الأحد، مارس 13، 2011

أهل ساحة التحرير.. وأهل الكهف



خرجوا الى الشوارع والساحات حاملين جراحاً تنزّ دماً وأملاً، فكانوا أول من سلكوا طريق الإحتجاج الشعبي بعد أن إنقطع منذ عقود طويلة.
كان العراقيون منذ العشرينات حتى أواخر الخمسينات، يخرجون الى الشوارع للإعلان عن غضبهم أو مطالبهم. أسقطوا وزارات وأجهضوا مشاريع استعمارية وقدموا شهداء أصبحوا اليوم في زوايا الظلّ والنسيان. ولكنهم كانوا يخرجون حاملين معهم أغصان الزيتون وحمامات السلام. لم يحرقوا دائرة رسمية، أو يعتدوا على مستطرقٍ أو حتى رجل شرطة أو أمن.
في تلك الأيام كان العالم يشهد تغيرات قلبت موازين الحياة وكان للعراقيين حصتهم في المشهد العالمي الذي ضجّ بالحركات الإحتجاجية.
بعد حقبة العشرينات وصولاً الى 14 تموز 1958 إنتهت حالة الإحتجاج العراقي. وبدأت مرحلة مظاهرات التأييد. تأييد الزعيم الأوحد، تأييد الأخوين عارف وأخيراً تأييد البكر وصدام ومرحلتهما.
يبحث المراقب طويلاً عن مظاهرات احتجاجية ضمت عشرات أو مئات الآلاف من المتظاهرين خلال هذه الفترة التي امتدت قرابة نصف قرن من الزمن فلا يجدّ.
ثمّ حدث زلزال عام 2003 الذي قلب المعادلات والمشاهد رأسها على عقبها. وكان للزلزال أن يعقبه هزات أرضية تابعة قد تأتي بعد زمن يطول أو يقصر. وجاءت أولها في شباط الماضي. قال البعض أنه ضربَ الساحة السياسية العراقية بفعل العدوى التي عبرت الحدود قادمة من تونس ومصر. ولكن كيف نسى هؤلاء أن بداية المرحلة الجديدة في منطقتنا كانت في العراق؟
فهنا بدأ انهيار قطع دومينو النظام الرسمي العربي، وهنا حصل أول تغيير في المعادلة الجيوسياسية العربية.
كانت احلام العراقيين، بالخلاص من الديكتاتورية الى الأبد وبناء نظام ديمقراطي، أكبر من أن يستطيعوا هم أنفسهم تصورّها. ثم جاءت الصفعات تترى، واحدة بعد أخرى حتى لم يعد "القفا" العراقي يتحمل كل هذه الصفعات. فمن بداية مسيرة الخط الطائفي الى سيطرة احزاب بعينها على الدولة ومقدراتها، مروراً بالفساد وسرقة عشرات المليارات من أموال العراقيين وخبزهم، الى العمليات الإرهابية التي ما فتأت تحصدنا كل يوم، والبطالة، ثم الفقر ثم تردّي الخدمات البلدية والقائمة تطول.
صحى العراقي يوماً فرآى أن احلامه أكلها العثّ، وكانت آخر ما يملكه واذا فقدها مات. لذا رفض أن يواريها الثرى أو يرميها في أقرب صندوق قمامة وخرج بعضهم الى ساحة التحرير وساحات المدن العراقية يحملون ماتبقى منها مصرّين على أن لهم الحق في الحلم، والحياة كباقي البشر.
خرجوا وسبقهم تسويق باقات من الإتهامات الظالمة ضدّهم بأنهم من أذناب النظام السابق، أو ربما من القاعدة!
ولكنهم خرجوا غير عابئين بشئ، أرادوا فقط أن ينفخوا بعضاً من الروح بأحلامهم قبل أن تتفسخ ويأكلها دود الطائفية والمحاصصة والفساد.
كانوا فتية آمنوا بوطنهم، وازدادوا عزماً.
أما البقية الباقية من العراقيين، فظلوا في بيوتهم مختارين الجلوس على تلّ عقيل بن أبي طالب، أو الوقوف في طابور الإنتظار. ولكن إنتظار ماذا ومَن؟
منهم من يقول: تعبنا، ومنهم من يصرخ: إنطوا الجماعة شوية وقت، خلّوهم يشتغلون. وهؤلاء كانوا الأكثر اثارة للسخرية من غيرهم. فهاهي سنوات ثمان عجفاء تجاوزت سنين سيدنا يوصف السبع العجاف، ولايوسف في الأفق.
هؤلاء هم ذاتهم الذين كانوا يدافعون عن الأنظمة السابقة في كل مراحلها. أنطوا الزعيم شوية وقت! أنطوا عبد السلام وقت ياناس خللي نشوف شيريد يسوي! أنطوا للبعثيين وقت.. أنطوا لصدام وقت، مبين هالمرّة جايين بنوايا مختلفة تماماً وشوفوهم شلون ديبنون العراق!!!
وأعطينا كل هؤلاء وقتاً إمتد لخمسن عاماً. ورأينا ماذا حصدنا من تلك الأعوام الطويلة! لاشئ، سوى المزيد من الموت والفقر والجوع والتهميش. المزيد من الظلم والظلام.
فهل سنعطي فرسان هذه المرحلة خمسين عاماً أخرى لنجربهم ونرى ماذا هم فاعلون؟
يبدو أن أكثرية من العراقيين يفضلون الجلوس واضعين ساقاً على ساق بإنتظار أن تأتي ماما أمريكا مرة أخرى لتقتلع النظام ويحلّ بريمر بيننا ضيفاً ثقيلاً ليشرّع لنا دستوراً من جديد ويعلم الله مالذي سيفعله هذا البريمر اذا جاءنا على متن أول طائرة جمبو "لمساعدتنا" في حلّ مشاكلنا.
المواطنون الذين خرجوا في المظاهرات الإحتجاجية هم تاج رأس العراقيين وهم شمس العراق التي اشرقت ولن تغيب، لأنهم خرجوا بالنيابة عن جميع العراقيين حتى أولئك الخائفين والمنافقين والمتخاذلين والمترددين، ولم يكونوا يحملوا مطالبهم الشخصية، بل مطالبنا نحن جميعاً.
أما أولئك الواقفين بينَ بين من أعضاء حزب عقيل بن أبي طالب، ومن جماعة "تعبنا"، أو "أنطوهم شوية وقت وخللي نشوف" أو من أعضاء حزب الأكثرية الساحقة " حزب ماكو فايدة" فلابدّ أنهم سيخرجون يوماً ما للشارع مطالبين بحقوقهم الشخصية المستباحة، ولكنهم سيكونون يومئذ لوحدهم لأن إجهاض هذه التظاهرات الإحتجاجية، لو تمّ تحت أية ذريعة، سيُسكت الى أمد طويل أي صوت مطالبٍ بالعدالة وإسترجاع الحقوق.
قلنا لهم: لنكتب على الجدران وفي أوراق الصحف وعلى قمصان التيشرت أنْ آنَ الوقت لينهض أهل الكهف من كهفهم فقد مات الطاغية وجاء زمن القيامة.
فعلّق كثيرون بسخرية: أنتم تحلمون. فكان جوابنا: نعم نحن نحلم، ولنا الشرف بأننا نحمل أينما ذهبنا حلم العراقيين ونعمل من أجل تحقيقه من خلال المظاهرات أو بأساليب أخرى يضمنها لنا الدستور.
وسنبقى نحلم، لأن العراق إصطفانا من بين أبناءه وبناته لنكون شعاع الشمس ونجمة الصباح وزقورات العبادة وجنائن بابل المعلقة. هذه أمانة في أعناقنا. فهل تريدون أن نخون أمانة العراق كما فعل البعض؟
شئ واحد نعرف إننا لن نفعله: لن ندخل في الكهف مرة أخرى لننام خمسين عاماً قادمة، ومكاننا من الآن فصاعداً هو ساحات العراق من ساحة التحرير في بغداد الى أصغر قرية عراقية لايعرف أحد أسمها. ومن له آذان للسمع فليسمع!

سعد الشديدي

ليست هناك تعليقات: