الاثنين، يوليو 07، 2008

عثمان الأعظمي .. الكاظمي .. العراقي

لا يهمُّ ما يكون اسمك. فالأسماء والألقاب مهمةٌ لنا نحن البشر العاديين الذين نبحث عن أنفسنا في قاموس المسميّات، وعن محتوى، ولونٍ ورائحةٍ وبصمةٍ خاصةٍ تميزنا عن الآخرين. أما أنتَ، ومن يختار أن يسير في طريقك، فتمنحون ألمسمّيات محتواها الجديد. نحن نتشرف بالألقاب والانتماءات. وأنت تتشرف الأسماءُ والألقابُ والانتماءاتُ بك.
أنت من الأعظمية؟ حسناً أيها الفتى. أنا من الجانب الآخر من النهر. ليس بعيداً عنك. قف على شاطئ دجلة صباح يومٍ مشمسٍ فتراني. ربما الوّح لك من بعيد وربما سيشغلني عنك النظر الى السماء المحيطة بالنهر، المليئة دوماً بالنوارس المشاغبة بأجنحتها البيضاء المتأججة في شعاع الشمس الدافئة. أعرف جيداً أن ذلك لن يزعجك. طالما إنني انظر الى سمائنا المشتركة. تلك التي لم يستطع الأكاسرة والخلفاء والسلاطين والغزاة الذين تتقيأهم الأرض علينا عبر القرون أنْ يفصلوا بينها ويرسموا عليها حدودهم كما يفعلون عادة مع الأرض. سمائنا التي تطير في رحابها رفوف الحمام والعصافير الرمادية ولقالق الربيع القادمة من البلاد الباردة المتجهمة لتنعم بشمسنا.. شمسك أنت يا عثمان. تشغلني هذه السماء وتلك الشمس دائماً أيها العزيز. يوماً ما في أزمنةٍ سحيقة- هل تصدّق؟؟ - كانت الثيران المجنّحة تجوبُ سمائنا وبعد أن يهدّها التعب تقفُ صابرةً على بوابات المدن العامرة بأهلها لتبعد عنهم شرّ العدو والصديق. تحرسُ الفلاحين والحصادين والحطابين وصيّادي الأسماك المرفوعة قلوعهم في قيض الصيهود وجليدِ برد العجوز. تطرد الشرّ عن الأطفال الذاهبين الى كتاتيبهم والحرفيين المسرعين الى أعمالهم، عن نسائنا الجليلات اللواتي علمنّنا أنّ سماء الثيران المجنحة لا تفصلها حدود أو فيدراليات ولا مراكز شرطة تغصّ بالمرتزقة والشحنكية وفتّاحي فال السياسة الواقفين دوماً وأبداً على أبواب الدكاكين المبنية على الطائفة أو القومية أو العشيرة. من اولئك المتطفليّن على حياتنا ومصائرنا وأقدارنا وشوارعنا ووجبات طعامنا وكتبنا المدرسية وأدعية جداتنا القلقة في أزمنة السلم والحرب. المتحكمّين بخطواتنا.. أنتَّ وأنا. حتى أصبحنا لا نميزَ وقع أقدامنا عن ضوضاء أقدام جلادينا. للجلادين أقدام متشابهة أيها الفتى العزيز. تركل السجين على وجهه أو خصره..لا يهم. المهم أنْ نشعر بالألم وأن نذوق طعم المهانة. وهي ذاتها التي كانت تركل الأطفال والنساء على جسر الأئمة صباح ذلك اليوم حين كنت في طريقك الى مدرستك.السماء التي نقتسمها اليوم ،واقتسمها ابائنا وأجدادنا منذ قرون حافظين أمانة الثيران المجنحة على أبواب مدننا المنهوبة، هي التي علمّتك أن ترفض منطق الحدود الطائفية الذي زرعه أمراء الجند وأحزاب الطوائف وسقاه الانتهازيون الذين يغيّرون ألوانهم وانتماءاتهم حسب ما تقتضيه الظروف.أما أنت فوقفت حارساً للقادمين من الأحياء الفقيرة. المارّين على أبواب مدينتك. العابرين تجاه مدينتي. وقفتَ للحظة واحدة وبعدها قررتّ أن تنسى اسمكَ وانتماءك.. أو ربما لتتذكره بأدقّ حروفه وحركاته وتدخل في عالمٍ مجهول لم يطرقه أحدٌ قبلك. وأن تعّرج على انتماءٍ نسيه العراقيون، ألا الشرفاء منهم، لتذّكرهم بما أضاعوا. انتماء اسمه العراقيّ. لا السنيّ ولا الشيعيّ. لا العربي ولا الكردي. لا المسلم ولا المسيحي أو المندائي. بل العراقيّ. لم يتذكره تلك اللحظة سواك انت يا عثمان. ركضت باتجاه الجسر. لماذا توقفتَّ في الطريق ايها العزيز؟ هل أقلقكَ انك أضعتَ في الزحام حقيبة كتبك المدرسية؟ ولماذا ركضت بعد ذلك الى الجسر بلوعةِ العاشق الذي أضاع حبيبته؟انت وحدك من يعرف لماذا. سنتكهن بما كنت تفكر ونستجدي الخيال علّه يسعفنا بجواب نعرف انه قد لا يكون الجواب الصحيح. ولكنك أسرعتَ ايها الفتى الى النهر لتمدّ يدّك الى من ركلته الأقدام التي داست علينا، نحن أبناء العراق وبناته، منذ آلاف السنين. مددّتَ يديك الى الغرقى لأنك واحدٌ منهم. تعرفهم ويعرفونك.ايها الفتى عثمان.. كم عليٍّ أخرجت من النهر ذلك الصباح؟ وكيف غبتَ هكذا في لحظة واحدة عن سمائنا التي لوّنها صوت أذان الفجر وغناء العذارى وضوعُ البساتين في الصباحات المبكرة على الضفتين.لا نريد منك الآن سوى أن تنام بهدوء لأن العراق الذي متّ من أجله ما زالت تحرسه الثيران المجنحة وفتيانٌ مثلك أنتَ. مسحوا الحدود من سمائنا وسيمسحوها من قواميس مفرداتنا اليومية.عندما أمرّ على ضفة دجلة في المرة القادمة سأمدّ يدي الى أمواجها لأصافحك وأخبرك بأنني أتشرّف أن أكون مواطناً في بلدٍ أنجبك..أيها الأعظمي ألكاظمي العراقيّ.. العراقي

ليست هناك تعليقات: