الاثنين، يوليو 07، 2008

موطني.. حتى إشعارٍ آخر



الساعة الثامنة صباحاً. وصباحات كانون الثاني باردة .. حتى في مدن الجنوب العراقي المتناثرة على اطراف الصحراء العربية. لذلك لابدّ ان ندعكَ ايادينا الصغيرة وننفخ فيها لنحصل على بعض الدفء. طابور الصباح المدرسي, ونحن كأفراخ صغيرة نرتجف برداً بانتظار رفع العلًَم. طقسٌ يوميّ لابد أن نبدأ به قبل الدخول الى الصفوف الضيقة الباردة. لم نكن وقتها نعرف بأننا مواطنون صغار في دولة من اكبر الدول المنتجة للنفط في العالم. لم يقل لنا احدٌ, حتى ابائنا ومعلمينا, ان اطفال اوربا وأمريكا يجلسون في صفوف مدفئـّة ولا يرتجفون برداً كما نفعل وينعمون بأمتيازات لا نراها حتى في اكثر احلامنا ورديةً. دقائق ويرتفع العلم. وتعلو الأصوات مختلطة بضجيجٍ تردد الجدران صداه. موطني.. الجلال والجمال.. والسناء والبهاء.. هل اراك.. في علاك... كل يوم ونحن ننشد لوطنٍ لم نكن نحصل منه إلا على الفُـتات. بينما يُنهب هذا الموطني, كل يوم وعلى مرأى ومسمعٍ من الجميع. لم يكن كل ذلك مهماً طالما كان الوطن واقفاً بوجه الايام, واقفاً ولو على قدمٍ واحدة. الاصوات ترتفعُ والعروق الصغيرة تنفر في رقاب الصغار .. غايةٌ تشّرفُّ ورايةٌ ترفرفُ. العلم يصعدُ متعباً.. مغبّراً احياناً ليصبحَ اعلى من رؤوسنا.. و.. هل اراك سالماً منعماً وغانماً مكرماً؟ لا ادري ان كان الكبار يخدعوننا حين كانوا يزرعون شجرة الوطن في مخيلاتنا التي لم تكن حدودها لتتجاوز نظرات عيوننا القلقة. هل كانوا يفعلون ذلك؟علمونا ان نربطَ جذورنا بأرض العراق ونرويها بماء الفرات.. وعرقنا المتناثرِ خيمةً على سماواته. هل كانوا يكذبون علينا؟ فالوطن ليس هو الوطن. هناك من يدوس ببساطله العسكري على.. الجمال والجلال والسناء والبهاء.. والحياة والنجاة والهناء والرجاء... في وطننا هذا اليوم. ولا نفعل شيئاً. بعضنا ينتظر المهديّ.. والبعض الآخر لا ينتظر شيئاً سوى الموت القادم من بنادق جيش الأحتلال وسكاكين المليشيات شيعيةً وسنية. أما القادة الأكراد فأنزلوا العلم واغلقوا الحدود وهربوا كالفئران من السفينة الغارقة. هل اراك في علاك.. تبلغ سموات الله التي رفعك اليها السومريّ؟ موطني اليوم.. الف مغني اعاد توزيع نشيد موطني. بعض الفضائيات تفضّل اذاعته على نغم الصبا الحزين. لماذا؟ هل مات الوطن؟ لا نريد ان نصدق. الأوطان لا تموت. النجوم تموت. الضمائر تموت. والأشجار وعصافيرها تموت أما الأوطان فلا. العراق بالذات لن يفعلها. هذا وطن غرق فيه جميع المحتلين. الأسكندر الأكبر قتله بعوض العراق بالملاريا ومات مجنوناً في بابل. والجنرال ستانلي مود الذي جائنا, محرراً لا فاتحاً, مع جيش الأحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى قتلته الكوليرا. فليتفضل السيد بوش وطاقم المساعدين والمستشارين وليحالوا تصفية حساباتهم مع العراق واطلاق النار عليه حتى الموت. فلن ينجحوا. ليتفضل السادة اصحاب العمائم السوداء الذين لا يطيقون سماع هذا النشيد, من القادمين من هضاب بلاد فارس وسراديبها المظلمة, ليتفضلوا ويحاولوا قتل العراق. لن يستطيعوا. وليحاول السادة اصحاب اللحى الطويلة والدشاديش القصيرة, اولئك الموغلين بالبداوة والهمجية حتى النخاع, وليحاولوا ذبح العراق. وسيشاهدوا بأعينهم ان هذا البقعة الصغيرة المحاطة بالدم من جوانبها الأربعة ستخرج منتصرة في نهاية المطاف. نشيد موطني اصبح قميص عثمان. يرفعه كل من هبّ ودبّ. الشرفاء وابناء العاهرات باتوا يغنون موطني. فكيف نعرف ذلك الذي لا يغني اللحن النشاز؟ حسناً.. اعرفوا النشيد تعرفوا اصحاب الصوت النشاز والأنتماء النشاز. وغداً .. غداً سنغني جميعاً نشيدنا. سنقف والبرد يلفح وجوهنا.. امام عتبات البيوت, على النواصي. في حقول الشلب, وغابات النخيل. متعلقين بأغصان العنب وزهر البرتقال الأبيض كقلوب نسائنا الجليلات. غداً لن نجد عشرين حسيناً مقطوعي الرأس مرميّينَ في شوارع بغداد. غداً حينما ينهض العراقي من موته المؤقت ويرفع راية الوطن المقاوم للموت والتغييب والمنسلين من دبابات الدول العظمى والمرتبطين بمشاريعها. غداً سيكون مشروعنا هو المشروع العراقي الذي لا نختلف على تفاصيله. ولا رايته ونشيده. في الأفق الحاني على الخائفين تتصاعد رياح العراق لتكنس وطننا من الرؤوس المتعفنة التي اسكرتها نوبات الأنتصارات الطائفية والأسناد المطلق الذي يعلن عنه هولاكو وجنوده كل يوم. وسنراك.. سالماً منعماً وغانماً مكرماً. ولن يحكمكَ الأمريكي والبريطاني والفارسي وووو. لن يحكمك او يتحكم بك يا موطني.. سوى ابنائك البررة. وتولد من جديد مع كل صرخة احتجاج تنطلق من حناجر الفقراء والمطاردين. ومع كل طلقةٍ من طلقات الرجال الواضعين ارواحهم في احضانكَ وعلى صدرك. وحتى ذلك الغدّ.. لننشدّ وعلى مقام العراق.. نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد. فليسمعوا.

سعد الشديدي

ليست هناك تعليقات: