإلا كانت خطوته الأولى بلامعنى. فكيف ستكون خطواته القادمة؟
يجب على هذا الفتى الذي حقق مفاجئة أربكت العالم ولو للحظات قصيرة أن يكون قد حسب الحِسبة بشكل صحيح إثناء خلوته في سجنه. ذلك إنّ جميع من حوله دون إستثناء سيسعون لإستثمار ما فعله والحصول من خلاله على مكاسب معنوية ومادّية، وسيكون أشتراكه في ذلك وبالاً عليه، وكذلك صمته أو رفضه لما يجري بإسمه. والأدهى من ذلك جميعاً أنه قد يكتشف يوماً بأنه تحوّل الى بُرغي في ماكنة كبيرة يرى ـ ومعه كلّ الحق في ذلك، بأنه كان من أول حرّكها بحذائيه في البداية. ماكنة تصنع الأموال والشعارات والمقالات والبرامج واللقاءات التلفزيونية والقصائد لمصلحة عدد كبير ممن يحاولون إمتصاص ماقام به في المؤتمر الصحفي في 14 كانون أول 2008 وإن عليه أن يتقبل ذلك بطيبة خاطر وإلا أنقلبت عليه الآية.
هذا من طرف أصدقائه، أما أعداءه فلايعلم سوى الله ما هم فاعلون لأسقاطه بشكل نهائي فإن نصف شعبه على الأقل يشجب ما فعل وإسقاطه نهائياً وإن كان ليس بالأمر باليسير فهو في آن ليس عسيراً.
المهم أن نرى كيف سيكون منتظر الزيدي بعد عام واحدٍ من خروجه. هل سيتحدى القدر ويرميه بحذائين جديدين أم سيكون هو ضحية القدر واللعبة التي بدأت حتى قبل خروجه من سجنه؟ لننتظر ونرى.. واليوم سيكون الأول, وغدٌ قادم لاريب.


سعد الشديدي

السبت، أغسطس 22، 2009

الأرهاب يخدمهم فلماذا يحاربوه؟


الإرهاب وتكميم الأفواه توأمان سياميان لايمكن الفصل بينهما. هذا ما تُظهره الأحداث المأساوية الأخيرة التي شهدتها العاصمة بغداد وعددٌ من المدن العراقية الأخرى وأكده ايضاً سلوك النائب الأول لرئيس مجلس النوّاب الشيخ خالد العطية عندما أمر بإخراج الصحفيين الموجودين تحت قبة البرلمان من الجلسة الإستثنائية هذا اليوم الجمعة 21 آب.
فبدلاً من أفساح المجال لممثلي السلطة الرابعة لتغطية أعمال الجلسة وإيصال تفاصيلها الى المواطنين العراقيين سارع الشيخ العطية الى إصدار أمره بإبعادهم مما يعني إن الشيخ العطية لم يكن يريد للمواطن العراقي أن يعرف بعض التفاصيل النوعية المهمة التي قد تبدد الغموض الذي يلّف الموقف الراهن. ومن حقنا أن نسأل إن كان من حق الشيخ العطية أن يفعل ذلك؟ الجواب هو كلا. فليس هناك نص في النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي ولا من التقاليد الغضّة للمجلس الذي مازال يحبو إضفاء طابع السريّة على جلسةٍ ما قبل تصويت أعضاء المجلس على ذلك، وهذا لم يحصل في الجلسة الإستثنائية اليوم. فلم يقترح أحدٌ بدء جلسة سريّة ولم يصوّت أحدٌ لعدم وجود مايستلزم ذلك.
المشكلة الأكبر كانت في نتائج تلك الجلسة التي قيل إنها إستثنائية، فقد كانت على حدّ وصف أحد أعضاء مجلس النوّاب الحاضرين: لاتُغني ولاتسمن من جوع. وإن السادة الوزراء ممن إستضافهم مجلس النواب زادوا الطين بلّة وإنهم أظهروا الفوضى التي تعيشها القوى الأمنية والأكثر من ذلك إن الوزراء بينوّا من خلال خطاباتهم أمام أعضاء المجلس الذين لم يزدّ عددهم على ستين عضواً عدم وجود ستراتيجية أمنية حقيقية فاعلة والإفتقار الى التنسيق بين قيادات الأجهزة الأمنية.
ويبدو إن الشيخ العطية يعرف ذلك جيداً وإنه لايريد ربما كشف المستور، الذي لم يعد مستوراً، فقد رأيناه بأعيننا إن في الشارع أم على شاشات التلفزيون.
بعد كلّ هذا أصبح بحكم المؤكدّ إن هناك من له مصلحة بوجود هذا الإرهاب وإن بعض أطراف العملية السياسية إستمرأت أعمال الإرهاب التي تصيب أبناء الخايبة دون سواهم في حين إن السادة المسؤولين يتمّ حمايتهم جيداً من مخالب الإرهاب الذي ينهش أجساد العراقيين وترسلهم الى الموت زرافاتٍ ووحدانا.
إن هذا الإرهاب أصبح طريقاً سهلاً لمن يسمون أنفسهم النخب السياسية لفرض الأمر الواقع والتحكم بحياة العراقيين وحاضرهم ومستقبلهم وسنّ قوانين وسياسات لتحجيم حرياتهم وسلب حقوقهم الدستورية، وهو مايسعون إليه اليوم دون خوفٍ أو خجل.
لذلك فمن حقنا أن نسأل أولئك الذين تسلقوا على أكتاف العراقيين وجراحهم لم لا يسارعوا الى إقامة تماثيل ونُصب في الساحات العامة ومداخل المدن العراقية لتكريم الإرهابيين بدلاً من ملاحقتهم. فلولا الإرهاب والإرهابيين لما بقيّ احدٌ منهم في الحُكم بعد سنوات من التقاعس والإهمال والفساد ولما تمكنوا من فرض الأمر الواقع علينا، فهم والأرهاب الأعمى حصانان يجرّان عربة العراق الى هاوية الدمار والفقر والتقسيم.

سعد الشديدي

الاثنين، أغسطس 17، 2009

سعر العراقي: 2500 دولاراً فقط لاغير


عرضت قناة العربية مساء أمس فيلماً وثائقياً عن برنامجٍ تدريبي لقوة أمريكية في طريقها الى العراق وكيف يتم إعداد المقاتلين الأمريكيين لمواجهة الحالات الطارئة والغير تقليدية في أرض المعركة. ففي حين قدّم الفيلم تفاصيل مدهشة عن أساليب القوات الأمريكية لتدريب الجنود والضباط العاملين في العراق لمواجهة الظروف غير المنتظرة التي قد يواجهونها، ألقى الضوء، فيما بين السطور على الأقل، على أساليب التفكير التقليدية وأعتماد الصور النمطية السائدة عن العراقيين لدى الأمريكيين بصورة عامة والقيادات العسكرية الأمريكية على وجه الخصوص وربما عن أسباب ولادة تلك الصورة ومشاركتنا نحن العراقيين في تحمّل جزء من مسؤولية ظهور تلك الصور النمطية.
أقامت القوات الأمريكية قرية "عراقيةً" في منطقة صحراوية في الولايات المتحدة. في هذه القرية يمارس الجنود الأمريكيون نساءاً ورجالاً تدريبات قاسية ربما ستؤهلهم لمواجهة حالات وظروف غير متوقعة وخارجة عن المألوف وتحتاج أحياناً الى حلول لم يتعودها "العقل" الأمريكي ولم تعرفها العادات والتقاليد وأسلوب الحياة الأمريكي.
يعرض الفيلم كيف يمثل المتدربون حالة من الحالات التي تقتل فيها قوةُ أمريكية عدداً من المدنيين العراقيين عن طريق الخطأ. وهذا يحدث، ففي الحرب يجب على المرء أن يتوقع الأسوأ حتى لو كان مدنياً لاناقة له ولاجمل في تلك الحرب. تثور ثائرة باقي سكان القرية ويخرجون للتظاهر إحتجاجاً على قتل أقاربهم وأصدقائهم. وبينما يحاول بعض الجنود الأمريكيين تهدئة روع الغاضبين، يدخل عدد آخر من الضباط والجنود الى منزل الضحايا للإعتذار وأيضاً لدفع الديّة. التمثيلية- التدريب مازال جارياً.
- ما هو المبلغ المطلوب الذي يُدفعُ عادةً؟ يسأل جندي أمريكي.
- تجيبه المرأة التي تمثل دور إمرأة عراقية قد تكون زوجة الضحية أو أخته أو أمه: 2500 دولار.
يدفع الجنود الأمريكيون الدية ويذهبون بعد أن تمّ حل المشكلة "سلمياً" ليحسبوا كم بقي من الأموال لدى تلك القوة المقاتلة.
الى هنا ينتهي الفيلم الوثائقي. ومن هنا تبدأ عملية مواجهة واعية مع ما تركته الصور الناطقة في هذا الفيلم من أثر في داخلي جعلني على حافة فقدان الإحترام لشعبي وبلدي وثقافتي التي تحدرت منها وإليها أنتمي حدّ النخاع.
فلم أكن أعرف قبل الآن أنني كعراقي أصبح لي سعر في بورصة السياسة العالمية. ولم أكن أرى في أكثر الكوابيس عتمةً أن ذلك السعر سيبلغ 2500 دولاراً فقط لاغير.
لاألوم قناة العربية على عرضها لذلك الفيلم الوثائقي، بل بالعكس أمدّ يدي مصافحاً تلك القناة شاكراً لها جهودها في إعلامي بشكل سهلٍ ومؤثر بسعري الحقيقي. ولاألوم القوات الأمريكية على إجراءها تلك التدريبات فمن حقها أن تهئ جنودها وضباطها ليتعاملوا مع الظروف الطارئة التي قد تواجههم بالشكل الذي يرونه مناسباً، وهم في نهاية الأمر قوات غازية لاعلاقة لها بنا وبمنطقتنا وثقافتنا وأسلوب تفكيرنا وحياتنا ولاأنتظر منهم حتى إبداء أقل أشكال الإحترام لنا كعراقيين فلم يأتوا لنا قاطعين آلاف الكيلومترات ليقدموا لنا آيات الإحترام والتقدير بل لتأدية مهام محددة لها علاقة بما يطلقون هم عليه بالمصالح الأمريكية العليا.
ولكنني يجب أن أتوجه باللوم الى العراقيين أنفسهم. لمن وضعوا سعراً بالدولار لأبناءهم وبناتهم يقبضونه نقداً، وهم لايخجلون على الإطلاق من تأكيد ذلك السعر الذي لابدّ إنهم قبضوه بالفعل من الأمريكيين في حالات عديدة. ويجب أن أوجه اللوم والنقد الى الحكومة العراقية لسماحها بوضع سعر، أي سعر مهما بلغ، على رأس العراقي الذي اصبح أرخص من رأس الخسّ أو البصل. وقبل كل أولئك على العرف العشائري القمئ الملئ بالتخلف والمصاب بعفونة مزمنة لافكاك منها سوى بنزعها وسلخها عن جسد ثقافتنا العراقية وأسلوب حياتنا الذي نريد له أن ينتمي الى التحضر والتمدن لاإلى الجاهلية والأعراف القبلية البائدة.
وإذا كان هناك من يعتقد أن سعر العراقي البالغ 2500 دولاراً هو سعر عادل وضعته البورصات العشائرية وشيوخ القبائل والعشائر والأفخاذ وهو سعرٌ متفق عليه بقوة العُرف والقانون العشائريين فبئس الثمن وبئس العشائر وبئس الشيوخ وبئس المجتمع الذي يرضى بتسعير أبنائه وبناته وبيع حياتهم لقاء أي مبلغ كان.
إذهبوا أيها العراقيون لتراجعوا أرقام المبالغ التي دفعها النظام الليبي لضحايا طائرة لوكربي. فقد دفعت ليبيا عشرات الملايين من الدولارات تعويضاً لكل ضحية من ضحايا تلك العملية الإرهابية, مقابل 2500 دولاراً فقط لكل واحد منكم.
هل حقاً أن العراقي أصبح رخيصاً الى هذا الحدّ؟ وهل حقاً أن العراقيين، المتحضرون منهم على الأقل، يوافقون على أن يكون لهم سعر يعلّقه مجتمعهم في بطاقة السعر الخاصة بكل واحد أو واحدةً منهم ليتدلى من ياقات قمصانهم أو جيوب معاطفهم؟
وهل عرفتم أيها العراقيون لماذا اصبح ثمنكم رخيصاً أمام العالم؟ الجواب هو ربما لأنكم أنتم من حددّ ثمناً رخيصاً لأنفسكم لايتعدى 2500 دولاراً أمريكياً فقط!!
سعد الشديدي

الثلاثاء، أغسطس 04، 2009

الكوفةُ والوردة

نتساءلُ إن كنتَ الواقف عندَ البابِ
تغازلُ أشجارَ الطرفاءِ..
وتغمرُ آثارَ البدوِّ الرّحلِ بالماءِ ..
وبالحنّاءِ.
تتركنا، في عَجلٍ، لنغيبَ..
فتدخل أورَ من البواباتِ السبعةِ، منكسراً.
تحثو ضوءَ القنديلِ ينابيعاً صافيةً،
وتفتشُّ في قاموسٍ خطايانا،
عن شجرِ التينِ وطورِ سينينْ.
* * *
نتساءلُ إن كانت هذي الأرضُ تنامُ على خاصرةِ الوردةِ
أم حدِّ السكينْ..
وأنت تآلفُ بينَ الكوفةِ والوردةِ،
بين شوارعِ بغدادَ وأنقاضِ الأكديينْ...
وبين زوارقِ بحرِ عُمان وبرجِ الكاتدرائيةِ في برلينْ.
* * *
هادئةٌ أضواءُ الشارعِ..
مورقةٌ جدرانُ الجفصينْ
وواقفةٌ، في حذرٍ،
إذ تسّاقطُ آثامُ الحرّاسِ الليليينْ.
يعلو شبقُ أمراةٍ فوق السطحِ
فننصتُ..
هذا وقتُ غناءِ الموتى؟
أم ساعةَ صيدِ الجنِّ المذعورينْ؟
* * *
نتساءلُ أن كنتَ الواقف، حقاً، عند البابِ..
تراقصُ ليلى والمجنونْ.
فلماذا لا تخلقُ، في لحظة شوقٍ، سُندسةً
تختصرُ الحرفَ مجرّةَ مسكٍ,
وتصيّرهُ برداً وسلاماً..
ورقيماً بالخطّ المسماريِّ الدافئ..
أبواباً مشرعةً..
رُطباً..
وجرارَ نبيذٍ باردةٍ،
لبقايا امرأةٍ تتحركُ فيها الروحُ فيصفو نهداها ويفورانِ كما نهرينِ الى دلمونْ؟

سعد الشديدي
3 تموز 2009

الاثنين، يوليو 13، 2009

لنعتذر لضحايا ثورة 14 تموز

عام آخر وتموز قادمٌ جديد، كأنه تموز الذي مضى. ذات الشمس ورمضاء البراري القاحلة، وذات النخيل المزيّن بعذوق الرطب الأصفر، يتدلى ناثراً ضوعاً تحمله الطيور الى شبابيكنا وأسرّة نومنا. من قال إن الزمن يتغير وإن الفصول تجري ونحن نجري وراءها؟
فقد كان الحال ذاته قبل واحد وخمسن عاماً بالضبط. يوم إنطلقت رصاصات ثورة كان يمكن لها أن تكتب فصلاً جديداً في تاريخ العراق منذ فجر السلالات حتى هذا العصر, لولا إنها جاءت في لحظة كان التاريخ فيها يهتز على خيط ٍ أبيضٍ رفيع. فتعثرت منذ أيامها الأولى. كان لها أن تجعل تموز شيئاً آخر وأن تنهض به من عالمه السفليّ وتنصبّه ملكاً على أشهر العام، ولكنها إنكسرت وهي بعدُ صبية.
الثورة، اولاً وأخيراً، هي من قام بها، هي الشعب بجيشه وأحزابه وطبقته الوسطى وفلاحيه الفقراء ومثقفيه وعمّاله الذين لم يكونوا يشكلّوا طبقة واضحة المعالم حينذاك، ومازالو ربما. ويخبرنا التاريخ بأننا لانجيد فن الثورة، لذلك أنقلب تموز من عرس إلى مآتم لم تنته بعد. ربما لأننا كنا خارج لعبة التاريخ لزمن طويل جداً، أو لأن أحلامنا كانت أكبر من أن يحتضنها الواقع وترضعها شروطه القاسية لتصبح فيما بعد حقائق تقف على الأرض. أو ربما لأننا حاولنا السير على طريق الثورة الفرنسية التي إندلعت هي الأخرى في نفس اليوم والشهر ولكن قبل سنين وسنين من ثورتنا!! ما نعرفه هو إننا لم نرَ مشروعاً حضارياً كمشروع الثورة الفرنسية إنتصر في نهاية الأمر ليكون ملهماً لشعوب العالم التي أنتهجته فيما بعد. قلّد الآخرون ثورة 14 تموز الفرنسية في بعدها الحضاري وبناء دولة المواطنة أما نحن فقلدناها في عدد المقاصل التي إنتصبت وقطعت رؤوس المواطنين، وربما تجاوزت تلك التي نصبها رجال الثورة الفرنسية بعضهم لبعض ولغيرهم من أعداء الثورة وأنصارها.

يحدثنا التاريخ بأن أيام الأولى للثورة، والتي يُفترض أن تكون بوابتنا الى عهدٍ جديد تؤدي بنا الى حقبة أفضل من سابقتها، مليئة بصور المشانق التي إنتصبت في شوارع بغداد. الملك الشاب الذي أنقلب عليه جيشه أصبح هدفاً لرصاص لثوار سوية مع أفراد عائلته رجالاً ونساءاً. نسينا إننا أعطينا عهداً لجدّه الشريف حسين ملك الحجاز بأن لانقتل أحداً من العائلة الهاشمية. عندما ذهب وفد العراق الى الحجاز طالبين من الشريف حسين أن يسمح لهم بتتويج إبنه الشاب فيصل ملكاً عليهم، تردد الرجل وأسرّ لهم بأنه يخاف أن يفعل العراقيون بفيصل ما فعلوه بجدّه الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) فأقسموا له أن هذا لن يحصل. أحسب أن ذلك الوعد لا يشمل فيصلاً وحده بل يشمل أبناءه وأحفاده أيضاً. ولكننا أخلفنا بوعدنا. لم نقتل فيصل الأول ولكننا قتلنا فيصل الثاني. هل كان تردد الشريف حسين ملك الحجاز نبوءةً من نوع خاص؟
لم تقتصر مقاطع القصة على قتل الملك الشاب وعائلته بل تجاوزتها الى رجالات ذلك العهد. وعلى رأسهم نوري السعيد وصالح جبر. اليوم بتنا نعرف جيداً أن نوري السعيد كان أكثر شرفاً ووطنية من كثير من رجال الدولة التي تعاقبوا على الحكم بعده مقتله، وكان أكثر مقدرة على تحريك خيوط اللعبة السياسية من جميع رؤوساء الوزارات الذين جلسوا على كرسيه فيما بعد. لم نكتف بقتل هذا السياسي العراقي الذي لم يترك وراءه حساباً مصرفياً ولا قصراً ولا بساتيناً وأملاكاً له أو لأحد أفراد عائلته بل قمنا بالتمثيل بجثته هو وصالح جبر الذي قطعت الجماهير "الثائرة" يده التي وقّع بها على معاهدة بورتسموث مع بريطانيا. المضحك المبكي إننا عدنا بعد ستين عاماً لنعقد معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية لاتختلف كثيراً عن تلك التي وقعهّا صالح جبر مع بريطانيا.

ويستمر التاريخ ليحدثنا أن الجماهير قتلت من قتلت. هناك من يقول بأن المشانق كانت تنتشر في شوارع بغداد، ولا ندري إن كان ذلك حقاً أم إفتراءاً على الثورة! ولكن الأكيد أن عدداً من رجال الحكم الملكي تمّ سحلهم في الشوارع. من كانوا وما هي أسماؤهم وكم عددهم؟ هل تصدّى الباحثون لأماطة اللثام عن صفحات من كتاب ثورة تموز في أيامها الأولى لانريد لها أن تظهر الى النور؟ هل نخجل من ذلك كله ولانريد أن نتذكره؟

اليوم يكون قد مرّ واحدٌ وخمسون عاماً على ثورة العراقيين في 14 تموز. ولكي نعيد الثورة الى طريقها الذي كان مقرراً لها أن تسير فيه أعتقد إن علينا أولاً الإعتذار لضحايا الثورة، لملك العراق الشاب فيصل بن غازي بن فيصل بن الحسين (رحمه الله) ولأفراد عائلته من الأطفال والنساء الذين قتلوا معه ذلك اليوم. ولرجال الدولة العراقية، رغم كل إخطاءهم وحماقاتهم، من الذين قتلناهم ومثلنا بجثثهم في شوارع بغداد. ونعتذر لبغداد التي أفاقت على لون الدم ورائحته في شوارعها وساحاتها. للعراق الذي لم يعد كما كان وفاض فيه أكثر من طوفان للدمّ والموت بعد أن أصبح الموت والمشانق وسحل الموتى والأحياء مرادفاً للشعور بالحرية. ولكن هل لنا قبل كلّ ذلك أن نعتذر لأنفسنا لأننا دخلنا في مغارة لم نخرج منها بعد وتعودنا تصفية خصومنا دون أن نشعر حتى بالذنب؟ وأعتذارنا هذا ليس إعتذاراً لأشخاص بل إدانة لنهج دموي أصبح قانوناً يحكم حياتنا السياسية وهاجساً دائماً لايريد أن يفارق نخبنا السياسية، أو ربما لايريدون هم مفارقته، منذ ذلك الحين.
تموز يأتي ككلّ عام، ولكي لانجعله يمرّ كما كان يفعل دائماً قد يكون من الضروري لمن يريد أن يفتح كتاب الثورة، أن يقرأه بتؤدة وببعض من هدوء ويقول بصوت عالٍ، لا بأس أن يسمعه الجيران والمارّة، بأن علينا أن نعتذر للثورة عما فعلنا بإسمها وللضحايا الذين سقطوا فداءاً لها، وللعراق الذي أسئنا إليه ولأنفسنا لإننا إعتقدنا إن الثورة هي المقصلة فحسب ونسينا الإنسان: هدف الثورة ومشروع التغيير، وما زلنا ندفع ثمن ذلك حتى اليوم.

سعد الشديدي

gelgamesh2000@hotmail.com

الأحد، يوليو 05، 2009

من قتلَ روبن هود؟


أخيراً مات روبن هود، الثائر الأسطورة الذي ألتفّ حوله الفقراء في غابة شيروود في مقاطعة نوتنغهامشايرلأنهم كانوا يرون فيه صوتهم العالي وقبضتهم الضاربة. مات الرجل الذي كان يُعيد للفقراء ما سرقه منهم الإغنياء ويقف أمام أطماع وتجاوزات شريف نوتنغهام على القانون ومحاولته المستمرة للحوسمة والتقفيص.
المؤسف إن هذا الثائر لم يمت في ساحات الوغى بطعنة رمح أو ضربة سيف، ولابالسمّ الذي دسّه له عدوّه اللدود مدير شرطة نونتغهام الظالم, ولاحتى بسهم طائش، من تلك التي كان يجيد توجيهها لخصومه، بل ذهب شهيداً لقرار هيئة الإذاعة البريطانية BBC التي قررت التخلّص منه غيلةً لإنهاء مسلسل يحمل إسمه لعدم كفاية الميزانية المخصصة للمسلسل جرّاء الأزمة الإقتصادية التي تعيشها بريطانيا والعديد من المؤسسات البريطانية ومن ضمنها هيئة الإذاعة البريطانية.

هكذا إذن هو مصير الأساطير! تموت عندما لاتجدّ من يدفع ثمن إستمرارها في الحياة.
وسواء وافقنا على موت نصير الفقراء أم لم نوافق فإن إنهاء حياة إسطورة تاريخية بريطانية دارت بها الركبان ووصل صيتها الى أقاصي الأرض يمثّل سابقة تاريخية لاتخلو من معنى ولا من الشجاعة أيضاً. فالناس، ونحن منهم، هم من يقررون في نهاية الأمر مايريدون ومالا يريدون، وظروفهم الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والنفسية هي التي تمنح الهواء والماء والغذاء للتاريخ وشخصياته، حتى تلك الأسطورية منها، لتعيش طالما كانت ثمّة حاجة لها وحيثما كانت تمارس دوراً إيجابياً في حياتهم.

وإذا كان البريطانيون أماتوا شخصية ظلت عزيزةً على قلوبهم لما يقارب خمسة قرون لأنها شكّلت في لحظة ما عبئاً إقتصادياً عليهم فإننا، نحن العرب والعراقيون على وجه الخصوص، بحاجة الى إعلان وفاة عشرات من الشخصيات التاريخية الأسطورية التي مافتئت تُثقل تاريخنا وخيالنا منذ مئات السنين، بعد أن أصبح وجودها في عقولنا وأفكارنا وسلوكنا اليومي عاملاً من عوامل تدمير مجتمعنا وتمنعنا من رؤية يومنا الذي نعيش لابل تتجاوزه الى أن تكون جداراً حاجزاً يمنعنا من رؤية المستقبل بشكل موضوعي.

دعونا نتحلى ببعض شجاعة هيئة الإذاعة البريطانية لنقتل بعض أساطيرنا التي يستخدمها من يريد لزحزحة السلم الأهلي في بلدنا، دعونا نتعلم الدرس على بساطته أنْ ليس هناك من مقدسات في ثقافتنا سوى تلك التي نحتاجها بالفعل لنستطيع من خلالها ربط الماضي بالحاضر، لا ربط الحاضر بالماضي، وتساعدنا في مسيرنا الشاقّ نحو يوم غدّ. أما تلك التي يُراد لها تدمير حياتنا وتقسيمنا الى خنادق متحاربة تعيش في زمن الغزوات الجاهلية فلا حاجة لنا بها.
مات روبن هود ليس بسبب أزمة قلبية، بل بسبب الأزمة الإقتصادية العالمية! فمتى سيموت عشرات الروبن هودات لدينا ممن يشارك وجودهم الأسطوري في ربطنا بتاريخ لم يعد قادراً على مساعدتنا في خلق المستقبل، بل أصبحوا عاملاً لإذكاء الفتنة وخلق أزمات سياسية تكاد تدمّر وطننا وأهله؟
من يستطيع قتل أسطورة لاحاجة لنا بها فليفعل! من يقدر على إماتة طائر الفينيق الذي لايريد أن ينهض من وهج النار ولهيبها فليفعل! أما أنا فسأذهب الى أقرب كتاب لأرى ما إذا كنت قادراً على قتل عنترة بن شدّاد العبسي أو أبو زيد الهلالي .. ومن يدري فقد أستطيع إعلان وفاة إسطورة أكثر أهمية من هذين الرجلين.


سعد الشديدي

الخميس، يوليو 02، 2009

أصدقاؤنا الليبراليون.. ماذا يريدون حقاً؟

هذا السؤال طرحته على نفسي منذ سنوات حين لاحت البدايات الأولى لتبلور "حالة" ليبرالية عراقية في المنفى، على وجه التحديد في السنتين اللتين سبقتا إسقاط النظام الديكتاتوري، ورغم مرور سنوات منذ ذلك الحين فإن الحظ لم يحالفني بالحصول على إجابة محددّة لسؤالي هذا رغم مرور سنين عديدة على مواجهتي لذلك السؤال.
ولا أخفي أنني أستبشرت خيراً حينذاك بولادة هكذا حالة وأملتُ إن تكون المنطقة الوسط في المساحة التي تمارس فيها الإتجاهات الرئيسية السائدة في العراق نشاطها السياسي. تلك المساحة التي تقلصت الى حدّ مخيف بفعل الإحتراب الآيديولوجي والإستقطاب السياسي اللذين بدءا بعد إنطلاق ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بفترة قصيرة، وبعد ذلك بقوة أدوات القمع وأجهزة المخابرات وما وصل إلينا من طرطشات الحرب الباردة وشظاياها المحرقة، حتى لم يبق أمام العراقيين الذين يريدون المشاركة في عملية التغيير عن طريق الممارسة السياسية ولفترة عقدين من الزمن سوى خيارات قليلة تتراوح بين النهج القومي العربي – البعثي على وجه الخصوص – وإتجاهان آخران تبنيا أسلوب العمل السريّ هما الشيوعي والأسلامي الذي بدأ نشاطاً واضحاً في منتصف سبعينات القرن الماضي (وعلينا هنا إستثناء الحركة السياسية الكردية التي كانت تجد في جبال كردستان ملاذاً آمناً لها ولأنصارها). من ثمّ الغياب الكامل لحالة تتوسط هذه التيارات وتعمل على تخفيف حدّة الإستقطاب الذي كان يفرز دائماً أعراضاً جانبية تتخذ شكل التصفيات الدموية الفردية منها والجماعية. حتى تمتّ السيطرة الكاملة على الساحة السياسية لحزب البعث العراقي في أواخر السبعينات بالأساليب التي نعرفها جميعاً.

كنت أتساءل دائماً اذا ما كان التيار الليبرالي العراقي قد ذهب ضحية محاولات السيطرة والإبعاد التي كانت الأحزاب ذات الآيديولوجيات المتطرفة تمارسها سواء تلك التي كانت في السلطة أم في خارجها، أم أن غيابه عن الساحة كان بفعل سياسيات خاطئة مارستهاالأحزاب التي تلتفع بلباس الليبرالية، أم إن الوضع العراقي لم يكن ليحتمل وجود حالةٍ وسط!!

في عام 2003 بعد سقوط النظام الديكتاتوري كان من الطبيعي أن تبادر أسماء مهمة ساهمت في خلق، أو بالأحرى إعادة خلق، الحركة الليبرالية الى تشكيل حالة سياسية محددّة الملامح لتأخذ مكانها بين الحركات السياسية العراقية التي عادت من المنافي والمهاجر لتؤسس ما نسميه اليوم بالعملية السياسية. إذ قامت بعض الشخصيات ذات التوجهات الليبرالية بتأسيس أحزاباً يمكن أن نضفي عليها صفة الليبرالية – على الرغم من إن تلك الأحزاب لاترغب بالإفصاح عن إنتماءها الليبرالي لأن ذلك قد يّضيق مساحة التحرك المتاحة لها بحكم المدّ الإسلامي السائد في العراق اليوم - بينما فضّل آخرون الإصطفاف في حالات يلتقون معها في الأهداف الكبيرة وقد يختلفون معها في تفاصيل عديدة وهم موجودون في القوائم والتحالفات الموجودة في المجلس النيابي العراقي، بينما عمدَ البعض الى البقاء في المنافي ليكملوا المشوار الى جانب أجهزة الكومبيوتر مفضلين برنامج الوورد على أي برنامج سياسي يمكن تطبيقه على الأرض. وأصبحوا حالة فكرية أكثر منها سياسية ملتقين على الدوام في مواقع الأنترنت وليس في المقرات الحزبية أو المؤسسات البرلمانية.

وإذا كنت لا أستطيع تناول الأحزاب الليبرالية الناشطة على الأرض العراقية لأنها تجاوزت مرحلة التنظير الى الفعل - ومن يفعل يصيب ويخطئ ولكنه يبقى محتفظاً بشرف الريادة والمحاولة - ولا تلك الشخصيات الليبرالية التي تعمل بمفردها أو بالتعاون مع حالات سياسية وطنية قد لاتكون ليبرالية لأن تلك الحالات مازالت في مرحلة التجريب والغربلة وربما البحث عن موطئ قدم في أدغال السياسة العراقية، فلايمكن لي المرور بسهولة بتلك الحالة التي تشكلت في الخارج وبقيت في إطاره.

ويجب أن أعترف أن دراسة هذه الظاهرة أمر بمنتهى الصعوبة. لأننا لانرى أمامنا تياراً سياسياً متناسقاً تؤطره حدود واضحة وملامح يمكن التعرف عليها فور رؤيتها ، بل مجموعة من الأشخاص الذين يحاولون رسم صورة لواقع حداثي من خلال توجيه سهام النقد الجادّ أحياناً والساخر أحياناً أخرى والحديث عن الواقع العراقي الراهن ببعض المرارة في أكثرالأحيان. وقد رأينا الكثير من تلك المرارة في كتابات عدد كبير من الرموز الهامة في هذه الظاهرة في الأيام الأخيرة، ناكرين على العراقيين إظهار سعادتهم بإنسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية في 30 حزيران الماضي. الأمر الذي دفعني الى التساؤل مرة أخرى عمّا يريده هذا التيار، أو ربما الظاهرة لا أدري، من الحركة السياسية العراقيه ومن الشعب العراقي.

الأكيد إن العدد الأكبر من الناشطين في هذه التيار هم من عراقيي المنفى، الذين يرون العراق من خلال شروط حياتهم الخاصة والمتأثرين جداً بالتجارب السياسية الغربية. والأكيد أيضاً إن عدداً كبيراً منهم كان من اليساريين في فترة السبعينات والثمانينات. وأن أكثرهم قد مارس النشاط السياسي بمستويات وفترات متفاوتة. أما سبب تبنيهم لأفكار وتوجهات الحركة الليبرالية الجديدة وإعتبارهم الولايات المتحدة الأمريكية محرراً جديداً للشعوب ورافعاً لراية الديمقراطية في العالم فهو أمر يثير بعض الإستغراب.
فالطبيعي أن يبقى اليساري يدور في فلك الفكر اليساري حتى بعد مغادرته معسكر اليسار، يقترب منه ويبتعد عنه طبقاً لمواقف اليسار وشعاراته.
أما أصدقاءنا الليبراليين العراقيين الجدد فقد وضعوا بيضهم كله في السلّة الأمريكية، ويستغربون أن لا يشعر العراقي بالإحترام والإخلاص وهو يقف أمام العلم الأمريكي لأن الأمريكيين أنقذوه من نظام ديكتاتوري لم يستطع هو نفسه أن يسقطه، وهم يلومون العراقي لأنه يشعر ببعض السعادة لإنسحاب الأمريكيين الى خارج المدن.
وهنا بالذات تكمن مشكلة ربما لم يستطع الليبراليون فهمها حتى هذه اللحظة. وهو أن الوجود الأمريكي في العراق يجعل العراقي يقف عارياً أمام ذاته لأنه سيرى في قرارة نفسه ذلك العاجز الذي لم يستطع إسقاط نظام آذاه الى حدّ الفجيعة ويذكرّه في الوقت نفسه بعجزه وشلله الكامل أمام ذلك النظام لمدة 35 عاماً. وربما لهذا السبب فإن العراقي يفضل أن لايذّكره أحد بذلك. والمشكلة مرة أخرى هي إن الجندي الأمريكي يقول ذلك بوضوح وبصوت عالٍ من خلال وجوده أمام أنظارنا. هذا على الصعيد الشعبي.
أما على الصعيد الرسمي فلا أرى أنه من العجيب أن تحتفل الأحزاب المنظوية في العملية السياسية بالإنسحاب خارج المدن. فتلك الأحزاب لم تستطع حتى هذه اللحظة أن تقدم شيئاً ملموساً للشعب الذي إنتخبها، فالأزمات تنخر العراق على جميع الأصعدة وفي حقول تمس حياة العراقي بشكل مباشر كنقص الخدمات الحادّ في حقول الصحة والتعليم والخدمات البلدية، والأقتصاد العراقي يعيش حالة من التدهور لم يشهدها حتى أيام الأزمات الحادة في الحربين العالميتين الأولى والثانية التي كانت جدّاتنا يتحدثن لنا عن هولها. أما على الصعيد الأمني فنحن نرى مايحصل كل يوم. فكيف يطلب أصدقاؤنا الليبراليون من الأحزاب الحاكمة ألاّ تجعل يوماً مثل هذا رمزاً للإنتصار ونيل السيادة الوطنية. أنا شخصياً أعذر قيادات تلك الأحزاب وأعطيها الحق بإستثمار هذا اليوم وتداعياته المعنوية لأن ليس لهذه القيادات ماتقدمه لي سواه. وسآخذ هذا القليل واُمنّي نفسي بتحقيق الأكثر.
ثمّة نقاط تراودني أحياناً قد تأخذ شكل التساؤل أو شكل شعور بالإستغراب والأمتعاض حين اقرأ لبعض رموز التيار الليبرالي في المنفى الإختياري، مقالات للهجوم على الدين الإسلامي وعلى رموز هذا الدين، واتأكد إن هؤلاء الأصدقاء لم يطلعوا إطلاقاً على تجربة الحركات الليبرالية في أوربا وامريكا. فلم تكن تلك الحركات تهاجم المسيحية "الدين والفكرة"، ولكنها كانت تجعل من الكنيسة هدفاً لسهامها بدلاً من ذلك. ما فعله ليبراليو الغرب كان الفصل بين المسيحية والكنيسة ومهاجمة المؤسسات الكنسية بعد ذلك ولكنهم لم يهاجموا في نشاطهم السياسي اللهَ كفكرة بل هاجموا الآيديولوجيات التي تدعي التحدث بأسم الله. وهكذا عزلوا الكنيسة عن جماهيرها ووجهوا لها الضربة تلو الضربة حتى حققوا إنتصارهم الأخير.
أليس من الأجدى أن يهاجم أصدقاؤنا الليبراليون الأحزاب الدينية بدلاً من صبّ جام غضبهم على جزء من تراثنا النفسي والثقافي يمتدّ عميقاً بجذوره في عقلنا بشطريه الباطن والواعي؟
أخيراً أما آن الأوان لتجاوز مرحلة برنامج الوورد الى مرحلة وضع برنامج سياسي للتأثير في الواقع عن قرب؟ ألم يحن الوقت لتشكيل حالة محددة الملامح واضحة الوجود تأخذ شكل تيار يحمل اسماً وبرنامجاً ونظاماً داخلياً؟ طيب.. دعوني أقولها على المكشوف: ألا تنوون تشكيل تنظيم أو حزب سياسي يعطي لأفكاركم أقدام تقف فيها على الأرض وأجنحة تطير بها وتتجاوز الحدود لتصل الى البرلمان والحكومة؟ فالبقاء أمام أجهزة الكومبيوتر ضروري ومفيد جداً في مرحلة وضع الأسس أما وقد إجتاز نشاطكم "التنظيري" تلك المرحلة فلم يبق سوى عقد كل تلك الجهود في ظفيرة عراقية لايهمنا لونها أو شذاها بل يهمنا صيرورتها ومحتواها التي ستكون بالتاكيد عراقية وذات توجهات نهضوية.
في حال لم تكونوا ترغبون بذلك، فأطلب منكم بحرارة أن تقولوا لي ماذا تريدون حقاً؟

سعد الشديدي


gelgamesh2000@hotmail.com

الثلاثاء، يونيو 30، 2009

نعم.. نحن قادرون

منذ ساعات غادر آخر الجنود الأمريكيين شوارع المدن العراقية. هذا يعني ان الآليات الثقيلة المغطاة بشباك التمويه التي كانت تجوب مدننا لم يعد مسموحٌ لها أن تفعل ذلك. وإن الهمرات المدججة بالسلاح والمقاتلين والتي كانت تسير أينما تريد وبالشكل الذي تريد، ليس في الشوارع فقط بل وأحياناً على الأرصفة وأينما شائت، لم تعد قادرة على فعل ذلك. وإن السيطرات الأمريكية لن توقفنا لساعات طويلة في الشمس المحرقة والمفارز الأمريكية لن تطرق علينا الأبواب في آناء الليل وأطراف النهار لتفتيش بيوتنا الخالية من كل شئ إلا من بعض الإصرار والعناد العراقيين.
يقول البعض إن هذه الخطوة تشكّل إنتصاراً للجهد الوطني العراقي، بينما يقلل البعض الآخر من شأن ماحصل هذا اليوم لأنه ليس أكثر من خطوة صغيرة على طريق الإستقلال الناجز. المتشائمون, ولدينا الكثير منهم والحمد لله، يقولون أن إنسحاب القوات الأمريكية من المدن جاء قبل أوانه، بينما يصرّح آخرون أن العراق سيشهد المزيد من التوترات. وسواء أصابوا أم أخطئوا فإننا الآن أمام إمتحان لاتراجع فيه.
الغريب إن الأكثرية الساحقة ممن أعربوا عن سعادتهم أو تفاؤلهم الحذِر أجمعوا على أن هذا الإمتحان لايشمل سوى القوات المسلّحة التي يجب عليها التأهب للردّ على أي إعتداء إرهابي أو معالجة أي خرق أمني سيظهر فيما بعد!!
والواقع أن هذا الإمتحان التاريخي لايعني القوات المسلحة إلا من باب كونها جزء من الشعب العراقي لاغير. أما التحدي الأكبر فهو أمام العراقيين جميعاً مدنيين وعسكريين. فالإرهاب لايستهدف العسكريين فقط بل يستهدف كما رأينا المدنيين اولاً ولايحصد أرواح الجنود والضباط العراقيين فحسب بل أرواح الآف من المدنيين الذين لم يحملوا يوماً سلاحاً حتى ولو سكين مطبخ.
فهل نحن مستعدون لمواجهة قوى الإرهاب والظلام؟ وهل سنرمي الكرة، كما أعتدنا دائماً، في ملعب الجيش والشرطة ولا نعترف بأن علينا جميعاً واجب حماية العراق الجريح وتجربته التي مازالت تحبو؟
إن إلقاء المسؤولية على القوات المسلحة العراقية لوحدها دون سواها لحفظ الأمن والنظام بعد الإنسحاب الأمريكي الجزئي يشكّل خطراً قاتلاً من أكثر من ناحية، أولها إننا سنسلم لحانا الى المؤسسة العسكرية وسنعطيها الفرصة الكاملة لتفعل ما تشاء وفي هذا الحالة ستعود حليمة الى عادتها القديمة، ونرجو أن لايحدث هذا خصوصاً وأنه لم تبدر حتى الآن أيما بادرة تشير الى رغبة القوات المسلحة ضباطاً وجنوداً الى السيطرة على المؤسسة السياسية، ولكن الإحتمال يبقى وارداً فمن ذا الذي يرفض الجلوس على كرسي رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء والتحكم بخيوط الأحداث بالريموت كونترول والأوامر الرئاسية أو الوزارية؟ وهم في نهاية الأمر بشر غير معصومين.
أما الناحية الثانية فتمسّ الحالة السياسية ذاتها، ذلك إن أحداث العنف في العراق لها خلفيات سياسية معروفة. وهي تتصاعد وتنخفض بوتيرة واضحة نستطيع إستقراءها من خلال فهم الوضع السياسي ولاتُعالج إلا من خلال الحوار الوطني الشامل، الذي يبدو أنه بدأ يتلكأ في الآونة الأخيرة.
العراقيون على ثقة بأن أفراد القوات المسلحة سيفعلون مايستطيعون وتبقى المسؤولية الأهم على عاتق القيادات السياسية التي يجب عليها هي الإخرى أن تتوصل الى مرحلة من السلام "العادل والشامل" في الساحة السياسية العراقية.
الأمور تسير على مايرام حتى الآن. ولكن احداً لايعرف ماذا سيحدث غداً أو بعد غد. ومع ذلك فنحن جاهزون لكل الإحتمالات. فالشعب الذي لم تستطع قوى الديكتاتورية والطغيان أن تكسر شوكته، والشعب الذي ذاق قساوة الجوع والفاقة في سنوات الحصار، والشعب الذي تعرّض الى أكبر حملة إبادة منظمة على يد قوى الظلام والإرهاب منذ أكثر من ست سنوات حتى الآن لن تكسره مفخخات القاعدة ولا إجرام القوى الإقليمية ولا الدمار الذي يحيط به أينما حطّ ورحل.
والعراقيون جاهزون لكل الإحتمالات.

شهداء الضمير والكلمة الحرّة ضحايا ارهاب الاسلاميين

اقدام

    إقدام   صُوَرٌ عَلَى الْجُدْرَانِ، قَافِلَةٌ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي تَمْشِي عَلَى الْجُدْرَانِ فِي لَيْلٍ شِتَائِيٍّ ضَنِينْ وَبَقِي...