الأحد، يوليو 05، 2009

من قتلَ روبن هود؟


أخيراً مات روبن هود، الثائر الأسطورة الذي ألتفّ حوله الفقراء في غابة شيروود في مقاطعة نوتنغهامشايرلأنهم كانوا يرون فيه صوتهم العالي وقبضتهم الضاربة. مات الرجل الذي كان يُعيد للفقراء ما سرقه منهم الإغنياء ويقف أمام أطماع وتجاوزات شريف نوتنغهام على القانون ومحاولته المستمرة للحوسمة والتقفيص.
المؤسف إن هذا الثائر لم يمت في ساحات الوغى بطعنة رمح أو ضربة سيف، ولابالسمّ الذي دسّه له عدوّه اللدود مدير شرطة نونتغهام الظالم, ولاحتى بسهم طائش، من تلك التي كان يجيد توجيهها لخصومه، بل ذهب شهيداً لقرار هيئة الإذاعة البريطانية BBC التي قررت التخلّص منه غيلةً لإنهاء مسلسل يحمل إسمه لعدم كفاية الميزانية المخصصة للمسلسل جرّاء الأزمة الإقتصادية التي تعيشها بريطانيا والعديد من المؤسسات البريطانية ومن ضمنها هيئة الإذاعة البريطانية.

هكذا إذن هو مصير الأساطير! تموت عندما لاتجدّ من يدفع ثمن إستمرارها في الحياة.
وسواء وافقنا على موت نصير الفقراء أم لم نوافق فإن إنهاء حياة إسطورة تاريخية بريطانية دارت بها الركبان ووصل صيتها الى أقاصي الأرض يمثّل سابقة تاريخية لاتخلو من معنى ولا من الشجاعة أيضاً. فالناس، ونحن منهم، هم من يقررون في نهاية الأمر مايريدون ومالا يريدون، وظروفهم الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والنفسية هي التي تمنح الهواء والماء والغذاء للتاريخ وشخصياته، حتى تلك الأسطورية منها، لتعيش طالما كانت ثمّة حاجة لها وحيثما كانت تمارس دوراً إيجابياً في حياتهم.

وإذا كان البريطانيون أماتوا شخصية ظلت عزيزةً على قلوبهم لما يقارب خمسة قرون لأنها شكّلت في لحظة ما عبئاً إقتصادياً عليهم فإننا، نحن العرب والعراقيون على وجه الخصوص، بحاجة الى إعلان وفاة عشرات من الشخصيات التاريخية الأسطورية التي مافتئت تُثقل تاريخنا وخيالنا منذ مئات السنين، بعد أن أصبح وجودها في عقولنا وأفكارنا وسلوكنا اليومي عاملاً من عوامل تدمير مجتمعنا وتمنعنا من رؤية يومنا الذي نعيش لابل تتجاوزه الى أن تكون جداراً حاجزاً يمنعنا من رؤية المستقبل بشكل موضوعي.

دعونا نتحلى ببعض شجاعة هيئة الإذاعة البريطانية لنقتل بعض أساطيرنا التي يستخدمها من يريد لزحزحة السلم الأهلي في بلدنا، دعونا نتعلم الدرس على بساطته أنْ ليس هناك من مقدسات في ثقافتنا سوى تلك التي نحتاجها بالفعل لنستطيع من خلالها ربط الماضي بالحاضر، لا ربط الحاضر بالماضي، وتساعدنا في مسيرنا الشاقّ نحو يوم غدّ. أما تلك التي يُراد لها تدمير حياتنا وتقسيمنا الى خنادق متحاربة تعيش في زمن الغزوات الجاهلية فلا حاجة لنا بها.
مات روبن هود ليس بسبب أزمة قلبية، بل بسبب الأزمة الإقتصادية العالمية! فمتى سيموت عشرات الروبن هودات لدينا ممن يشارك وجودهم الأسطوري في ربطنا بتاريخ لم يعد قادراً على مساعدتنا في خلق المستقبل، بل أصبحوا عاملاً لإذكاء الفتنة وخلق أزمات سياسية تكاد تدمّر وطننا وأهله؟
من يستطيع قتل أسطورة لاحاجة لنا بها فليفعل! من يقدر على إماتة طائر الفينيق الذي لايريد أن ينهض من وهج النار ولهيبها فليفعل! أما أنا فسأذهب الى أقرب كتاب لأرى ما إذا كنت قادراً على قتل عنترة بن شدّاد العبسي أو أبو زيد الهلالي .. ومن يدري فقد أستطيع إعلان وفاة إسطورة أكثر أهمية من هذين الرجلين.


سعد الشديدي

ليست هناك تعليقات: