الاثنين، يوليو 07، 2008

غورنيكا عراقية لسماء بلون الدم

المدينة واقفةً على قدميها كما كانت دائماً. لم تهرب منها شوارعها، ولم تهجرها زوارقها. وجانباها الشرقي والغربي مازالا ،على غير عادتهما، يجلسان على عتبة البابِ بأنتظار عودة النهارِ االذي غادرَ عابراً صحراء الغيبة الى عمّان، أو ربما دمشق، لكنه تاه في براري ملوك الطوائف المحروسة جيداً بعيون الغرباء والميليشيات وجند المغول.رائحة الخبز الساخنِ وضوضاء العصافير المذعورة أبداً مازالت تستيقض مع أول خيوط الفجر كما كانت منذ بدء الخليقة. وأحلام الصبايا، المترددات بين الإيماءة البريئة والنظرة الماكرة، مازالت كما هيَ لم يمسسها شياطين الأنس ولا مردة الجان. ودعاء أمهاتنا يصعدُ عابراً سماواتنا السبع قبيل ساعات الإستجابة الغامرة. حتى حجارة الأرصفة التي تكومت على نفسها من حزنٍ أصابها على غفلةٍ منها، مازالت هناكَ لم تبرح مكانها بعد.بغدادُ، المدينة.. الغاية.. الأسطورة.. الشهيدة بلا أكفان.. مازالت حيةً لم تمت بعد.فرغم كلّ هذاالموت الذي أعدوه لها في أروقة المكاتب الأنيقة، والسكاكين – ألجدران – المغروزة في خاصرتها، والقنابل الذكية والغبية التي تنفجر، بقوة البغضاء والحقد المصفى عبر مئات السنين، على نواصيّ أسواقها وفي قلوب عاشقيها.. مازالت على قيد الحياة. نبضُها يعلو بين أوتار السنطور الأكدي وصراخ الفتية لاعبي كرة القدم في الشوارع المزروعةِ ببقع الدمّ الطازج ومياه المجاري السوداء المعروضة، مع سبق الإصرار، أمام كاميرات المراسلين الباحثين عن خبطةٍ صحفيةٍ صالحةٍ للعرض على شاشات العالم.نعرفُ بفطرتنا، التي لوثتها سنوات الديكتاتورية وبقايا اليورانيوم الأمريكي المنضّب، إن بغدادنا مازالت حيةٌ تُرزق.. ولأنها تتنفسّ هواء دموزي وترسم بيدها المرتجفةِ كلماتها الجديدة على مسلّة أوروكاجينا وتبحث عن كتبها في سجّلات مكتبة آشورناصربال وتردد أدعية أتونابشتم وتصلي صلاة موسى الكاظم والنعمان بن ثابت.. فإنهم يريدون قتلها.ثمّة أسئلةٍ معلّقةٍ بين الأرض والسماء لا يريد احدٌ منهم الأجابة عليها.من قصم ظهر جسر الصرافية؟ من فجّر شارع المتنبي؟ من كسرَ ابواب المتحف العراقي وسمحَ بنهب محتوياته؟ من أحرقَ المكتبة الوطنية؟ من قصف ودمّر جميع الوزرات عدا وزارة واحدة هي وزارة النفط؟ من الذي فجّر ساحة العروبة في الكاظمية؟ من الذي أحرق سوق الشورجة لمرات عديدة؟ ومن ذا الذي يقوم بتصفية العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والمثقفين والصحفيين والفنانين في وضح النهار على قارعة طرقات مدينتنا؟ من ذا الذي يطرد أبناء بغداد من بيوت أجدادهم ليصبحوا لاجئين لدى دول الجوار؟ ومن الذي يقوم بسرقة قوت الشعب ونفطه وكهربائهِ ومائهِ ومستقبله؟ ومن الذي فجرّ تمثال ابي جعفر المنصور باني مدينة بغداد؟المجرم واحد. ويعلن عن نفسه مع كل جريمة جديدة بلا خوفٍ ولا حياء.ولكن نعرف مع كل مجزرةٍ جديدة أن بغدادنا لم تمتْ بعد. لذلك فهم يوغلون في تدميرها كرهاً وحقداً وخوفاً. ومع كل جريمة جديدة نتأكد أنهم يفشلون في قتلها وإنها تصبح أعلى وأبهى وأقوى وتبقى حبيبتنا التي لن تموت.

سعد الشديدي

ليست هناك تعليقات: